الحفر والإنتاج تحت سطح الماء

          مع أن الحفر الموجه هو أسلوب معروف لإقامة الآبار على الأرض قرب الساحل مع امتداد الحفر إلى التراكيب الجيولوجية تحت سطح مياه الأنهار والبحيرات والخلجان، إلا أن هناك حداً معينا لتطبيق هذه التقنية. فإذا كان التكوين المطلوب الوصول إليه بعيدا عن أقرب ضفة أو شاطئ، ولم يكن عميقا بالدرجة الملائمة، وجب إقامة هيكل البئر Derrick فوق الماء المتداخل.

          ويعود تاريخ الحفر والإنتاج تحت سطح الماء إلى أوائل عشرينيات القرن العشرين في البحيرات الداخلية وخلجان لويزيانا في الولايات المتحدة، كما حفرت أول بئر تحت سطح الماء في بحيرة ماراكايبو Maracaibo في فنزويلا عام 1924م، وكان معدل تدفق الزيت منها في حدود مائة ألف طن سنويا. وفي عام 1939م ثم استكمل حفر ألفي بئر في هذه البحيرة وحدها بمعدل إنتاج 33 ألف طن من الزيت يوميا. ولكن التنقيب والإنتاج في البحار المفتوحة لم يبدأ عمليا إلا بعد الحرب العالمية الثانية، في خليج المكسيك عام 1960م بوجه خاص، واعتمد على منصات ثابتة ركبت على دعامات ثبتت في قاع الخليج قريبا من الشاطئ. وتباعا أمكن الحفر بعيدا عن الشاطئ، وباستخدام أبراج حفر متحركة عائمة يمكن قَطْرُها من مكان لآخر، ولعمق يبلغ 300 قدم، لا سيما في الأجزاء الجنوبية من بحر الشمال.

          أما الحفر في المياه العميقة فقد تطلب إدخال تكنولوجيا الحفر بالاعتماد على منصات نصف مغمورة بالمياه أو طافية على سطح البحر. ويستخدم البريطانيون النوع نصف المغمور في بحر الشمال، وله أرجل لا تصل إلى قاع البحر ولكنها تنتهي ببراطيم مملوءة بالماء كليا أو جزئيا، ومثبتة بمرساة أو هلب في القاع. وفي المياه العميقة تستخدم ثماني مراسي أو لآكثر زنة 15 - 20 طن، ويعلو سطح المنصة منسوب سطح البحر بنحو 50 - 60 قدم. أما وحدة الحفر العائمة فهي سفينة ترسو في عرض البحر مستخدمة المراسي Anchors في الظروف الجوية الملائمة والمتوسطة، بمعنى أن عمليات الحفر توقف في حالات العواصف الجوية والبحرية، ولذلك فإن الاعتماد الأساسي في بحر الشمال يبقى على المنصات نصف المغمورة.

          عمليات الحفر والإنتاج تحت المياه العميقة عالية التكلفة؛ نظرا لارتفاع إيجارات أجهزة الحفر البحرية، وتكاليف تشغيلها، وكذا أعباء تموين العاملين بمنصات الحفر ونقلهم، وحاجة مواقع الحفر البحري لتجهيزات من أرصفة ثابتة وغيرها. ومع ذلك فقد بلغ إجمالي المساحات المرخص بالحفر فيها تحت مياه تزيد أعماقها عن 1500 قدم- على مستوى العالم - حوالي 1.13 مليون كيلومتر مربع.

          وعندما تتأكد الجدوى الاقتصادية للزيت أو الغاز تقام منصة من الصلب أو الخرسانة لتتكون مركز تجميع ثابت، ويمكن من كل منصة حفر حتى 40 بئراً بأسلوب الحفر الموجه، وتصمم مثل هذه المنصات طبقا لعمق المياه، وبحيث ترتفع قوائم المنصة مائة قدم على الأقل فوق سطح الماء، بما يحمي المعدات من تأثيرات أمواج البحر، وقد وصل إجمالي ارتفاع منصة إنتاج الزيت في بحر الشمال إلى 690 قدما ووزنها إلى 57 ألف طن. وفي حالة الاكتشافات المحدودة البعيدة عن الشاطئ يصبح استخدام المنصات بغير جدوى اقتصادية.

