تطور الاتصالات عبر التاريخ

على مر التاريخ، استغل الإنسان نمو معرفته بالبيئة المحيطة، واكتشافه لقوانين الطبيعة المختلفة، في تطوير وسائل الاتصال، حتى اشتملت على هاتف لاسلكي، وبرق كاتب، وهاتف خلوي، وشبكات الحاسب الآلي، والاتصال عبر الأقمار الصناعية. يمكن من حيث الاستخدام تقييم أنواع الاتصالات وطرقها، تبعاً لاستخدامها، كما يلي:

1. الاتصال المباشر السمعي، والبصري

الاتصال المباشر هو الأسلوب الأقدم لتقنيات الاتصال، التي عرفها الإنسان؛ واستمر استخدامه، حتى الآن، على الرغم من تطور تقنيات أخرى. والاتصال المباشر، يعتمد، أساساً، على نقل الرسالة شخصياً، بواسطة مندوبين، لتوصيل مضمونها. وقد يختلف الوقت المتاح لإدراك المتلقي لمعنى الرسالة، من موقف إلى آخر.

فالزمن والمسافة والعوائق الطبيعية، كانت تحُول دون الاتصالات المباشرة، فلا يمكن نقل رسالة إلا بتقابل المرسل والمتلقي، في وقت واحد ومكان واحد. وللتغلب على تلك العقبة، استحدثت وسائل لنقل مضمون الرسائل، مثل استخدام الدخان نهاراً، وضوء المشاعل ليلاً، مع وضع مفهوم خاص للفترة الزمنية، التي يستمر فيها الدخان أو ضوء المشعل؛ فكان هنالك مفهوم للفترة الطويلة، وآخر للفترة المتوسطة، والفترة القصيرة، وكذلك معاني الفواصل بين تلك الفترات وطولها.

وقد استخدم الإنسان مبدأ الانتقال في نقل الرسالة المنطوقة من مكان إلى آخر، بواسطة أشخاص لهم قدرات خاصة من حيث سرعة العدو، والقدرة واللياقة البدنية،  التي تساعدهم على اجتياز الموانع والعقبات. واستغل الإنسان كذلك فكرة إعادة الإذاعة، بقطع العداء الأول مسافة محددة، ينتظره في نهايتها عداء آخر، يستمع الرسالة ويستوعبها، ويبدأ العدو في اتجاه المتلقي النهائي المعني بالرسالة.

وتحسن الاتصال بين الأشخاص والجماعات، مع ظهور اللغات واللهجات. واستحدث الإنسان أول نشرة أخبار عرفها التاريخ، تمثلت في شخص المنادي، الذي ينتقل من مكان إلى آخر، ويجذب انتباه الجماعة، بإلقاء الأخبار أو المعلومات، التي كلف بتوصيلها. وبالأسلوب نفسه، ظهر أول استخدام للاتصال، للترفيه والتعليم والتثقيف. وظهرت للمرة الأولى مهنة الرواة والشعراء.

استمرت وسائل الاتصال المباشر: الصوتية والمرئية، بواسطة الإنسان، مستخدمة أسلوب إعادة الإذاعة في نقل الرسائل المرئية من مكان إلى آخر؛ فاستخدمت، مثلاً، المرايا العاكسة في نقل الإشارات والرموز المختلفة، واستخدم الأسلوب، الذي أطلق عليه "سيمافور"، والمتمثل في أعمدة خشبية مرتفعة، على قمتها أذرع ميكانيكية بألوان مختلفة، تعبّر حركاتها، والفواصل بين الحركة والأخرى، عن رموز تراسل محددة. وتتكرر إذاعة الرسائل من عمود سيمافور إلى العمود الذي يليه، حتى تصل إلى المستقبل النهائي.

وما زالت فكرة استخدام الانتقال في تحقيق الاتصال المباشر متَّّبَعة إلى الآن. فإنسان العصر الحديث، يستخدم وسائل الانتقال الحديثة من سفن وطائرات، لنقل رسالة شفهية، بين الأشخاص، أو للتفاوض وعقد الصفقات التجارية. وتطور الاتصال المباشر بين الأشخاص والجماعات تطوراً جوهرياً مع اختراع الكتابة.

