ماء الأمطار

وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (سورة الأعراف: الآية 57).

          عَرف الإنسان منذ القدم الأمطار مصدراً رئيسياً، من مصادر المياه العذبة. وظل دائم الترقب لهطولها، لارتباطها بنمو الحياة، وازدهارها. ويُعد ماء الأمطار من أنقى أنواع المياه، وأقلها احتواء على الشوائب في الطبيعة. ولكن مع ازدياد التمدَّن وما صاحبه من تلوث الهواء، خصوصاً في المدن الصناعية، أصبحت الأمطار مصدراً للمياه الملوثة. ومن ضمن صور تلوث الأمطار ما يعرف بـ "الأمطار الحمضية" (Acid Rain). وتعد الأمطار الحمضية من المشاكل المؤرقة لكثير من بلدان أوروبا وشمال أمريكا، إذ تحتوي على نسبة عالية من حمضي الكبريتيك، والنيتريك، الناتجين عن تفاعل أكاسيد الكبريت والنيتروجين، مع قطرات المطر.

          ويبدأ تكوّن الأمطار من بخار الماء، الناتج من عمليات البخر، في المحيطات والبحار والأنهار والبحيرات، حيث تتأثر أسطح المياه بأشعة الشمس، وتكتسب منها طاقة تقدر بحوالي 99% من قيمة الطاقة التي تكتسبها المياه. وتعمل هذه الطاقة على تدفئة المياه، ومن ثم تحول بعضها إلى بخار يتصاعد، ويتجمع في سحب، تُكوِّن حوالي 85% من السحب والرطوبة الجوية. والجزء المتبقي من السحب والرطوبة الجوية، فمعظمه من نواتج عملية النتح (Transpiration)، التي تحدث في النباتات والغابات والحقول. فشجرة القضبان (Birch Tree) مثلاً، تُعطي حوالي 260 لتراً من المياه يومياً، على هيئة بخار ماء، ويُعطي حقل الذرة حوالي 37 متراً مكعباً من الماء لكل هكتار في اليوم .

          ويرتفع بخار الماء إلى طبقات الجو العليا مكوناً السّحب. ومع ارتفاع بخار الماء الموجود في السحب، تبرد درجة حرارته، إذ تنخفض درجة حرارة الهواء المُحمّل بالبخار بمعدل 6 ْم/كم ارتفاع، فضلاً عن تمدد البخار، وزيادة حجمه، نتيجة وجوده عند ضغط منخفض، الأمر الذي يسبب انخفاضاً إضافياً في درجة حرارته، وفقاً لقوانين تمدد الغازات، حتى تصل درجة الحرارة إلى درجة أقل من درجة الندى (Dew Point) أو درجة التشبّع. عندئذ يبدأ بخار الماء في التكثف. ويتكاثف بخار الماء، الموجود في هذه السحب، حول حبيبات دقيقة من الأتربة والأملاح التي تثيرها الرياح، مكوناً قطرات صغيرة من الماء، تسقط على هيئة أمطار.

وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (سورة الحجر: الآية 22).

          وقد تتكون هذه الأمطار في مناطق باردة، فتتحول قطرات المطر أثناء هطولها، إلى قطرات من الثلج أو البرد. وتُقدر كمية المياه المتبخرة، من المسطحات المائية في المحيطات والبحار، بحوالي ألف مليون طن. فضلاً عن عدة ملايين أخرى، من الأطنان المتبخرة من مسطحات المياه العذبة. ولو هطلت كل هذه الكمية على هيئة أمطار، فوق الأرض، مرة واحدة، لأغرقتها. ولكن ينزل المطر بقدر، وفي أوقات معلومة، ومناطق متعددة، كما يسقط معظمه في المحيطات والبحار. إن نزول الغيث من السماء، نعمةٌ في كثير من الأحيان، إلاّ أنه في بعض الأحيان يكون نقمة، إذا ازداد سقوطه، وتحوّل إلى سيول تهلك الأراضي الزراعية، وتدمر القرى والمدن.

