البترول جيولوجيا

تصنيف الصخور

          تقدمت دراسات علم الصخورPetrology   في القرن التاسع عشر الميلادي، وخاصة فيما يتصل بالتركيب المعدني، وأصبحت تصنف حسب نشأتها وتكوينها إلى صخور نارية، ورسوبية، ومتحولة. والصخور النارية هي صخور أولية متبلورة عامة، تكونت إما بتجمد بعض المواد الصخرية السائلة، غليظة القوام، وعالية الحرارة في باطن الأرض، وهي التي تسمى بالصهير Magma، أو نتيجة قذف بعض هذه المواد المنصهرة فوق سطح الأرض، أو تحته بقليل، أو إلى قاع المحيط في صورة حمم بركانية  Lave Flows.

          أما الصخور الرسوبية فهي صخور ثانوية اشتقت من صخور أقدم بسبب عوامل التعرية والنحر، ثم ترسب الحطام الصخري في ظروف عادية من الضغط والحرارة بعد أن كانت عالقة في الماء أو في الهواء، وتعرضت هذه الصخور أثناء تكوينها وبعده للتجوية الكيميائية شاملة النشاط العضوي والأكسدة والاختزال والكربنة والتموء والتحليل بالماء والذوبان، وللتجوية الفيزيائية من تمدد بالحرارة أو الانكماش بالبرودة أو تفكك، أو تجمد للمياه في شقوق الصخور، وللتأثيرات الميكانيكية بفعل حركات القشرة الأرضية والصخور الرسوبية إما بحرية تترسب في أحواض البحار والمحيطات، أو قارية، تتكون في القارات سواء كانت رواسب هوائية، أم تكونت في المياه الجارية كالرواسب النهرية ورواسب البحيرات والثلاجات.

          وتكونت الصخور المتحولة تحت سطح الأرض، ونتجت عن تأثيرات عوامل الضغط والحرارة وبعض المحاليل على صخور أقدم، رسوبية أو نارية أو متحولة أيضاً، ما يؤدي إلى تغيير تركيبها المعدني ونسيجها الصخري.

          وتغلف الصخور الرسوبية نحو 75% من سطح الأرض، ولكنها لا تشكل سوى 5% من الحجم الكلي للقشرة الأرضية إلى عمق يصل حتى 16 كيلو متر. وتتميز الصخور الرسوبية باحتوائها في الغالب على أنواع مختلفة من الحفريات، وتتكون في أحيان وأماكن معينة بفعل تجميع المواد والرواسب العضوية كما هو الحال بالنسبة لطبقات الفحم، أو الطبقات الجيرية العضوية في مياه البحار والمحيطات، وتحقق دراسة الصخور الرسوبية معرفة التسلسل الزمني للحوادث المتعاقبة في تاريخ الكرة الأرضية، ويعني علم الجيولوجيا الطباقية أو علم الطبقات Stratigraphy  بذلك السلم الجيولوجي، الذي يبين تتابع صخور الطبقات والعصور الجيولوجية التي تنتمي إليها.

أنواع الصخور الرسوبية

          تصنف طبقاً لدور التفكك الفيزيائي، أو التحلل الكيميائي في تكوينها، ولأنواع الصخور الأقدم التي اشتقت منها، وقد تكون نارية أو رسوبية قديمة أو متحولة، وحسب أسلوب نقل الركام المتفكك بواسطة الرياح أو المياه قبل ترسيبها في أماكن مناسبة، سواء في الصحاري أو البحار. وهناك صخور فتاتية Clastic Rocks تتكون وتترسب بفعل عوامل فيزيائية بحتة، دون تدخل عوامل كيميائية أو ترسب مواد عضوية، ومن أمثلتها الحصى والرمل والطين. ولدينا الصخور الكيميائية Chemical Roc، التي تكونت نتيجة النشاط الكيميائي الصرف، دون تدخل النشاط العضوي، الحيواني أو النباتي، في بيئات قارية أو مائية مثل الرواسب الحديدية، وبعض الصخور الكلسية، ورواسب الأملاح. أما الصخور الكيمائية الحيوية Biochemical Rocks فتكونت نتيجة النشاط العضوي لبعض الكائنات الحية، كالصخور الكلسية مثل الطباشير، والسيليسية كالصوان، والحديدية، والفوسفاتية، والكربونية وأشهرها الفحم.