          وفي المياه العميقة تعد تكملة الآبار البحرية تحت سطح الماء ضرورة عملية، بشرط أن يسمح عمق المياه بمسافات فوق رؤوس الآبار تكفي للمرور الآمن فوقها لجميع أنواع السفن. وهناك عوامل عدة تفرض تكملة الآبار تحت سطح الماء، ومنها أن أعماق المياه الكبيرة لا تسمح بإنشاء أرصفة للآبار، لارتفاع التكلفة الاقتصادية والمصاعب الفنية الجمة التي تواجه الإنشاء، إلى جانب أن انتشار الأرصفة البحرية الثابتة حول الممرات البحرية يؤثر على سيولة الملاحة، وعلى سبيل المثال فإن حقل يوليو في خليج السويس في مصر يقع بالكامل داخل المنطقة الفاصلة بين الحارتين الشمالية والجنوبية للممر الملاحي عبر الخليج. كذلك فإن تكنولوجيا إكمال الآبار تحت الماء ستساعد على تنمية اكتشافات غير مجدية اقتصاديا إذا تمت تنميتها بالطرق التقليدية، إما لوجودها في أعماق كبيرة أو لصغر حجمها، كما أنها تسهم في تنمية الاكتشافات الموجودة داخل الممرات الملاحية والتي لا يمكن تنميتها من خارج الممر بالحفر المائل.

          ومن جهة أخرى فإن الإكمال تحت سطح البحر يجعل الآبار في مأمن من بعض المخاطر التي يتعرض لها بئر الإكمال التقليدي، فوجود رأس البئر تحت سطح البحر يؤمنه من مخاطر اصطدام السفن بالرصيف البحري وهو ما قد يحدث للبئر التقليدية، كما أن مخاطر الحريق تتراجع بالمقارنة بالبئر التقليدية في حالة نشوب حريق على الرصيف البحري المقامة عليه. وبالطبع يركب رأس البئر في عمق أكبر من غاطس أية سفينة تمر في منطقة إنشائه، وتوجد فوقه شمندورة تحذير، وأحيانا يحاط بواق حديدي إلى جانب تحديده في الخرائط البحرية الملاحية.

          ويلزم في حالة إكمال البئر تحت سطح البحر تطوير أجهزة التحكم الهيدروليكية عن بعد في الآبار تحت سطح البحر، وهو ما جعل تكلفتها تعادل 15 - 40% من التكلفة الكلية للبئر، وهي تربط بين الرصيف البحري ورأس البئر. ويلاحظ أنه في حالة الإكمال تحت سطح البحر يجري التحكم هيدروليكيا وأوتوماتيكيا في عدد أكبر من الصمامات بالمقارنة بحالة الإكمال التقليدي للآبار.

          ومع ذلك فإن ارتفاع مصاريف التشغيل نسبيا بسبب الاحتياج إلى حفار في كل عمليات صيانة البئر أو تطويره، قد يشكل قيداً في حالات الآبار العميقة ولكن التطور التقني يقلل من هذا العبء المادي عند الإنتاج، فقد أتاح استخدام أنابيب الحـفر التي تدار آليا من أعلى برج الحفر Top Drive System والتي يمكن أن تحفر 90 قدما بصورة متصلة قبل التوقف لإضافة أنبوبة حفر جديدة مما يختصر نحو 25% من زمن الحفر المألوف في المتوسط. وبخاصة إذا تم الحفر حتى أعماق تصل إلى سبعة آلاف قدم.

حسابات معامل الإنتاج

           تطبق المعادلة التالية لحساب معامل الإنتاج من الحقول البترولية المنتجة بتأثير الدفع الكامل للماء:

RF =ـــــــــــ x SE
      1 - SW - SOR
           1 - SW

          حيث تدل الرموز على الآتي:

          RF   = معامل الإنتاج.

          SW  = نسبة التشبع بمياه التكوين.

          SOR = نسبة الزيت غير المتحرك (اللازج حول حبيبات الصخور).

          SE   = كفاءة الإزاحة.