          والنظر إلى مناطق سقوط الأمطار في العالم، يوضح أن بعض المناطق الجغرافية في العالم تتميز بغزارة وكثافة الأمطار التي تسقط عليها، مثل المناطق الاستوائية، حيث تتسبب حرارة الشمس المتعامدة عليها، في ارتفاع درجة الحرارة، وازدياد كمية البخر، الذي يرتفع في الهواء، ويتكاثف، ثم يسقط على هيئة أمطار غزيرة. وتتسبب الأمطار الغزيرة، المتساقطة في المناطق الاستوائية، في نمو الغابات الاستوائية، والأدغال، التي يصعب اختراقها، مثلما هو في وسط أفريقيا، والبرازيل، والساحل الشرقي لأمريكا الوسطى، والساحل الغربي للهند، وإندونيسيا.

          ولا تسبب عملية البخر من المحيطات والبحار، تناقص لمياهها، إذ تسقط معظم هذه الأمطار مرة أخرى في البحار والمحيطات. كما تصبح الأمطار، كذلك، مورداً مهماً من موارد المياه العذبة. فتروى الأشجار، والنباتات، والغابات، ثم يتسرب ما يتبقى منها، من خلال مسام الأرض، إلى المياه الجوفية، ليمدها بمصدر متجدد من المياه العذبة. ويصب الجزء الأخير في البحيرات، والأنهار، التي تصب بدورها في البحار والمحيطات، لتعويض ما فُقد من بخر، فيما يسمى بـ "الدورة المائية" (Hydrologic Cycle).

ويعتمد سقوط الأمطار على عدة عوامل، أهمها:

1. الرطوبة الجوية: وهي كمية بخار الماء في الهواء الجوي، ويُعبّر عنها بالعديد من المصطلحات العلمية، مثل:

رمز نقطي

الرطوبة المطلقة: وهي كتلة بخار الماء في حجم من الهواء.

رمز نقطي

الرطوبة النوعية: وهي كتلة بخار الماء في كتلة من الهواء.

رمز نقطي

الرطوبة النسبية: وهي النسبة المئوية، بين كمية بخار الماء في الهواء في حيز معين، وكمية بخار الماء اللازمة لتشبع الهواء ببخار الماء، عند درجتَي الحرارة، والضغط نفسيهما.

2. درجة الحرارة: تزداد كمية بخار الماء التي يحملها الهواء الجوي، بازدياد درجة الحرارة، حتى يبلغ الهواء درجة التشبع، التي لا يستطيع بعدها، حمل أي زيادة من بخار الماء.

السحاب

اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا (سورة الروم: الآية 48).

          السحاب، في حقيقته، ما هو إلاّ مجموعة من قطرات الماء، المتناهية في الصغر، إذ تصل أقطارها إلى حوالي 10 ميكرون. ويحتوي السنتيمتر المربع منها، على حوالي 100 قطرة. وتحمل الرياح السّحب من مكان إلى آخر، حتى تسوقه إلى المكان المقدر هبوط المطر فيه، فتنخفض درجة حرارته إلى أقل من درجة التشبع، أو الندى، فيسقط المطر.

          وهكذا تنتقل المياه، التي تبخرت من البحار والمحيطات، إلى أماكن أخرى فوق اليابس.

          والسحب أنواع، منها ما هو منخفض قريب من سطح الأرض، لم يصل بعد إلى حد التشبع، ومنها ما هو بعيد، ووصل إلى حد التشبع. وأهم أنواعها:

  1. الطخاء أو الطخاف أو السمحاق (Cirrus): وهي سحب رقيقة، تتكون على ارتفاع من 6 ـ 12 كم. ويظهر السمحاق على شكل خيوط بيضاء رقيقة، ممتدة في السماء .

 

  1. السمحاق الركامي (Cirrocumulus): وهي سحب محببة بيضاء، ملتحمة، تظهر، عادة، في السماء على ارتفاع 5 ـ 7 كم، بعد مرور السمحاق .

  1. السمحاق الطبقي (Cirrostratus): وهي سحب شفافة، تكون، عادة، بنية اللون، تسمح بمرور أشعة الشمس أو القمر، وتؤدي، غالباً، إلى ظهور هالة حول القمر. وتكون هذه السحب، عادة، على ارتفاع من 4ـ10 كم .

  1. السحب الطبقية (الرهج) (Stratus): وهي رمادية اللون، تنتشر في الجو على ارتفاع قريب من سطح الأرض لا يتجاوز 2 كم، وهي عبارة عن ضباب مرتفع يعطي رذاذاً خفيفاً، ولا تسقط أمطاراً، إذ إنها لم تصل إلى حد التشبع .