          وهناك صخور يصعب تصنيفها مثل الحجر الجيري العضوي الفتاتي Bioclastic Limestone والبترول، كما نعرف مادة هيدروكربونية سائلة توجد في بعض أجزاء الصخور الرسوبية المختلفة مثل الحجر الرملي، والحجر الجيري، ولكنه لا يوجد إطلاقاً في الصخور النارية أو المتحولة.

          ويعني علم الكيمياء الأرضية Gochemistry  بجميع التحليلات والاختبارات الكيميائية التي تجري على الصخور لمختلف الأغراض، وأهمها من الناحية الاقتصادية تحديد نسب الخامات المختلفة وأنواعها فيها وفي صدرها البترولي، وكذا دراسة توزيع نظائر العناصر المختلفة على مكونات الأرض وتركيباتها الكيميائية وتفاعلاتها.

تتابع الطبقات في الصخور الرسوبية

          يهتم علم الطبقات Stratigraphy بدراسة القوانين والظروف المختلفة التي تتحكم في تكوين طبقات الصخور في السلم الجيولوجي، وأماكن ترسيبها في مختلف مناطق العالم، ويحدد أنواعها وخصائصها الصخرية وأعمارها، ويوجه عناية خاصة للصخور الرسوبية. ومن ذلك نشأ حديثاً فرع مستقل بذاته، ويختص بكل ما يتعلق بالترسيب، ويسمى علم الرواسب  Sedimentology. ولما كانت المحيطات والبحار تغطي أكثر من ثلاثة أخماس سطح الأرض، كانت الترسيبات البحرية هي الغالبة، وقد تراكمت أساسا تحت سطح الماء في طبقات Strata متباعدة وسميت أحياناً بالصخور الطباقية Stratified Rocks أو الطبقات المضغوطة Laminated Rocks. وتوجد الطبقات الأقدم تاريخياً في القاع، وتعلوها الطبقات الأحدث زمنياً، ما لم تكن الصخور قد تعرضت لحركات القشرة الأرضية. وعندما تموت الحيوانات والنباتات تطمرها الترسيبات، وتعلو حولها وفوقها، ومنها ما دفن - مثل الرخويات البحرية - حيث عاشت قرب قاع البحر، ومنها ما تحرك مع المواد المترسبة، قبل أن يدفن في مكان آخر، حركة شبيهة بطوفان النهر الذي يجرف الأشجار وفروعها في مجراه.

          وتحوي الصخور الرسوبية حفريات شديدة التنوع والاختلاف، حتى أنها تخدم مباشرة دراسات التطور التدريجي للحيوانات والنباتات عبر العصور، وهنا نشير إلى أهمية علم الحفريات Paleontology والحفريات الدقيقة Micro-Paleontology في مجال جيولوجيا البترول عامة، والتنقيب عنه خاصة، فإن الحفريات، وهي بقايا الكائنات الحية من حيوانات ونباتات، عادة ما تكون مميزة للبيئة التي عاشت فيها.

          تكونت الصخور الرسوبية -إذاً- فوق سطح الأرض، أو تحت سطح الماء في شكل طبقات متتابعة. ويصنف هذا النوع من الصخور وفق أسلوب تكوينها أو تركيبها أو طبقا لهما معاً، ولدينا طبقا لكيفية تكوينها ترسيبات الرياح، كرمال الصحراء والكثبان الرملية وركام الحصي، ولدينا الرواسب النهرية من رمال وحصي وطين وطفل وطمي أو غرين، ورسوبيات البحيرات، والترسيبات الجليدية، ثم الرواسب البحرية التي تراكمت طبقات تحت البحر، وقد تتصل بها ترسيبات مصبات الأنهار أو الخيران أو البحيرات الضحلة. وتعد الحفريات، ولا سيما الحيوانية منها، من أفضل دلائل تحديد كيفية تكوين الصخور الرسوبية. وتصنف الصخور الرسوبية من حيث التركيب إلى البريشة، والحصباء أو الرمال، والطفل، والطين. وعندما تتماسك الرمال تكون الحجر الرملي، والمواد التي تربطها سويا تكون، عادة، من معادن مختلفة ترسبت بعد الرمال وتخللتها، وهي تحت سطح الماء، ومنها كربونات الكالسيوم في الحجر الجيري، وأملاح الحديد أو السيليكا في حجر الكوارتزيت أو حبيبات الفلسبار Felspar.