وقد ربط الإنسان، بعد ذلك، بين الرموز والرسومات التعبيرية للكتابة التصويرية، وبين المقاطع الصوتية التي يستخدمها في الاتصال بأبناء جماعته، لتظهر بذلك أول كتابة منطوقة. وأضيف إلى الرسوم والرموز التعبيرية علامات ورموز لها دلالات صوتية؛ لتظهر بذلك أولى أنواع الأبجديات، ومنها الأبجدية المسمارية أو السومرية، وتلتها الأبجدية الهيروغليفية[1] عند فراعنة مصر.

ومع ظهور الكتابة، بزغ فجر عصر جديد من الاتصال المباشر بين البشر، حيث بدأ استخدام المراسلين والعدائين، والمترجلين، أو الذين ينتقلون على ظهور الجياد، لحمل الرسائل المكتوبة من مكان إلى آخر، سواء بالأسلوب المباشر أو بأسلوب التتابع، ومنه تطور إلى استخدام حمام الزاجل، الذي تربط في أرجله الرسائل الصغيرة، التي تحمل المعلومات المهمة.

مر تطور الكتابة بمراحل رئيسية، كان أهمها ظهور الطباعة، التي ترجع فكرتها إلى القرن الأول الميلادي، حينما استخدم الصينيون كتلاً خشبية، ذات أشكال مميزة، بعد غمسها في أحبار خاصة، لطباعة أشكال ورموز بسيطة. ويسجل التاريخ الحديث للعالم يوهان جوتنبرجJohann Gutenberg  اختراع الطباعة، باستخدام حروف مصنوعة من المعدن، ذات أشكال دقيقة، ترتب في إطارات خشبية لتكوين الكلمات والجمل؛ وكان الإنجيل هو أول كتاب طبع، عام 1455، باستخدام هذه التقنية الحديثة. وقد أصبحت الجرائد والكتب، منذ اختراع الطباعة وتطورها، هي أهم وسائل الاتصال الجماعي؛ وازدادت أعداد القادرين على القراءة والكتابة، اللتَين أصبحتا إحدى الصفات الضرورية للإنسان المتحضر. ومع هذا الازدهار، كان تبادل الرسائل والكتب والجرائد من خلال البريد، أحد أهم وسائل الاتصال؛ وتولت الدول تنظيم أسلوب تداوله، حتى أصبح يغطي جميع أنحاء العالم. واستحدث، أخيراً، ما أطلق عليه البريد السريع، بواسطة الإنترنت، أو من خلال شركات خاصة، تضمن وصول الرسائل إلى أيّ مكان، في وقت قصير، وأحياناً في يوم واحد.

2. الاتصالات السلكية

استمر الإنسان في سعيه الدائب، لاستحداث وسائل الاتصال وتطويرها؛ فبعد اكتشاف الكهرباء، فكر العلماء في كيفية تطويعها لتحقيق الاتصال، واختصار المسافة والزمن. وفي عام 1837، اخترع البرق الكاتب، التلغراف، في كلّ من المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية، حيث نجح صموئيل مورس Samuel Morse، الأمريكي، والسيدان البريطانيان: وليام كوك Sir William Cooke، وشارلز ويتستون Sir Charles Wheatstone، في تطوير إرسال الرسائل بأسلوب كهربي، في لحظة، عبر عدة أميال.

وأُنشئت أول شبكة برق كاتب في الولايات المتحدة الأمريكية، امتدت أعمدتها موازية لخطوط السكة الحديدية، لتربط بين جميع أنحاء البلاد. وسمحت الشبكة الجديدة بتبادل الرسائل، خلال أسلاك البرق الكاتب، عبر آلاف الأميال، في ثوانٍ معدودة. وفي عام 1858، مد أول كبل بحري للبرق الكاتب، عبر المحيط الأطلسي، ولكن هذا الكبل تحطم خلال أسابيع قليلة؛ وتكررت المحاولة، بنجاح، في عام 1866، وقد جعل هذا الكبل نقل الرسائل، عبر المحيط الأطلسي، خلال دقائق قليلة فقط، أمراً ممكناً.

