تسونامي زلزال سومطرة قد يكون الأكثر فتكاً

Tsunami
أمواج تسونامي متشكلة في الزقاق البحري بين سومطرة و جاوا (موسوعة إنكارتا)

المهندس عبد الهادي النجار
خاص بأخبار البيئة، سوريا

أثناء الإعداد لهذه المقالة بلغ عدد ضحايا تسونامي زلزال سومطرة (غربي أندونيسيا) أكثر من أحد عشر ألف ضحية، و من المتوقع و حسب الخبرة المكتسبة من زلازل مشابهة أن يتجاوز العدد النهائي للضحايا أكثر من 40 ألف ضحية لا سمح الله (تقديرات أخبار البيئة).

ما لفت نظري في زلزال سومطرة أنه يكاد يماثل زلزال أصاب ذات المنطقة عام 1883، ففي ذلك العام جرى تسجيل نشاط زلزالي ترافق مع ثوران بركان كراكاتوا حيث بلغ ارتفاع الأمواج أكثر من 40 متراً مسحت جزيرة جاوا (جنوبي أندونيسيا حيث تتوضع عليها العاصمة جاكارتا) موديةً بحياة أكثر من 36,000 شخصاً و مزيلةً جميع القرى.

بركان كراكاتوا (راكاتا) يشكل جزيرةً بركانيةً صغيرةً تبلغ مساحتها 47 ألف كيلومتر مربع تقع في الزقاق البحري المسمى "سوندا" و الذي يقارب عرضه 25 كم فاصلاً بين جزيرة سومطرة و جزيرة جاوا (البر الرئيسي لأندونيسيا بالإضافة إلى جزيرة سولاويسي).

يعتبر التسونامي (الأمواج البحرية) الناتجة عن زلزال جاوا عام 1883 هي الأكثر فتكاً على مر التاريخ المسجل للتسونامي، و بالتالي فإن تقديرات أخبار البيئة -إن صحت- تضع التسونامي الناتجة عن زلزال سومطرة 2004 على رأس التسونامي الأشد فتكاً على مر التاريخ.

لا بد من التنويه إلى أن شدة الزلزال المحسوبة مبدئياً بـ 8.5 ريختر (تحديث: جرى تصحيحها من قبل المعهد الجيولوجي الأميركي إلى 8.9 ريختر) هي عبارة عن تمثيل لوغاريتمي عشري للسعة العظمى للهزة مقاسةً كجزء بالألف من المليمتر و مرجعة على بعد 100 كلم من المركز السطحي للزلزال، و بشكل أكثر تبسيطاً فهي تمثل قياس شدة ذي مدلول علمي لا يعبر بمطلق الأحوال عن الضرر الناتج عن الزلزال كمقياس ميركالي المعدل كون الضرر يرتبط بعوامل أخرى كثيرة لا مجال لذكرها و قد يكون أهمها طبيعة الوسط الذي تنتقل فيه الاهتزازات.

كما لا بد من التأكيد على أن مقياس ريختر هو مقياس مفتوح لا حد له سلباً أو إيجاباً و ذلك على عكس ما أشار إليه البعض من أن حده الأعلى هو 9 درجات ، مع التنويه إلى أن الشدة المبدئية لزلزال سومطرة الحالي تتجاوز شدة زلزال ألاسكا العظيم عام 1964 التي بلغت 8.4 ريختر و تقل عن شدة زلزال تشيلي عام 1960 التي بلغت 9.5 ريختر.

الجدير ذكره أن أكثر التسونامي المسجلة فتكاً كان في جزيرة جاوا عام 1883 كما ذكرنا سابقاً تليها تسونامي اليابان عام 1896 التي أودت بحياة 27,000 شخص و دمّرت قرابة 10,000 منزل.

تشكل التسونامي
طريقة تشكل أمواج تسونامي

إن أمواج البحر الزلزالية، أو التسونامي، هي تهديد حقيقي للتجمعات السكنية قرب الشواطئ في كل مكان، و في بعض الحالات تكون التسونامي مدمرة جداً، و تأثيراتها لا تستطيع الهندسة الإنشائية و نوعية التنفيذ مجابهتها، و أفضل دفاع يكون في الإنذار و الإخلاء.

إن الضرر على المنشآت المدنية من جراء أمواج البحر الزلزالية سيستمر بالحصول، لكن الخسائر المأساوية في الأرواح تناقصت بشكلٍ كبير مع تطور إمكانيات التوقع و الإنذار.

تستطيع أمواج البحر الزلزالية إحداث الضرر بعيداً عن المركز السطحي للزلزال  ، فزلزال أنكوراج، ألاسكا 1964 ولّد تسونامي أغرقت 30 مبنىً في مدينة كريسينت، كاليفورنيا التي تبعد أكثر من 2500 كم عن أنكوراج.

من ناحية أخرى يجب التمييز بين التسونامي و الأمواج المديّة الناتجة عن الأعاصير، و هنا تجدر الإشارة إلى الأمواج المديّة التي ترافقت مع إعصار عام 1970 الذي أودى بحياة ما يقارب نصف مليون شخص في بنغلادش.

تعتبر سلسلة الزلازل التي أصابت بلاد الشام و مصر العليا و معظم منطقة الشرق الأوسط بين عامي 1201 و 1202 هي الأكثر فتكاً حيث قدرت شدتها بـ 7.5 ريختر و أودت بحياة ما يقدر بـ 1,1 مليون شخصاً. أما أكثر الزلازل فتكاً في القرن العشرين فهو زلزال الصين عام 1976 و الذي بلغت شدته 7.8 ريختر و أودى بحياة 250 ألف شخص.