  1. السحاب الطبقي المتوسط (Altostratus): هو سحب كثيفة، لونها أزرق، على ارتفاع من 1.5 - 6.5 كم. وتحمل هذه السحب المطر أو الثلج، وفقاً لدرجة الحرارة السائدة .

  2. السحب الركامية (Cumulus): وهي سحب بيضاء اللون على شكل بالات القطن، ذات لون داكن في أسفلها. وتتراكم هذه السحب في الجو، كالقباب أو الجبال الصغيرة، على ارتفاع من 0.5 إلى 4 كم من سطح الأرض. ويشير هذا السحاب إلى الطقس الجيد .

  3. السحب المُزنية الطبقية (Nimbostratus): وتظهر على هيئة كتل داكنة، على ارتفاع من 2 - 8 كم، وتعطي مطراً أو ثلجاً وفقاً للفصل، الذي تتكون فيه .

  4. الركام المُزني (Cumulonimbus): وهو سحب منتفخة، داكنة اللون، تكون، عادة، مشتقة من الركام، وتتكون على ارتفاع من 0.5 ـ 18 كم. وينشأ، عادة، عن هذه السحب الأمطار الغزيرة والبَرَد .

وتُقسّم الأمطار، حسب طريقة سقوطها، إلى نوعين:

1. أمطار طبيعية

2. أمطار اصطناعية.

الأمطار الطبيعية Natural Rain

          وتحدث عند ارتفاع الهواء المحمل بالبخار إلى طبقات الجو العليا، حيث تتكون السّحب ويزداد حجم هذه السحب بازدياد الارتفاع، ثم تبدأ نويات الثلج الصغيرة في التكون، حول ذرات الغبار والأتربة الدقيقة أقل من 0.1 ميكرون.

          وتبدأ جُزيئات بخار الماء في التكثف، حول تلك النويات الصغيرة. ويزداد حجمها ووزنها حتى تصل إلى حوالي (0.2 ـ 0.5 ملم). ويعجز الهواء عن حمل هذا الحجم من القطرات، ومن ثم تبدأ في السقوط بفعل الجاذبية على شكل قطرات من الماء. وفي كثير من الأحيان، تتبخر هذه القطرات، قبل وصولها إلى سطح الأرض. فقد وجد العلماء أن قطرة الماء، التي يبلغ قطرها 0.1 ملم، يمكنها قطع حوالي ثلاثة أمتار، أثناء هبوطها في هواء تبلغ رطوبته النسبية 90%، قبل تبخرها، بينما يمكن لقطرة الماء، التي يبلغ قطرها 0.5 ملم، أن تقطع 1980 متراً، قبل أن تتبخر.

وتُقسّم الأمطار، تبعاً لكميتها وحجم قطراتها المتساقطة، إلى:

  1. رذاذ: الأمطار التي تكون قطر قطراتها أقل من 5 ملم، ويصل معدل الكمية المتساقطة إلى 1 ملم/ ساعة.

  2. أمطار خفيفة: وفيها يزيد قطر القطرات المتساقطة عن 5 ملم، ويصل معدل كميتها المتساقطة إلى حوالي 2.5 ملم/ ساعة

  3. أمطار شديدة: وفيها يزيد قطر القطرات المتساقطة عن 5 ملم، ويزيد معدل الكمية المتساقطة عن 7.6 ملم/ ساعة.

الأمطار الاصطناعية Rain Making

          في كثير من الأحيان، تمر السّحب على كثير من الأراضي الجدباء، دون أن تمطر، على الرغم من الحاجة الماسة لهذه الأراضي، لقطرة واحدة من الماء. وقد دعت هذه الحاجة الإنسان إلى التفكير جدياً في استمطار السّحب، عن طريق المطر الاصطناعي.

وتعود فكرة استمطار السحب، إلى العالم الألماني فنديسن (Findeisen)، عام 1938، حينما رأي إمكانية مساهمة نويات الثلج المضافة للسحب، في إسقاط المطر. غير أن هذه الطريقة، لم تطبق من الناحية العملية، إلاّ في عام 1946، حينما أجرى العالم الأمريكي شيفر (Scheefer)، أول تجربة حقلية للمطر الاصطناعي، عن طريق رش حوالي 1.5 كيلو جرام من الثلج المجروش، عند درجة حرارة 20 ْم، في سحب مارة، فبدأ المطر والثلج في التساقط لمسافة 610متر، قبل التبخر والتبدد في الهواء.