وقبل نهاية القرن الثامن عشر، أصبحت الاتصالات، داخل الولايات الأمريكية، تعتمد اعتماداً رئيسياً على البرق الكاتب، الذي أصبح منافساً لنظام البريد الأمريكي؛ وسريعاً ما انتشر استخدامه، في أنحاء متفرقة من العالم. ومنذ عام 1851، أسهم البرق الكاتب في نمو الأسواق الاقتصادية العالمية، حيث ربطت بشبكاته السلكية بورصات كلّ من لندن وباريس. وقبل نهاية القرن التاسع عشر، أصبحت مراكز الأعمال والمكاتب الحكومية، مرتبطة بشبكاته، كما كان تبادل الرسائل الشخصية أمراً ميسوراً، عبر مكاتبه التجارية المنتشرة في كلّ مكان.

إضافة إلى التأثير: الاجتماعي والسياسي والاقتصادي لاختراع البرق الكاتب، فقد أثر تأثيراً مباشراً في الأعمال العسكرية؛ إذ استُخدم، خلال الحرب الأهلية الأمريكية، في توجيه القوات، وتوفير الإمدادات والمعاونة، وإبلاغ معلومات الاستخبارات المرتبطة بأعمال القوات المعادية وتحركاتها. ولأهمية البرق الكاتب، عسكرياً، أقر الكونجرس الأمريكي، عام 1862، تشريعاً، مكن الرئيس لينكولن Lincoln من السيطرة على جميع خطوط التلغراف في الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أدى هذا إلى إنشاء القوة المدنية للتلغراف العسكري، التي استخدمت أكثر من ألف عامل تلغراف، والعديد من العمال المعاونين لهم؛ وسرعان ما أصبح هذا الكيان سلاح الإشارة، التابع لقيادة الجيش الأمريكي.

وفي عام 1861، نجح العالم الألماني، جوان فيليب رايس Johan Philip Reis، في صناعة أول آلة هاتف، تنقل الصوت إلكترونياً؛ ولكن يُنسب الاختراع الفعلى العملي لجهاز الهاتف، إلى العالم ألكسندر جراهام بل Alexander Graham Bell، الذي اكتشف، عام 1876، هو ومساعده توماس واطسون Thomas Watson، وسيلة لنقل الصوت بواسطة التيار الكهربائي. ومثله مثل البرق الكاتب، حقق تأثيراً بالغاً في الاقتصاد، والأداء: الحكومي والعسكري، والسياسة الخارجية، وكلّ مجال من مجالات النشاط الإنساني.

وبحلول عام 1900، أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية، تستخدم أكثر من مليون جهاز هاتف، ترتبط فيما بينها من خلال شبكة الهاتف الوطنية. كما عملت الدول الصناعية الأخرى على بناء شبكات الهاتف الخاصة بها، وكان معظمها، في هذا الوقت، شبكات تملكها وتتحكم فيها الحكومات. ونظراً إلى المعايير الأمنية، تأخر عبور خطوط شبكات الهاتف للحدود السياسية لمعظم الدول. وفي عام 1939، فاق عدد المكالمات الهاتفية، في الولايات المتحدة الأمريكية، عدد الرسائل البريدية. ولم يمض أكثر من 25 سنة على اختراع الهاتف، حتى أصبح شائع الاستخدام في مختلف أنحاء أوروبا وأمريكا. وخلال السبعينيات والثمانينيات من القرن التاسع عشر، مُدت مسافات طويلة من خطوط الهاتف، كونت شبكة ضخمة، ساعدت على تحقيق الاتصالات الشخصية.

ومنذ بداية القرن العشرين، أصبح جهاز الهاتف موجوداً في كلّ مكان، خاصة في الدول الصناعية. ففي مجال الأعمال والاقتصاد، أسهم الهاتف في تقليل الزمن، الذي يستغرقه عقد الاتفاقات وتنسيقها وتنفيذها، بفاعلية أكثر من التي أتاحها اختراع البرق الكاتب. أمّا بالنسبة إلى المجال: العسكري، والدبلوماسي، فقد ساعد الهاتف والبرق الكاتب، على توفير الاتصال الشخصي، لضمان المزيد من التنسيق والتفاهم في المواقف المختلفة؛ وأسهما معاً، وخاصة في المجال العسكري، في زيادة سرعة إيقاع الأعمال العسكرية، وتقليل زمن رد الفعل، وزيادة المرونة في استخدام القوات والإمكانيات.

