التنمية المستدامة

 

تعرف التنمية المستدامة على أنها التقدم والتطور العلمي والاجتماعي والصناعي وفي جميع نواحي الحياة المختلفة مع الحفاظ على الاستمرارية ودون تعريض البيئة ومظاهرها الحية في هذه المعمورة لمخاطر التلوث والدمار والهلاك.

إن إستغلال الإنسان لموارد البيئة قديم قدم تواجده على هذه الأرض،  إلا أن استغلال الإنسان لهذه الموارد في الماضي كان محدوداً نظرا لقلة الحاجة إليها وقلة أعداد السكان وتخلف الأساليب والوسائل المستخدمة في الإنتاج، أو لقلة معرفته بالموارد المخزونة بسبب التخلف العلمي والحضاري.

أما حديثا ونتيجة للثورة الصناعية والتقدم العلمي والتكنولوجي الواسع الذي برز في العالم وخصوصا في الربع الأخير من القرن الحالي حيث زادت معرفة الإنسان واشتدت حاجته الى الموارد البيئية فأخذ يستغلها بدرجة لم يسبق لها مثيل، ساعده في ذلك الوسائل المتطورة، فاندفع وراء البيئة الى درجة النفاذ أو الإتلاف العام.  كما أن التوسع الصناعي الذي شهده العالم واعتماده على البترول والفحم والغاز الطبيعي كمصدر للطاقة سبب إتلاف الكثير من الأجهزة البيئية بسبب ما تلفظه هذه الصناعات في البيئة من نفايات مختلفة غازية وسائلة وصلبة.

وهكذا يمكن تحديد الأضرار التي تؤثر على التنمية المستدامة في ناحيتين:

أ ) التلوث البيئي.
ب) استنزاف المصادر الطبيعية.
 

أ) تلوث البيئة

إن إحداث أي تغييرات في عناصر البيئة لا تتم عادة إلا إذا حدثت تغيرات مناخية قاسية كالزلازل والبراكين والفيضانات، ومع هذا فإن أثر هذه التغيرات على البيئة لا يكاد يذكر بالنسبة للتغيرات التي أحدثها الإنسان.  فالتغيرات المناخية هي تغيرات لا يمكن منعها ولكن يمكن تخفيف حدتها وتقليل أثرها، أما التغيرات التي يقوم بها الإنسان فهي تغيرات يجب دراستها وتحليل أثرها ومحاولة تفادي الأخطار التي تنجم عنها.  حيث يقوم الإنسان بإلقاء مخلفاته الصناعية والزراعية الى البيئة المحيطة به، مما يؤدي الى اضطراب النظم البيئية واختلال توازنها وبالتالي الى فقدان البيئة لقدرتها على إعالة الحياة.

فالتلوث بالمفهوم الشائع يعني إلقاء النفايات بما يؤثر على جمال الطبيعة ونظافتها.  أما بالمفهوم العلمي فهو حدوث تغير وخلل في الحركة التوافقية التي تتم بين العناصر المكونة للنظام البيئي Ecosystem بحيث تشل فاعلية هذا النظام وتفقده القدرة على أداء دوره الطبيعي في التخلص الذاتي من الملوثات وخاصة العضوية منها بواسطة العمليات الطبيعية، أو تكون كميات كبيرة تفوق قدرة هذه العمليات الطبيعية على احتوائها.  فنهر معين أو بحيرة أو مساحة من الأرض تكون كافية للتخلص من النفايات الناتجة عن  10.000 نسمة، ولكن عندما يصبح عدد السكان 50,000 فإن هذا يؤدي الى زيادة كبيرة في كمية النفايات الملقى وتصبح الطبيعة غير قادرة على تحليلها.

وهكذا فإننا نصل الى أن التلوث هو عبارة عن تحرك متغيرات ( نفايات الإنتاج والاستهلاك) تجاه النظام البيئي مما يؤدي الى الإخلال بالحركة التوافقية بين عناصره وإحداث ما نسميه خلل في التوازن البيئي [1].

أما الملوثات نفسها فهي تشمل كل العناصر الضارة التي تطلق في الغلاف الجوي أو تقذف في الغلاف المائي أو تنثر فوق صفحة الأرض.  وهي إما أن تكون غازية ممثلة في الغازات الضارة التي تطلقها عوادم السيارات أو ما يتصاعد من مداخن المصانع ووسائل التدفئة وحرق القمامة والبراكين وغيرها، وقد تكون سائلة ممثلة في المياه العادمة التي تقذفها المصانع في المجاري المائية وتصريف مياه المجاري والمبيدات الحشرية وغيرها، وقد تكون صلبة ممثلة في نفايات المصانع بما في ذلك المخلفات والزراعية. هذا بالإضافة الى القمامة التي تتزايد بشكل مطرد من خلال تزايد السكان من ناحية، وزيادة معدلات استهلاك الفرد من ناحية أخرى.  هذا وسيتم الحديث بالتفصيل عن الملوثات كالنفايات الصلبة والمياه العادمة والغازات في المجلدات اللاحقة.