          وبعد ذلك، بدأ الاهتمام بطرق استمطار السحب بالطرق الاصطناعية، فأصبحت هناك أكثر من طريقة لاستمطار المطر، منها:

  1. رش السحب الركامية المارة برذاذ الماء، بواسطة الطائرات، للمساعدة على تشبع الهواء، وسرعة تكثف بخار الماء، لإسقاط المطر. إلاّ أن هذه الطريقة تحتاج إلى كميات كبيرة من الماء.

  2. استخدام الطائرات في رش السحب المارة ببلورات من الثلج الجاف، المكون من ثاني أكسيد الكربون المتجمد، للمساعدة على تكثف قطرات البخار

  3. رش مسحوق أيوديد الفضة، بواسطة الطائرات، للعمل كنويات صلبة، لتجميع جزيئات بخار الماء، وتكثيفها حوله، وسقوطها على هيئة أمطار.

          وعلى الرغم من تزايد الاهتمام بعملية المطر الاصطناعي، إلاّ أنها لا تزال طور البحث، ولم تخرج إلى حيز التنفيذ العملي، إذ تُعد غير اقتصادية، ومكلفة.

مياه الأنهار

          حينما تبخرت مياه البحار والمحيطات، وارتفعت في السماء مكونة السحب، وساقت الرياح هذه السحب إلى أماكن سقوطالأمطار، تكثفت قطرات البخار، وبدأت الأمطار في الهطول. جزء من هذه الأمطار ارتوت منه الأرض والنبات، وجزء سلك طريقه إلى باطن الأرض، إلى مخازن المياه الجوفية. أمّا الجزء الأخير فسقط على الجبال والمرتفعات، ثم سلك سبلاً في فجاج الأرض. وكونت هذه السّبل شعباً، ثم تجمعت في روافد، وبدأت الروافد في تكوين نهير، ثم تجمعت النهيرات لتكون أنهاراً تجري في الأرض، حيث تعد مياه الأنهار من أهم مصادر المياه العذبة في العالم.

          ويكون مجرى النهر، غالباً، ما متعرجاً ليس مستقيماً، حيث تشق المياه، أثناء حركتها من منبع النهر إلى مصبه، طريقها متحاشية الأراضي المرتفعة، والعوائق الصلبة، مفضلة الأرض المنخفضة الممهدة، التي يسهل تكون السيل فيها. وأثناء هذه الرحلة من المنبع إلى المصب، التي قد تبلغ آلاف الكيلومترات، تختلط مياه النهر بتربة الأرض، التي تجري عليها، فيذوب فيها عددٌّ تجري من عناصر التربة. وتحمل معها في سيرها، ما تحمله من رواسب وطمي، مغيرة من معالم وتضاريس الأرض، التي تجري فيها حاملة الخير لكل الكائنات، صغيرها وكبيرها. وتنتهي رحلة مياه الأنهار، غالباً، عند مصب الأنهار في البحار أو المحيطات، مستكملة دورة الماء في الحياة، حيث تصب مياهها، وما تبقى فيها من رواسب وصخور، جرفتها من منابعها وأثناء سيرها .

          وغالباً ما تتجمع هذه الرواسب والصخور، بمرور مئات السنين، عند مصبات الأنهار لتكون يابسة تسمى دلتا الأنهار، كما هو الحال في دلتا النيل بمصر، والتي كانت يوماً ما جزءاً من البحر الأبيض المتوسط، وقد تكونت بفضل نهر النيل، أطول أنهار العالم، إذ يبلغ طوله حوالي 6600 كم، ويجري في شمال أفريقيا، من وسطها إلى شمالها، ويصب في البحر الأبيض .

 ويليه في الطول نهر الأمازون، الذي يجري في أمريكا الجنوبية من الغرب إلى الشرق، ويصل طوله إلى حوالي 6240 كم.