وقد واكب اختراع الهاتف اختراع آخر، استغل شبكات خطوط الهاتف، التي أصبحت تغطي معظم سطح الكرة الأرضية، وهو اختراع الفاكس Fax، الذي ينقل سلكياً صورة الوثائق المختلفة، من مكان إلى آخر. وقد عاون هذا الاختراع، إضافة إلى الهاتف والبرق الكاتب، على تغلب الاتصالات على عقبات الزمن والمسافة والموقع.

تطور تكنولوجي آخر، أدى إلى مرحلة جديدة من مراحل ثورة الاتصالات، وهو اختراع الصمامات الإلكترونية المفرغة The Vacuum Tubes. ففي عام 1907، اخترع المهندس الأمريكي، لي دي فوريست Lee De Forest، أول صمام تكبير ثلاثي Amplifying Triode Tube؛ استطع تكبير الإشارات الكهربائية الضعيفة، المتولدة في الميكروفون، إلى الحدّ الذي يلائم نقلها، عبر أسلاك الهاتف؛ وبذلك أمكن تحقيق الاتصال الهاتفي، عبر مسافات طويلة جداً، مع الاحتفاظ بالوضوح الكامل للصوت؛ كما أمكن تكرار عملية التكبير، من مكان إلى آخر، لتحقيق مسافات اتصال أطول من تلك التي كانت متاحة قبل ذلك. وكان آخر ما استحدث من وسائل وأساليب، هو استخدام كُبُول الألياف الضوئية، وهو أحدث نقلة تكنولوجية كبيرة في عالم الاتصال السلكي.

3. الاتصالات اللاسلكية

في عام 1895، أرسل المهندس الإيطالي، جوليلمو ماركوني Guglielmo Marconi، أول إشارة لاسلكية، عبر مسافة 3كم؛ وصنع أول جهاز، أرسل بواسطته رسائل من الشاطئ إلى سفينة قريبة، وكذلك من سفينة إلى أخري. وما إن ثبت نجاح هذا الاختراع، حتى أسرعت البحرية البريطانية، والبحرية الأمريكية، في تبنِّي هذه التقنية الجديدة، لاستخدامها في تحقيق الاتصال بين السفن الحربية، وهي في عرض البحر. ونجح ماركوني، في عام 1901، في إرسال إشارة لاسلكية، عبر المحيط الأطلسي. في بادئ الأمر، كان استخدام الراديو؛ بصفته وسيلة اتصال، مقصوراً على إرسال إشارات المورس[2] Morse Code، الذي انتشر استخدامه في العديد من السفن: التجارية والسفن الحربية؛ فضلاً عن العديد من الاستخدامات البرية.

وبعد اختراع صمامات التكبير، وهندسة أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكية، نشأت فكرة الإذاعة المسموعة. وفي عام 1920، كان هناك أكثر من 600 محطة إذاعة، منتشرة في الولايات المتحدة الأمريكية فقط؛ وخلال سنوات قليلة، أصبحت محطات الإذاعة الوطنية، منتشرة في كلّ بلاد العالم.

ولعبت القوات المسلحة الأمريكية دوراً رئيسياً في تطوير وسائل الاتصال اللاسلكية، فخلال الحرب العالمية الأولى، استخدمت هذه الوسائل، بكثافة، في تحقيق مهامّ القيادة والسيطرة؛ وفي الحرب العالمية الثانية، ازداد استخدام وسائل الاتصال اللاسلكية، فانتشرت معداتها في جميع الوحدات العسكرية المتحاربة، وفي جميع الفروع والأسلحة المختلفة. وقد أتاح استخدام الاتصال اللاسلكي للقادة استخدام قواتهم بمرونة عالية، إضافة إلى تيسير مهام القيادة والسيطرة وإحكامها. وظهر، خلال الحرب العالمية الثانية، استخدام اللاسلكي والإذاعة، في الحرب الدعائية. ولا يمكن إغفال دور وسائل الاتصالات اللاسلكية في مجالات العمل والكشف عن النفط، والصناعات والزراعات المختلفة، وفي تنمية رؤوس الأموال، وحركة البورصات، وأعمال البنوك، وإدارة أعمال الطائرات والسكك الحديدية، ووسائل النقل والمواصلات المختلفة.