          ومن بين الصخور الرسوبية طبقات الصخور ذات الأصل العضوي، الحيواني أو النباتي. والصخور العضوية من النوع الأول تشمل أنواعا عدة من الأحجار الجيرية مثل الطباشير Chalk، والجزر والصخور المرجانية، والدولوميت. أما الصخور العضوية نباتية الأصل فمنها الفحم والأنثراسيت بصفة خاصة، والجرافيت والتي تسمى بالصخور الكربونية التي تحوي المواد الهيدروكربونية، ونسبا صغيرة من الأملاح المعدنية. وفي ظروف معينة تتحول المواد العضوية النباتية الأصل إلى زيت البترول. وعادة يصعب فصل الصخور الكيميائية التكوين والعضوية بسبب تأثيرات الكائنات الحية مثل الطحالب التي تؤدي إلى ترسيبات كيميائية ولا تترك آثارا واضحة لوجودها.

          الحياة البحرية ـ إذاً ـ هي مصدر البترول الرئيسي بوجه عام، والطبقات الغنية ببقايا الكائنات العضوية مثل الحيوانات البحرية الدنيا والرخويات والطحالب يرجح أن تكون صخوراً مولدة للبترول، كما أن الصخور الرسوبية ذات السمك الكبير والطبيعة المسامية تعد أهم أنواع الصخور الخازنة Oil Reservoir Rocks، التي تكاد توجد في أغلب العصور الجيولوجية، وتكون غالبا متصلة بالصخور المولدة من نفس العصر الجيولوجي. وتوجد التجمعات النفطية في مسام الصخور الرسوبية نتيجة لهجرة البترول، أو حركة الطبقات أو بسبب التفاعلات الكيميائية، أو في تشققات الصخور النارية تحت ظروف معينة. وتوجد تلك التجمعات، غالباً، مع مواد أخرى أهمها المياه الجوفية وبعض الشوائب، وبذلك لا تشكل المواد البترولية مائة في المائة من حجم المسامية والنفاذية المتاحة في المصائد البترولية، سواء كانت تركيبية أم رسوبية. كذلك فإن درجة التشبع البترولي في مسام الصخور تؤدي إلى وجود كمية قابلة للاستخراج، وأخرى ملتصقة بأسطح الحبيبات المكونة للصخور التصاقا قد يكون كيميائيا، ويصعب استخراجها بغير إجراء عمليات مكلفة لتغيير خاصية الالتصاق هذه.

          وتوضح دراسة الطبقات الجيولوجية في مختلف أرجاء إقليم الشرق الأوسط تشابه ظروف تكوين الطبقات الرسوبية في مناطقه الشاسعة، وتكاد تتماثل في أنواع الكائنات الحية التي وجدت فيها. وتختزن الصخور الرسوبية في هذا الإقليم، الذي تشكل الصفيحة العربية جزءا رئيسيا من تكوينه الجيولوجي، كميات ضخمة من البترول والغاز الطبيعي. وتتكون هذه الصفيحة العربية من منطقتين رئيسيتين وهما الدرع العربي المكون من صخور نارية ومتحولة ورسوبية قديمة، ويقع في غرب شبه الجزيرة العربية، وحوض الترسيب العربي الكبير المسمى أحيانا بالرصيف العربي، ويتكون من صخور رسوبية من الدهر الوسيط Mesozoic ومن العصر الثلثي Tertiary وهو الأول في الحقبة الحديثة Cenozoic. وتمتد هذه الصخور الرسوبية في الحوض العظيم حول الدرع الأفريقي العربي الذي تحده شمالا جبال طوروس، وكردستان، وجبال زاجروس، وشرقا جبال عُمان، وغربا جبال لبنان، وتغطي تلك الصخور كذلك شبه جزيرة سيناء ومعظم أراضي مصر.

          وقد قـدر احتياطـي البترول والغاز الطبيعي في الصفيحة العربية عام 1991م بأكثر من 663مليار برميل من الزيت، وحوالي 1325 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي. ويمثل الرشح البترولي أو آثاره على سطح الأرض أول مؤشرات وجود زيت البترول في باطنها، وقد اشتهرت منطقة حوض الترسيب العربي الكبير منذ زمن بعيد بانتشار دلائل وجود البترول على سطح الأرض.