          ويحتوي ماء الأنهار على كميات مختلفة، من المواد الذائبة والصلبة الموجودة في التربة، نتيجة جريان الماء في تلك الأنهار. وتُقدر كمية الرواسب والصخور والطمي، التي تقذف بها الأنهار في البحار والمحيطات، عند مصبات هذه الأنهار، بحوالي 17 ألف مليون طن، منها أربعة آلاف مليون طن من العناصر الذائبة، وثلاثة عشر ألف مليون في حالة ترسيبات من مياه هذه الأنهار، في البحار والمحيطات. إلاّ أنه مع زيادة عدد السكان في العصر الحديث، وازدياد الطلب على الماء العذب، بدأ الإنسان في نصب السدود والحواجز والقناطر على الأنهار، لتخزين مياهها والتحكم في مستوى جريان النهر، وتغيير مجاري بعضها في بعض الحالات، لاستصلاح أراضٍ جديدة.

          غير أن بناء السدود على مجاري الأنهار، تسبب في تقليل سرعة الماء وترسيب ما تحمله من طمي ورواسب وراء تلك السدود، وحرمان الأراضي والأماكن، التي كانت في حاجة إليها منها. وعلى الرغم من هذه المساوئ فإن هذه السدود حمت البلدان من الجفاف، وساعدت على استصلاح الأراضي لزراعتها. كما أمكن، في كثير من الأحيان، استخدام هذه السدود في توليد الطاقة، لاستخدامها في خير الإنسان ورفاهيته.

البحيرات

          لا تقتصر المسطحات المائية على سطح الكرة الأرضية، على البحار والمحيطات والأنهار فقط، فهناك البحيرات العذبة والمالحة، التي تمثل مصدراً ليس بالقليل من مصادر المياه، فوق الأرض. والبحيرات عبارة عن مسطحات مائية تحاط باليابس من جميع الجوانب. وقد نشأت هذه البحيرات، من تجمع المياه في الأراضي المنخفضة المحصورة بين أراضٍ مرتفعة.

          ويختلف مصدر هذه المياه المتجمعة، فمنها ما هو نتيجة تجمع مياه السيول والأمطار، أو مصبات الأنهار، وفي هذه الحالة تعد البحيرة، مصدراً مهماً للمياه العذبة. ومثال لهذه البحيرات بحيرة فيكتوريا في المنطقة الاستوائية في أفريقيا بأوغندا، التي تُعد من منابع نهر النيل، وثالث أكبر بحيرة في العالم، وأكبر بحيرة مياه عذبة، حيث تبلغ مساحتها 69490 كيلومتر مربع.

          وقد تكون البحيرة في مناطق جافة، ذات معدلات بخر عالية، مما يزيد نسبة الملوحة بها بعد فترة. أو تكون البحيرة متصلة بمياه البحر، عن طريق مضايق وبواغيز، لتصبح بحيرة مياه مالحة. ومن أمثلة البحيرات المالحة، بحيرات المنزلة والبردويل والبرلس في مصر، قرب ساحل البحر الأبيض المتوسط، حيث تستقبل ماءها من مياهه.

          وقد تزداد البحيرات المالحة في المساحة، حتى يطلق عليها في بعض الأحيان اسم بحار، مثل بحر قزوين، الذي يقع في غربي آسيا، ويُعد من أكبر بحيرات العالم من حيث مساحته، التي تقدر بحوالي 373 ألف كيلومتر مربع، وكذلك البحر الميت.

          وعلى الرغم من أن معظم البحيرات في العالم، تعد من البحيرات الطبيعية، التي تكونت بفعل تجمُّع المياه في الأراضي المنخفضة، دون تدخل من الإنسان، إلاّ أن هناك البحيرات الصناعية التي أنشأها الإنسان للعديد من الأغراض، وتتباين هذه البحيرات تبعاً للغرض من إنشائها. فبحيرة السد التي تعد مخزوناً للمياه العذبة خلف السد العالي في مصر، تمتد جنوباً بطول حوالي 550 كم، وبعرض متوسط 10 كم، ويقع حوالي 200 كم من البحيرة داخل الحدود السودانية، وحوالي 350 كم داخل الأراضي المصرية. كذلك، هناك العديد من البحيرات الصناعية الأخرى في العالم، التي أنشئت لأغراض مثل ممارسة الرياضات المائية، أو الترفيه، أو تربية الأسماك. وتختلف مساحات هذه البحيرات، تبعاً للغرض من إنشائها.

المياه الجوفية

وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (سورة المؤمنون، الآية 18).