منذ اختراع التصوير الفوتوغرافي وتطوره وانتشاره، أصبحت الصورة الفوتوغرافية أحد مصادر المعلومات الرئيسية المهمة، المتبادلة عبر أنحاء العالم؛ إذ إن صورة واحدة، تغني عن مقال من ألف كلمة. ومنذ ذلك الوقت، بدأ العلماء التفكير في كيفية نقل الصورة، عبر وسائل الاتصال المتاحة، للتغلب على العقبات الثلاث الرئيسية: المسافة والزمن والموقع. وقد أدى هذا التفكير إلى اختراع الهاتف، الذي تطورت تقنيته، تدريجاً؛ ففي عام 1922، اخترع المهندس الأمريكي فايلو تايلور فارنزوورث Philo Taylor Farnsworth، أسلوباً لمسح الصورة في خطوط متتالية؛ وأعلن تطوير نظام تليفزيون كهربائي. وفي هذه الأثناء، اخترع المهندس الأمريكي، الروسي المولد، فلاديمير كوزما زوريكن Vladimir Kosma Zworykin، عام 1923، صمامات شاشات التليفزيون.

في عام 1936، بدأت الحكومة الألمانية، للمرة الأولي، بثاً تليفزيونيا تجريبياً؛ ونقلت لقطات من دورة برلين الأولمبية إلى بعض الأماكن في ألمانيا. وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كان أول بث تليفزيوني في عام 1939، حينما نقلت وتم فيه نقل مباراة البيسبول بين جامعتي هارفارد ويال Yale-Harvard. وبحلول عام 1960، أصبح التليفزيون أحد أهم التقنيات الحديثة تأثيراً في المجتمع، إذ أصبح إحدى الوسائل الرئيسية للتعليم، والثقافة، والإعلام، والترفيه، والدعاية.

وتضاعفت إمكانيات البث التليفزيوني، بعد الاستفادة مما وفرته الأقمار الصناعية؛ فربطت بين جميع أركان الكرة الأرضية ربطاً فورياً، وساهمت في تحقيق المؤتمرات المرئيةVideo Conference، أو الاتصالات بالصوت والصورة.

وقد أثر اختراع التليفزيون وتطوره تأثيراً كبيراً في المجال العسكري، حيث أمكن القادة العسكريين مشاهدة ما يجري في ميادين القتال مباشرة، وهم في مراكز قيادتهم.

وفي محاولة الإنسان للتغلب على المسافة وتأثير الموقع، توصل إلى فكرة استخدام الأقمار الصناعية في المدارات، التي يرتفع بعضها عن سطح الكرة الأرضية مسافة 36 ألف كم، للربط بين شبكات الاتصال المختلفة، وتبادل الإشارات: الهاتفية والتليفزيونية، والرسائل الرقمية؛ متخطياً بذلك جميع العوائق. وتعد الأقمار الصناعية هي التطور التكنولوجي الأكثر تأثيراً في توفير إمكانية الاتصال، في الوقت الحقيقي Real Time Communication، بين مختلف بقاع العالم. وقد أحدثت تكنولوجيا الأقمار الصناعية تأثيراً جذرياً في النظام العالمي، على المستويات: الاقتصادية والصناعية والثقافية والعسكرية والسياسية، ولقد استخدم الإنسان الاتصالات اللاسلكية في الوسائل المحمولة جواً، والوسائل الفضائية، ومع رجال الفضاء أثناء الرحلات خارج مجال الكرة الأرضية؛ وليس أدل على هذا الاستخدام عالي التقنية، من الاتصال بين القاعدة الأمريكية، في كيب كانفرال، ورواد الفضاء الأمريكيين، على سطح القمر، ومتابعتهم بالصوت والصورة، وهو ما أدهش العالم. وتوسع العلماء في خدمة البشرية، فاستُخدم نظام الاتصال المزدوج، والاتصالات اللاسلكية، في حيزات معينة، لتُنقل عبر المقاسم المدنية آلاف المكالمات الهاتفية، ولرفاهية الإنسان، وفرت التقنية الحديثة الهاتف الخلوي، الذي يستخدم بعض الترددات اللاسلكية، وأصبح وسيلة مهمة وأساسية في اتصال البشر، عبر قارات الدنيا، وتبادل المحادثات: المرئية والمسموعة؛ وفي مجالات أخرى كثيرة، استغلت فيها الاتصالات اللاسلكية.

