الإشعاع
الطريقة الثالثة لانتقال الحرارة، هي الإشعاع Radiation، المنبعث من جسم مشع، في جميع الاتجاهات. وعلى خلاف الطريقتَين السابقتَين، التوصيل والحمل، اللتَين تتطلبان وسطاً، تنتقل خلاله الحرارة، فإن الإشعاع يسري في الفضاء. والإشعاع هو الآلية، التي تنتقل بها الطاقة من الشمس إلى الأرض، وبقية كواكب المجموعة الشمسية . جميع الموجات الإشعاعية، تنتقل في الفضاء بسرعة 300 ألف كيلو متر، في الثانية (سرعة الضوء)؛ ولا تنقص سرعتها، عند سريانها في الغلاف الغازي، إلا قليلاً جداً. وتنتقل الطاقة داخل جهاز الميكروويف، فتسخن الغذاء، بالإشعاع.
جميع
الأشياء، التي درجة حرارتها فوق الصفر المطلق، بغض النظر عن كبرها أو
صغرها، تطلق طاقة إشعاعية. فالنار، وجسم الإنسان، والأشجار، والهواء،
والأرض، والنجوم، كلها تشع نطاقاً عريضاً من الموجات الإشعاعية. إذ
الإنسان الجالس أمام النار، في العراء، في يوم بارد ، يشعر بحرارة النار، تلفح وجهه وتدفئه؛ على الرغم من
برودة الهواء خلفه. فالطاقة تنتقل إليه من النار، بالإشعاع، فيمتصها
جسده، ويحولها إلى طاقة حرارية، تُشعره بالدفء. الطاقة المنطلقة من
النار، في هذه الحالة، طاقة إشعاعية، وتنتقل على شكل موجات، مختلفة
الطول، يطلق عليها الموجات الكهرومغناطيسية
Electromagnetic Waves . أطوالها. ويقاس طول الموجة بالميكرومتر
، الذي يساوي جزءاً من مليون جزء، من
المتر:
|
|
ولا ترى عين الإنسان، إلا نطاقاً ضيقاً من الطيف الكهرومغناطيسي، يطلق عليه الطيف المرئي. ويناهز متوسط طول الأشعة المرئية الضوئية نصف ميكرومتر.
ويعتمد طول الموجات، التي يشعها أي جسم، على درجة حرارته. فكلما كانت درجة حرارة الجسم أعلى، كانت الموجات أقصر، وطاقتها أكثر. ويتوقف الجسم عن الإشعاع، عند درجة الصفر المطلق. ويعبَّر عن ذلك، عادة، بقانون ستيفان بولتزمان Stefan-Boltzman Law:
|
|
|
= ثـابـت
ستيفان بـولتـزمان وتـأخذ القيمة 8.13 × 10 -11
كالوري/سم2.
R =أقصى معدل للإشعاع من كل سنتيمتر مربع، من سطح المادة.
T =درجة حرارة سطح الجسم، بمقياس كالفن.
ويقول القانون إن أي جسم، درجة حرارته فوق الصفر المطلق (-273.16 مئوية)، تنطلق منه الأشعة، بمعدل منسوب للقوة الرابعة لدرجة حرارته المطلقة (بمقياس كالفن).
ولا يقتصر إشعاع الأجسام على طول موجي واحد، بل تطلق نطاقاً عريضاً من الأشعة، بأطوال موجات مختلفة. ولكن، قد يتركز الحد الأقصى للإشعاع من الجسم، في طول موجي محدد. ويعبِّر عن ذلك قانون واين Wien's Law، الذي يقول إن أقصى إشعاع للطاقة من الجسم، يحدث بطول موجة منسوب، عكسياً، إلى درجة حرارته، بمقياس كالفن:
|
|
|
|
طول موجة الإشعاع الأقصى للطاقة، بالميكرومتر. |
T =درجة حرارة الجسم، بمقياس كالفن.
Constant = ثابت = 2892، أو تقريباً 3000.