          وتعد مكامن الصخور الجيرية، التي ترسبت في بيئات بحرية وشاطئية ومرجانية، المكامن الرئيسية لحقول البترول والغاز الطبيعي في حوض الترسيب العربي الكبير. وتأتي مكامن الصخور الرملية التي ترسبت في بيئات بحرية أو متنوعة، من شاطئية، أو قارية، أو دلتاوية، إلى جليدية، أو كثبانية، في المرتبة الثانية من حيث الأهمية والإنتاج. ويوجد البترول في صخور مختلفة الأعمار الجيولوجية في هذا الحوض، تمتد من أواخر حقبة الحياة القديمة قبل حوالي 590 مليون سنة إلى العصر الثلثي أو الثلاثي قبل حوالي 36 مليون سنة وربما أحدث من ذلك، وإن كانت الصخور الطينية والجيرية الغنية بالمواد العضوية والتي تتخلل الطبقات المسامية هي المصدر الأساسي لبترول المنطقة العربية.

          وينتج البترول في منطقة جبال "أم الرؤوس" في حقل قبة الدمام "الظهران" من طبقة جيرية تابعة للعصر الجوراسي سميت "متكون العرب"، وعلى عمق 4737 قدما أي 1443.6 مترا، وفي نفس الحقل ينتج البترول من طبقة البحرين التي تنتمي إلى العصر الطباشيري Cretaceous. أما خزان البترول في حقل بقيق جنوب غــرب الـدمــام، فيقع في الصخور الرسوبية للعصر الجوراسي الأعلى Upper Jurassic على عمق نحو 1500 قدم وتحت طبقات سميكة من عصري الطباشيري والإيوسين، وتكسو طبقة الإيوسين طبقة رفيعة من رسوبيات الميوسين والبليوسين، والتركيب الجيولوجي في هذا الحقل عبارة عن طية محدبة مطولة Elongated، وينتج فيه البترول من الحجر الجيري الدولوميتي والكلسي.

          وهناك عوامل عديدة جعلت من حوض الترسيب العربي الكبير أغنى منطقة بترول حالياً ، حيث تختزن أكثر من نصف احتياطيات العالم من الزيت والغاز الطبيعي، كما أن خمس دول من الدول الست الأولى عالميا في غناها باحتياطيات البترول المؤكدة هي من دول الحوض وهي المملكة العربية السعودية، والعراق والإمارات العربية المتحدة، والكويت وإيران، والدولة السادسة هي روسيا الاتحادية.

          وأول هذه العوامل هو استمرار الترسيبات في هذا الحوض العربي في ظروف هادئة بنائيا، ولحقب جيولوجية متعاقبة بدأت في أواخر حقبة الحياة القديمة، وامتدت حتى العصر الحديث، وقد تعاقب ترسيب الصخور الغنية بالمواد العضوية، وهي الصخور المولدة كالطفل والطمي، في مختلف بيئات الترسيب البحرية والشواطئ والدلتا والمستنقعات وغيرها، مع تكوين طبقات سميكة من الصخور ذات المسامية والنفاذية الملائمتين ونعني بها صخور المكامن البترولية التي كانت في معظمها من الأحجار الرملية والجيرية، ثم ترسيب طبقات من الصخور الصماء عديمة النفاذية وهي الصخور الحابسة.

          والعامل الثاني هو تكون مصائد البترول الطباقية نتيجة ترسيب صخور ذات مسامية ونفاذية مناسبة قريبا من الصخور المولدة للبترول، ما هيأ إمكانية تجميع البترول منذ بداية هجرته في هذه الصخور الخازنة وحفظه، حتى تكوين المصائد البنائية

 على هيئة طيات محدبة Anticlines، وقباب نتيجة تحركات القشرة الأرضية، وهجرة النفط إليها. وقد كان توقيت تكوين المصائد البنائية ملائما تماما في حوض الترسيب العربي الكبير، وحدث عند تكوين البترول أو بعد تكونه مباشرة وهجرته، مما أدى إلى حفظ البترول وتجميعه في مصائد عظيمة انتشرت بصفة أساسية على امتداد الجانب الشرقي للحوض.

          وهناك عامل ثالث أسهم في وفرة البترول بالحوض العربي، هو ندرة التحركات الأرضية العنيفة، وعدم تداخل الصخور النارية في التتابع الطبقي الرسوبي لمنطقة الحوض، ما أدى إلى احتفاظ الصخور الرسوبية بخصائصها الطبيعية كالمسامية والنفاذية، وساعد على حفظ المواد العضوية في صخور المصدر، وعلى تماسك وصلابة الصخور الحابسة.