          وهذه العوامل جميعها يعبر عنها بأجزاء من الواحد الصحيح، فإذا كانت كفاءة الإزاحة مائة في المائة يكون العامل SE مساويا للواحد الصحيح. وبالطبع تعتمد نسبة التشبع بماء التكوين، ونسبة الزيت غير المتحرك على نوع الصخر الخازن، والسوائل الموجودة في الطبقات المنتجة، وهي عوامل طبيعية لا يستطيع المرء أن يتحكم فيها بالطرق التقليدية، وبالتالي فإن العامل الوحيد الذي يمكن التحكم فيه - في المعادلة السابقة - هو كفاءة الإزاحة. وبذلك ترتفع قيمة معامل الاستخراج كلما حصلنا على كفاءة إزاحة تقارب الواحد الصحيح. ومن المستحيل عمليا الحصول على كفاءة إزاحة تساوي 100% نظرا لتفاوت طبيعة الأجزاء المختلفة من الخزان الجوفي في مساميتها ونفاذيتها.

          وللحصول على الحد الأقصى لمعامل الإنتاج RF لا بد من استخدام أفضل أساليب تكملة الآبار وتنشيطها وضبط معدلات إنتاجها. وفي تكملة الآبار ينبغي الاهتمام باختيار الأجزاء المثقبة وأطوالها وطريقة التثقيب، ويجب أن تكون هذه المسافات أقصر ما يمكن، وفي أعلى جزء من الطبقة الحاملة للبترول بعيدا عن سطح تماس الزيت والماء، وأن تجري تكملة متتابعة للبئر طبقا لسنوات تشغيله وتدفق الزيت منه.

          وبهدف زيادة النفاذية حول المنطقة المثقبة من البئر يجري تنشيط الآبار بالأحماض، ما يحقق تفاعلا كيميائيا تحت ظروف الضغط المناسب بين الحامض والصخور. ومن الأنسب عمليا إجراء عملية التنشيط على مراحل باستخدام جرعات صغيرة نسبيا من الحامض المعالج. وتحقق الجرعة الأولى إزالة العوائق من الثقوب والشوائب، التي تنتج من استخدام أنواع الطفلة المختلفة في عمليات الحفر. ثم تلي الجرعة المخففة الأولى جرعات مركزة صغيرة لا تتجاوز كل منها نحو ثلاثمائة جالون طبقا لصلابة الصخور الخازنة، ومدى تأثرها بالحامض، وبالطبع فإن معظم عمليات تنشيط الآبار لا تتطلب بقاء جهاز الحفر على الموقع.

          ومن خلال ضبط معدل الإنتاج يعطي الزيت فرصة تكاد تكون مساوية للماء - الأسرع في حركته لأن سيولته أكبر من سيولة الزيت - في التحرك إلى البئر، ما يحقق كذلك إبطاء الزيادة في درجة التشبع بالماء في الطبقة المنتجة للبترول. ويجري تحديد معدل الإنتاج الأمثل للبئر بناء على سمك الطبقة المنتجة للبترول، والقرب من الفوالق، وخواص المسامية والنفاذية ومدى قرب أو المسافة المثقبة أو بعدها من منسوب التماس بين سطحي الزيت والماء، ووجود قطاعات أو شقوق صلدة تحت المسافة المثقبة، وقيمة ضغط الاستنزاف المسموح به رياضياً.

          وخلال إنتاج البترول، ينبغي انتظام متابعة منسوب تماس سطحي الزيت والماء، وتسجيل معدلات ارتفاعه على فترات متقاربة للتأكد من أن عملية إزاحة الزيت تجري بانتظام، والتأكد من أن سطح التماس بقي أفقيا بقدر الإمكان وليس متعرجا. ومع ظهور الماء في العينات التي تؤخذ من رأس البئر تقلل الفتحة السطحية لخفض معدل الإنتاج قبل ارتفاع درجة التشبع بالماء، ولإبطاء وصول البئر إلى مرحلة الإنتاج المتقطع أو الإنتاج بطريقة الرفع الصناعي.

          وهكذا تتكامل أساليب تكملة الآبار وتنشيطها، واختيار معدلات الإنتاج المناسبة ومتابعتها لزيادة إنتاج الحقول البترولية، خاصة تلك المحتوية على طبقات الحجر الجيري، التي تختلف نفاذيتها ومساميتها وتعتمد على قوة الدفع بالمياه. وهذه الأساليب العملية سهلة الاستخدام، وتزيد من مخزون البترول القابل للاستخراج بالاعتماد على الطاقة الطبيعية، دون التحول إلى طاقة صناعية، قد تكون باهظة التكلفة.