قبل بضعة سنوات حدث زلزال صغير في الإمارات في الإمارات الشمالية بالتحديد، ونادى البعض بإنشاء مراكز مراقبة زلالزل، ولا أدري ماذا حدث، أعتقد أننا بحاجة في كل دولة إلى خبراء طقس وخبراء زلازل، اليابان استطاعت تجاوز الكثير من المشاكل بتوعية الناس وإنشاء مراكز مراقبة زلازل.

لأسف يبدو أن تقديراتي آخذة بالتحقق فقد بلغ عدد الضحايا حتى الآن قرابة ثلاثين آلف شخص و يبدو أن تسونامي زلزال سومطرة سيغدو الأكثر فتكاً في التاريخ المسجل!

لا يوجد ما هو أفضل من زلزالٍ قوي ليوضح بشكل مباشر محدودية الهندسة البشرية مقارنةً بالطاقة التدميرية المحتملة للبيئة الطبيعية، فبالرغم من التقدم المنجز في تقييم أثر الزلازل على المنشآت لا يزال لدينا الكثير لنتعلمه.أكاد أجزم أن جميع الدول العربية تفرض رسمياً تصميم المنشآت مع مراعاة كود مخصص للتصميم على الزلازل. كما أن أكثرها تملك محطات خاصة لرصد الزلازل.

للمصادفة فقد صدر قبل ثلاثة أيام قليلة قانون في سوريا بإحداث الهيئة الوطنية للزلازل، و إن كانت معظم مؤسساتها قائمة سلفاً. كما كان هناك قبل أيام قليلة اجتماع في مقر جامعة الدول العربية لمجلس الوزراء العرب المسؤولين عن الإسكان لمناقشة أكواد التصميم المقاوم للزلازل في الدول العربية.

هل يلتزم الجميع بالتصميم وفقاً لكودات المنشآت المقاومة للزلازل؟ لا أعتقد أن ذلك يتم على الشكل الأمثل و خاصةً في مناطق السكن العشوائي .. و لكنني على ثقة أن المنشآت العامة (المدارس، مباني الإطفاء، المشافي...) و المباني التي تتكون من ثلاثة أدوار أو أكثر تراعي اشتراطات هذه الأكواد.

إن المبدأ العام لتصميم المنشآت لمقاومة الزلازل هو منع تضرر العناصر الإنشائية و غير الإنشائية في الهزات منخفضة الشدة، و الحد من تضرر العناصر الإنشائية و غير الإنشائية بالمستوى الذي يتيح الإصلاح و الترميم في الزلازل المتوسطة، و منع الانهيار الكلي أو الجزئي في الزلازل عالية الشدة من أجل تجنب الخسائر في الأرواح.

فعلياً يصبح هذا الأمر مرهوناً بمدى الالتزام بتطبيق المواصفات التصميمية التي تطالب بها الكودات و الالتزام بتنفيذها من ناحية و بشدة الزلزال الحاصل من ناحية أخرى، ففي الزلازل الهامة نجد العديد من المنشآت المنهارة برغم أنها مطابقة لاشتراطات الكود التصميمية، و يكون السبب عندها إما أن الكود متساهل في احتياطاته، أو أن الزلزال ببساطة قوي جداً و لا تستطيع أي منشأة تحمله! يعتبر حزام "حلقة النار" الذي يطوّق المحيط الهادئ و يبلغ طوله 32500 كلم ناشطاً تكتونياً أي أنه يمثل منطقةً حيث الصفائح التكتونية قطع ضخمة من قشرة الأرض- تتحرك و تنتقل ببطء و تنزلق تحت أو أعلى أو إزاء الصفائح أخرى. إن هذا النشاط التكتوني يؤدي إلى حدوث الزلازل و تشكل البراكين، و بالتالي فإن انتشار هذه البراكين بشكل واسع على طول الحزام دعى إلى تسميته بـ "حلقة النار".

يُستخدم مصطلح تسونامي و هي كلمة يابانية تعني "موجة الميناء" كمصطلح علمي لأمواج البحر الزلزالية المتولدة عن الزلازل أو الانزلاقات أو الثورات البركانية تحت البحر. عندما يتمايل قاع المحيط أفقياً و/أو شاقولياً خلال زلزال ما فإن مجموعة من الأمواج تبدأ بالتشكل بشكل مشابه للأمواج متحدة المركز التي تتشكل عند إلقاء جسم ما في الماء (الصورة أعلاه)، و هنا يتضح لنا لماذا تكون معظم التسونامي متشكلةً على طول حلقة النار.

يمكن أن يبلغ اتساع موجة التسونامي عرضاً ما بين 100 إلى 200 كلم و أن تنتقل إلى مسافات بعيدة عبر المحيطات العميقة بحيث تصل سرعتها ما يقارب 725 إلى 800 كلم/ساعة. حال دخول التسونامي إلى المياه الشاطئية الضحلة يمكن للأمواج التي لم يكن ارتفاعها يتجاوز النصف متر في عمق البحر أن تنمو بشكل متسارع جداً ليبلغ ارتفاعها 15 مترا أو أكثر.

تختزن التسونامي طاقةً هائلةً متحررةً عن النشاط التكتوني تنقلها كميات المياه الضخمة المتأثرة و تفرغها على شكل طاقة حركية مدمرة قادرة على "محق" المنشآت الشاطئية.

الصفحة الرئيسية

رمز نقطي

الصفحة الرئيسية