          بعد هطول الأمطار، يسلك جزء من مائها سبلاً فوق ظاهر الأرض، لتتجمع في الأنهار، بينما تتشرب مسام الأرض وشقوقها الكثير منها، حيث تتجمع تلك المياه في باطن الأرض، فوق طبقة من الأرض صماء، لا تسمح لهذه المياه بالانسياب من خلالها، فتتكون أحواض مائية في باطن الأرض، تسمى بالطبقة الحاملة أو المخزون الجوفي (Aquifer) .

          ولا تعد مياه الأمطار المصدر الوحيد للمياه الجوفية، فهناك مصادر أخرى لها من خلال تسرب المياه من البحيرات أو الأنهار القريبة، لكي تتجمع في تلك الأحواض في باطن الأرض. وتظل هذه المياه محبوسة في باطن الأرض، لا يمكن الوصول إليها، أو الاستفادة منها، إلاّ عن طريق حفر الآبار.

          وقد تكون هذه المياه قريبة من سطح الأرض، فيستطيع الإنسان حفر الآبار للوصول إليها. وقد تكون بعيدة في باطن الأرض، فيضطر الإنسان إلى الوصول إليها عن طريق آلات الحفر العميقة، كما هو معروف في الآبار الارتوازية.

          وقديماً ارتبط وجود الإنسان في أي أرض، بوجود المياه العذبة، التي يسكن بجانبها ويقيم حضارته. فإذا قلت مصادر المياه ارتحل عنها، وبدأ في البحث عن مصدر آخر للمياه، خاصة في المناطق البعيدة عن الأنهار، أو المناطق الجافة والصحراوية. وقد سجل التاريخ عن القدماء المصريين والصينيين، بحثهم عن مصادر المياه العذبة، عن طريق حفر آبار عميقة للحصول عليها. ففي سنة 2100 قبل الميلاد، وفي عصر الأسرة الحادية عشرة، كلف أحد قواد فرعون مصر أمنحتب، حوالي ثلاثة آلاف جندي بحفر 14 بئراً للمياه العذبة. ولكن البحث عن المياه الجوفية، الآن، أصبح متيسراً عن ذي قبل، بسبب ثورة المعلومات، وتطور الآلات. فاستطاع الإنسان تحديد أماكن الآبار الجوفية، عن طريق وسائل الاستشعار عن بعد Remote Sensing.

          وقد استطاع العلم الحديث، تحديد كمية المياه الجوفية العذبة في العالم، وتقدير كمياتها، التي تعد أكبر بكثير، من تلك المتوافرة فوق سطح الأرض. فالمياه الجوفية تمثل ما يقرب من 98%، من مجموع المياه العذبة في العالم، إذا ما استثنيا الجبال الجليدية، بينما لا تزيد المياه العذبة، الممثلة في الأنهار والبحيرات العذبة والجداول والسحب الموجودة في الغلاف الجوي، عن 2%. كما تمثل المياه الجوفية، أيضاً، ما يقرب من 0.6% من مجموع المياه الموجودة على الكرة الأرضية، متضمنة مياهاً عذبة وأخرى مالحة.

          وقد تكون المياه الجوفية متجددة وجارية تحت سطح الأرض، مكونة شبكة من المجاري والأنهار الجارية تحت سطح الأرض. وفي هذه الحالة، فإن هذه المياه تحافظ على منسوبها على الرغم من الأخذ المستمر منها. وتحافظ هذه المياه على منسوبها، وتتجدد باستمرار عن طريق مياه الأمطار، التي تسقط على هذه المناطق بصفة دائمة، أو عن طريق مياه الأنهار والبحيرات، التي تتخلل التربة وتصل إلى هذه المياه الجوفية. وقد تكون المياه الجوفية غير متجددة، لذا فإنّ منسوبها يقل بالأخذ باستمرار منها، وهي، غالباً، مياه جوفية تجمعت في باطن الأرض في قرون سابقة، خلال عصور ممطرة، إلاّ أن أنها غير متصلة بمنابع متجددة من المياه. وكثيرا ما تكون هذه المياه ذات صفات مميزة عن بقية المياه الجوفية، نتيجة وجودها في باطن الأرض منذ أزمان عديدة. وقد تتميز هذه المياه، في بعض الأحيان، بارتفاع درجة حرارتها عن مثيلاتها، وزيادة ما تحتويه من أملاح وغازات ذائبة.