4. شبكات الاتصال والحاسب الآلي

يعد العالم جون فينسينت أتانسوف، أول من وضع أساس الحاسب الآلي الإلكتروني؛ فقد وضع، في عام 1939، نموذجاً عملياً لوحدة معالجة بيانات، في جامعة أيوا Iowa الأمريكية. وتلاه، مباشرة، عالم الرياضيات البريطاني، آلان تيرنينج Alan Turning، بهندسته حاسباً آلياً، أطلق عليه اسم كولوساس Colossus، اختص بفك الشفرات، التي كانت تستخدمها القوات الألمانية في الحرب العالمية الثانية؛ ولا يقلّ أثر هذا الحاسب، في تلك الحرب عن الأثر الذي أحدثه جهاز الرادار. وقد أظهرت الحرب العالمية الثانية الحاجة إلى حاسبات سريعة، تتعامل مع المعادلات الرياضية المعقدة، الخاصة بإدارة نيران المدفعية والصواريخ؛ وأدى ذلك، في عام 1946، إلى اختراع الحاسب والمكامل الرقمي الإلكتروني Electronic Numerical Integrator And Calculator EIAC، في جامعة بنسلفانيا Pennsylvania ، الذي احتوى على 17 ألف صمام مفرغ، وكان يزن 30 طناً، ويشغل 15 ألف قدم مكعب.

واكب هذا التطور ظهور شبكات التحويل، التي يتحكم فيها الحاسب الآليComputerized Switching Networks ، والتي أتاحت الفرصة لتنفيذ شبكة اتصال خطية عالمية، باستخدام كُبُول الاتصال، أو الموجات المتناهية في القصر Microwave، ووصلات الاتصال عبر الأقمار الصناعية؛ وأصبح مستخدمو أجهزة الهاتف، الذين يتجاوز عددهم 700 مليون مستخدم في العالم، قادرين على الاتصال بعضهم ببعض، بيسر وسهولة ووضوح. باستخدام وحدات موائمة خاصة، أُطلق عليها اللفظ العلمي المودم Modem، وهي وحدات تعمل على ربط الحاسب الآلي من خلال شبكة الاتصال القائمة، أصبح من الممكن اتصال الحاسبات الآلية بعضها ببعض، وتبادل المعلومات فيما بينها؛ ما أدى إلى ظهور شبكة المعلومات العالمية، الإنترنت، كما يسر العديد من المهامّ منها، حجز مقاعد الطائرات والفنادق، في أيّ مكان في العالم؛ وتطوير خدمة النظام المصرفي العالمي، وخدمة البريد الإلكتروني.

ولقد ساعدت ثورة الاتصالات على إبراز النواحي الإيجابية والمميزات الهائلة لثورة الحاسبات ذات السرعات العالية، والقدرات التخزينية الكبيرة، والقدرة المتقدمة على التعامل مع البيانات الرقمية. وهذه الثورة كانت نتيجة حتمية لثورة المعلومات، فلم يكن الإنسان ليستطيع أن يستوعب هذا الكمّ الهائل من المعلومات، لولا استخدام الحاسبات في ترتيب هذه المعلومات وتخزينها ومعالجتها؛ وتسخير هذه الثورات الثلاث لمصلحة البشرية جميعاً.

 



[1] تم حل رموز اللغة الهيروغليفية، عام 1799، بعد اكتشاف حجر رشيد، الذي كان يحتوي على فقرة مكتوبة باللغة الهيروغليفية، والفقرة نفسها، باللغة القبطية المقدسة ثم مرة أخرى باللغة اليونانية.

[2] إشارات أو كود المورس هو نظام خاص لإرسال الرسائل، يستخدم مقاطع صوتيه قصيرة وطويلة، في تراكيب محددة للتعبير عن الحروف الأبجدية، والأرقام وأي علامات أخري تستخدم في نقل المعلومات. يطلق على المقطع الصوتي القصير " نقطة" وعلى المقطع الصوتي الطويل " الشرطة".