والتلوث بصورة عامة يقسم الى قسمين فهناك التلوث القليل أو المعقول، وهو التلوث المحدود والذي لا تنتج عنه أخطار كبيرة على سطح الأرض، ولا يصل الى حد الإزعاج، وتكون العمليات الطبيعية قادرة على التخلص منه بسهولة.

أما التلوث الخطير فهو التلوث الذي يتجاوز فيه خط الأمان،  ويؤثر في توازن الطبيعة ويصل الى مرحلة الإضرار بالأحياء وغير الأحياء.  فالثورة الصناعية وما رافقها من تطور تكنولوجي اقترنت بكميات هائلة من الملوثات مما أدى الى تلوث الهواء والماء والتربة، وتهديد

الحياة على هذه المعمورة.  مما دفع الإنسان الى سن القوانين لحماية ما تبقى من هذا الكون.  ولكن هذا لم يحل المشكلة التي استفحلت وقضت على العديد من الكائنات الحية في الأنهار والبحار، ولن يستطيع الإنسان مهما بذل من جهود أن يعيد الوضع الى ما كان عليه، إذ أن تحول النظام الى فوضى شيء سهل، ولكن تحول الفوضى الى نظام أمر في غاية الصعوبة.  ولو فكر الإنسان مليا في مدى تأثير هذه الملوثات على البيئة لكان بالإمكان  تفادي المشكلة من البداية، ولربما استطاع إنقاذ العديد من الكائنات الحية التي ضاعت نتيجة لطمع الإنسان وسعيه للتحكم بالطبيعة وإخضاعها لرغباته.  والأمثلة على ذلك كثيرة، فوصول المياه العادمة المنزلية والصناعية بدون معالجة الى مياه الأنهار والبحار أدى الى قتل الأسماك مما أدى الى نقص في الثروة الحيوانية التي كان الإنسان يستفيد منها، أضف الى ذلك وصول هذه المياه الى المياه الجوفية في فلسطين مما أدى الى تلوثها  والى إرتفاع نسبة الملوثات كالنيترات (NO3) في هذه المياه، كما حدث في قطاع غزة حيث وصلت نسبة النيترات في المياه الجوفية الى نسبة أصبحت تهدد إمكانية إستخدام هذه المياه للأغراض المنزلية.  ومن هنا تبرز أهمية التخطيط البيئي السليم وعلاقته بالتنمية وآفاقها، ولهذا فلقد أصبح من أهم أهداف أي مخطط إقليمي للتنمية هو التخطيط البيئي.

ويعتقد الكثيرون بأننا في فلسطين لا نواجه أي مشاكل بيئية حاليا، وأن الحديث عن التلوث والملوثات والأخطار البيئة ما هي إلا أوهام تراود البعض، وأنه ليس لها أي مبرر بالنسبة لمنطقتنا، وأن هذه المشاكل موجودة فقط في البلاد الصناعية والمزدحمة سكانيا.  غير أن الواقع يشير الى أن البيئة الفلسطينية هي بيئة هشة وأي إخلال في النظم القائمة سيكون له أبعاد خطيرة وأن هذه الأخطار غير محصورة على البلاد الصناعية بل تشمل أيضا البلدان النامية ومنها فلسطين.  فالطلب المتزايد على إستهلاك الطاقة في البلاد الصناعية أدى الى انبعاث كميات كبيرة من الغازات مما أدى الى إختلال تركيز ثاني أكسيد الكربون وأول أكسيد الكربون واكاسيد النيتروجين والرصاص وغيرها من الغازات، ولم ينحصر تأثير هذه الغازات على البلدان الصناعية بل انتقل الى الغلاف الجوي في جميع البلدان، وذلك نتيجة لسرعة إنتشار الغازات.  وما إختلال طبقة الأوزون وارتفاع درجة حرارة الأرض إلا البداية لكارثة بيئية سوف تشمل الكرة الأرضية كلها وتهدد بقاء الإنسان على هذه الأرض.

كذلك لابد من الحديث عن الكميات الهائلة من المياه العادمة والنفايات الصلبة والغازات واستنزاف الموارد المائية واستخدام الأسمدة والمبيدات، والتي تؤدي كلها الى تلوث البيئة الفلسطينية والى مخاطر صحية على الإنسان الفلسطيني.  ومن هنا يجب المبادرة الى تحديد القضايا البيئية من جميع جوانبها وأثر المخططات التنموية عليها ووضع الحلول المناسبة لها بأسلوب علمي يعتمد على معرفة المشاكل وتحديد أسبابها وأبعادها، ومن ثم تقديم الحلول المناسبة لها. كذلك يجب عدم الانتظار حتى تظهر المشاكل البيئية، بل علينا الاستفادة من أخطاء الدول الصناعية والنامية في محاولة لتفادي وقوع العديد من المشاكل البيئية، وأن لا يكون المثل "درهم وقاية &

الصفحة الرئيسة