          وفي بعض الأحيان، لا تحتاج المياه الجوفية حفر الآبار لظهورها، فقد تتفجر على هيئة عيون وينابيع، نتيجة لزيادة الضغط عليها في باطن الأرض، وضعف القشرة الأرضية في هذا المكان. وقد تتدفق المياه من العين على هيئة نافورة، نتيجة زيادة الضغط المتولد على هذه المياه

 أو يقل الضغط فتسيل المياه المتدفقة على سطح الأرض، في مجارٍ تنحتها وتشقها هذه المياه. وقد تكون مياه هذه الينابيع ساخنة، مستمدة حرارتها من تلك الموجودة في باطن الأرض، أو نتيجة قربها من أماكن ذات أنشطة بركانية. أو تكون باردة، نتيجة خروجها من طبقات قريبة من سطح الأرض.

المياه المعدنية:

          تُعدّ مياه العيون والينابيع، مثل مياه الآبار في التكون والنشأة والمواصفات. فنتيجة مرور مياه الأمطار، أو مصادر هذه المياه، من خلال مسام التربة، تُرشّح لها مما تحويه من شوائب وعوالق بيولوجية، وغير بيولوجية. كما أنها أثناء مرورها في طبقات التربة تُذيب العديد من الأملاح والعناصر الموجودة في التربة، مما يكسبها محتوى غير قليل من هذه الأملاح. لذا، يطلق عليها في بعض الأحيان "المياه المعدنية". وفي كثير من الأحيان استُغلت هذه المياه، الاستغلال التجاري الأمثل، فحللت بعض الشركات هذه المياه، لمعرفة محتواها الكيميائي والبكتري، ثم أعدّت الدعاية اللازمة لها، وعبأتها في زجاجات وباعتها. وقد أُنتجت أول زجاجة مياه معدنية في فرنسا عام 1968م، وكانت معبأة، آنذاك، في زجاجة بلاستيكية.

المياه العلاجية "المياه الشافية"

          منذ قديم الأزل عرفت الإنسانية بعض الصفات الشافية للماء. ولكن من الصعوبة تحديد متى بدأ الإنسان ارتياد هذه المياه، ومتى اكتشف القدرة الشفائية لبعض العيون.

          فمنذ العصر الحجري الحديث، ومنذ حوالي أكثر من 4 آلاف عام، أخذ الناس في الذهاب إلى بعض ينابيع المياه، والاغتسال بها، معتقدين قدرة تلك المياه على تخفيف آلامهم وسرعة التئام جراحهم. واعتمدت معرفة خصائص المياه الشافية قديماً، على قوة الملاحظة والخبرة الجيدة. ثم انتقلت تلك المعرفة، من جيل إلى الجيل الذي يليه. وقد أوضحت الدراسات العلمية الحديثة، أن تلك المياه تختلف عن مثيلاتها في المحتوى الكيميائي والمعدني، إلاّ أن تلك الدراسات لم توضح بعد، كيف اختلفت مكونات هذه المياه عن مثيلاتها. ويعتقد البعض أن هذه المياه، التي لها صفات علاجية، قد تكوّنت مثل أي مياه جوفية، حيث بدأت كمطر أو جليد أو ندى أو نهر، ثم تسربت هذه المياه إلى باطن الأرض. وكلما زاد طول جريان الماء وتسربه خلال باطن الأرض، زادت نسبة المعادن والأملاح، التي تذوب فيه. فعلى سبيل المثال، عين المياه العلاجية في كارلوفي فاري Karlovy Vary، في جمهورية التشيك، تقذف إلى سطح الأرض سنوياً ما يقرب من 10 طن من سلفات الصوديوم، و12.5 طناً من فلوريد الكالسيوم.

          غير أن معرفة الرحلة، التي استغرقتها قطرة الماء منذ نشأتها حتى تتفجر من خلال هذه العيون، يعد من الصعوبة بمكان، حيث يتطلب ذلك تصوير مجرى تلك القطرة في باطن الأرض، بأشعة إكس "الأشعة السينية". ومؤخراً عُرَّف طول الرحلة، التي استغرقتها المياه في رحلتها تحت الأرض، في بعض ينابيع المياه العلاجية في سويسرا، باستخدام العنصر المشع الطبيعي (الأرجون ـ 39)، وقد استغرقت هذه الرحلة، ما يقرب من عشرة آلاف سنة تحت سطح الأرض، قبل تدفقها من هذه العين العلاجية. ويُعتقد أن هذه المياه تسربت إلى باطن الأرض، في صورة أمطار أو ثلوج ذائبة، في العصر الجليدي الأخير، حينما كانت أوروبا مغطاة جزئياً بالجليد. كما بينّت الأبحاث، التي أُجريت باستخدام الهيدروجين المشع "التريتيوم"، أن هذه المياه قد تسربت إلى باطن الأرض في درجة حرارة تقترب من نقطة التجمد.