فإذا كانت درجة حرارة الغلاف الخارجي للشمس، تقدر بنحو 6آلاف كالفن، فإن طول موجة الإشعاع الأقصى من الشمس، يمكن حسابها كالتالي:
|
طول موجة الإشعاع الأقصى للشمس |
|
3000/6000=0.5ميكرومتر. |
وتشع
الأرض، التي يقدَّر متوسط درجة حرارة سطحها بنحو 300 كالفن، أكبر كمية
من الطاقة، بطول موجة، يصـل إلى 10 ميكرومترات،
3000/300 = 10
ميكرومترات .
الأرض، إذاً، ترسل معظم أشعتها، بموجات أطول من تلك التي ترسل بها الشمس أشعتها. لذا، يطلق على الإشعاع الأرضي، غالباً، طويل الموجة Long Wave Radiation وعلى الإشعاع الشمسي قصير الموجة Short Wave Radiation.
والجزء، الذي يدركه بصر الإنسان من الطيف الإشعاعي، محدود جداً، نسبة إلى أطوال الموجات في الطيف الكهرومغناطيسي ويُسمى الطيف المرئي، أو الضوء المرئي Visible Light، أو الأشعة المرئية. والضوء المرئي، على الرغم من أنه يبدو أبيض، إلا أنه، في الواقع، حزمة من الألوان، تمتد من البنفسجي، بطول موجة 0.4 ميكرومتر، إلى الأحمر، بطول موجة 0.7 ميكرومتر. في الطيف الكهرومغناطيسي، الأشعة المجاورة للحمراء، أطول منها موجة قليلاً؛ وتسمى الأشعة تحت الحمراء؛ ولا يراها الإنسان، ولكنه يشعر بحرارتها. وعلى الطرف الآخر للطيف المرئي، الأشعة فوق البنفسجية أقصر موجة قليلاً من الأشعة البنفسجية، ولا تراها عين الإنسان؛ وهي المسببة للحروق الجلدية، عند التعرض للشمس، مدة طويلة. ومعظم الأشعة الصادرة عن الشمس، مركزة في النطاق المرئي وما حوله؛ ولكنها تمتد، لتشمل الطيف الكهرومغناطيسي كله. 43% من الطاقة الإشعاعية، الصادرة عن الشمس، تشع بطول موجات في النطاق المرئي الضيق يراوح بين 0.4 و0.7 ميكرومتر. وتبلغ هذه النسبة 7%، في نطاق الأشعة فوق البنفسجية؛ و37%، في نطاق الأشعة تحت الحمراء القريبة؛ و11%، في نطاق الأشعة تحت الحمراء البعيدة، وأقلّ من 1%، في نطاق الأشعة السينية، وأشعة جاما، والأشعة الراديوية.
هذا المدى العريض، في أطوال الأشعة الكهرومغناطيسية القادمة من الشمس، يتيح لمكونات الغلاف الغازي حول الأرض، وما فيها من عوالق، أن تمنع بعض أنواع الأشعة، بأطوال موجات معينة، من الوصول إلى الأرض. وبالمثل، قد تمنع بعض الأشعة الصادرة عن الأرض، من الخروج إلى الفضاء الخارجي. ويؤثر ذلك في كثير من الظاهرات، الميتورولوجية والمناخية والبيئية، على سطح الأرض؛ إذ يرفع درجة حرارة الغلاف الغازي .
ومن رحمة الله بالمخلوقات الحية على الأرض، أن غازَي الأكسجين والأوزون، يمتصان كلَّ الأشعة فوق البنفسجية، المضرة بالأحياء، القادمة من الشمس، قبل وصولها إلى سطح الأرض؛ بينما تواصل الأشعة المرئية رحلتها إلى سطح الأرض. وفي نطاق الإشعاع الأرضي طويل الموجة، الخارج من الأرض إلى الفضاء، يوجد ما يسمى بالنافذة الجوية للأشعة تحت الحمراء، التي يراوح مداه، في الطيف الكهرومغناطيسي، بين 8 ميكرومترات و11 ميكرومتراً؛ ولا يحدث فيه إلا القليل من الامتصاص لتلك الأشعة. وتساعد النافذة الأرض على استقرار ميزانيتها الحرارية؛ إذ تتيح لها التخلص من فائض الطاقة. كما تستخدم هذه النافذة بشكل واسع، في عمليات الاستشعار عن بعد، لرصد مظاهر سطح الأرض.