          ولا تُعدّ مياه هذا الينبوع من أقدم مياه الينابيع في العالم، فهناك مياه ينابيع علاجية، تضرب جذورها في أعماق التاريخ. وكل مياه ينبوع لها تاريخها الخاص، ومميزاتها ومكوناتها المعدنية، التي تختلف وتتباين عن غيرها مثل بصمة الإنسان. فبعض هذه المياه تكونت منذ زمن بعيد، أثناء تكون كوكب الأرض، حينما تمكنت كميات من مياه الأنهار والبحار والأمطار المتدفقة، آنذاك، من التسرب إلى باطن الأرض. وبقيت منذ ذلك الحين، وتشبعت بالأملاح المعدنية، والعناصر الكيميائية، مثل تلك المياه المالحة، التي تغذي ينابيع المياه المالحة Battaglia Terme، بالقرب من Padova في إيطاليا. وتلك التي توجد فيGmunden، في النمسا، حيث يقدر عمر هذه المياه، بحوالي 250 مليون عام.

          وعلى الرغم من تقدم الطب الحديث، فهو لا يستطيع تجاهل التأثيرات العلاجية لهذه المياه، التي جرت ملاحظتها منذ قديم الأزل. فيحكي التاريخ عن هيبوقراط أبو الطب، الذي مارس الطب قبل الميلاد، عن وصفه حمّامات الشفاء، بأنها جزء من العلاج.

          وقد انتشرت حمّامات العلاج في أوروبا في العصور الوسطى، بين الفقراء، الذين ليس لديهم القدرة على دفع نفقات العلاج، غير أنها بدأت في الأفول بعد أن ثبت مساعدة هذه الحمّامات في انتشار الكثير من الأمراض المعدية، مثل الطاعون والزهري.

          وفي أوائل القرن العشرين، خضعت مياه بعض الآبار العلاجية لتحاليل كيميائية دقيقة، لإدراك الفرق بين طبيعة مياهها، ومياه الآبار العادية. وقد كُشف عن وجود بعض الفروق في المحتوى الكيميائي لبعض الآبار وعدم وجود أي فرق في الأملاح الذائبة في البعض الآخر. إلاّ أن ذلك لم يكن كافياً، حيث عزا العلماء البولنديون في عام 1945م القدرة العلاجية، لمياه بعض الينابيع العلاجية إلى وجود بعض الأنشطة الإشعاعية لهذه الآبار. ولكن هناك رأياً آخر، يرى أن عديد من الآبار والينابيع، التي كان لها مقدرة علاجية فقدت هذه المقدرة الآن، بفعل التحلل الكيميائي الذي حدث لهذه المياه، مما انحدر بها إلى مستوى مياه الآبار غير المعدنية. كما أن هناك رأياً علمياً آخذاً في التزايد، يرى أن ربط الصفات الكيميائية للمياه بقدرتها العلاجية، وجهة نظر قاصرة، ذلك أن الصفات العلاجية للماء، يمكن أن تعزى إلى خصائص خاصة في التركيب الداخلي لجزيئات تلك المياه العلاجية، التي تمكنها من أداء دورها العلاجي.

          على الرغم من كل هذه الآراء المتباينة، بشأن المياه العلاجية، لا تزال العديد من العيون والآبار والينابيع العلاجية، تحتفظ برونقها ومقدرتها الفائقة وخواصها المميزة حتى الآن، مثل عيون موسى في شبه جزيرة سيناء بمصر، والعيون الكبريتية بضاحية حلوان في مصر. كما أن أشهر عيون المياه المعدنية على الإطلاق، التي تحظى بمنزلة خاصة في نفوس المسلمين، هي "عين زمزم" المباركة، التي قال الرسول (ص) في وصف مائها "ماء زمزم لما شرب له" (مسند أحمد).


الصفحة الرئيسية