          ويشمل حوض الترسيب العربي الكبير ذلك التجمع البترولي الهائل في طية النعلة المحدبة العملاقة، التي يمتد طولها نحو 240 كيلو متر، ويبلغ عرضها 20 - 24 كم، والتي تشكل حقل الغوار، وهو أكبر حقل بترول في العالم وتبلغ مساحته زهاء 5300 كيلو متر مربع. ويأتي بعده حقل البرقان، ثاني أكبر حقل بترول عالميا، على الشاطئ الغربي للخليج العربي.

          ويعد حقل السفانية في الخليج أكبر حقل بترول مغمور في العالم، كما يزخر الخليج بحقول مغمورة أخرى مثل المرجان والظلوف في المملكة العربية السعودية، وحقل زاكم العلوي في الإمارات العربية المتحدة. ويتميز حقل قبة قطر الشمالي بأنه أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، كما اكتشف السعوديون البترول والغاز الطبيعي في حقلي شيبة وكدن في الربع الخالي، وفي حقول الحوطة والدلم والرغيب والجلوة والنعيم والهزمية والغينة في قلب شبه الجزيرة العربية وغربها، ثم حقلي بركان ومدين قرب مدخل خليج العقبة.

          وفي حقل كركوك العراقي، الذي يمتد في رقعة طولها 60 ميل، وعرضها أكثر من ميلين يستخرج البترول من طبقة الحجر الجيري المسامية ذات الشقوق التي ترسبت في الحقبة الجيولوجية الممتدة من الإيوسين الأوسط إلى الميوسين الأسفل Lower Miocene، ويلاحظ هنا أن البترول ينتج في كركوك، وفي حقل سدر على خليج السويس في مصر من الطبقات الرسوية لنفس الحقبة الجيولوجية، مع اختلاف نوع المصائد البترولية في الحقلين.

          ويعد الخزان البترولي في حقل البرقان الكويتي أحد أكبر الحقول المنتجة في العالم، ويستخرج البترول من رسوبيات الحجر الرملي في فترة العصر الطباشيري الأوسط والأسفل، وتمتد رقعة هذا الحقل فوق مساحة 135 ميل مربع، ويتخذ التركيب الجيولوجي له شكل قبة يمتد محورها الأطول من الشمال للجنوب بطول 12-15 ميل، والمحور الأقصر لمسافة 8-10 ميل من الشرق للغرب، وفي مصر يستخرج البترول من طبقة الحجر الرملي النوبي في نفس الفترة من العصر الطباشيري.

          أما حقول البترول على الشاطئين الشرقي والغربي، وفي مياه خليج السويس فتعد من أهم حقول الحوض العربي، ولا يزال هذا الخليج المصدر الرئيسي لأكبر احتياطيات مصر البترولية حتى الآن، مع أنه أصغر إقليم فرعي لتجمع وتكوين الهيدروكربونات في الشرق الأوسط، ويحده صدعان جيولوجيان من الشرق والغرب أديا إلى تكوين الخليج.

          وينتج البترول من الصخور الرسوبية في السهول الشاطئية، وتحت مياه الخليج، والتي تشمل الحجر الجيري من عصر الميوسين، والحجر الرملي في العصر الطباشيري الأعلى من الحقول البحرية كبلاعيم، ومن الأحجار الرملية في العصر الكربوني في السهول الشاطئية للخليج.

          أما بالنسبة للشاطئ الشرقي لمصر على البحر الأحمر فإن الحفر العميق لأكثر من ثلاثة آلاف قدم في مياه البحر يجعل الاستكشاف عالي التكلفة الاقتصادية، وإن كان إنتاج الغاز الطبيعي والمكثفات من جزيرة برقان قرب الشاطئ السعودي جنوب شرق مدخل خليج العقبة يشجع مزيداً من التنقيب. وفي شمال مصر تستمر جهود الإستكشاف للغاز الطبيعي في المياه العميقة للبحر المتوسط في مناطق شمال سيناء، ثم شمال رأس البر فمنطقة الســاحل الشمالي على البحر المتوسط في غرب دلتا النيل.

          وقد أعطت جهود التنقيب والاستكشاف في الصحراء الغربية نتائج مشجعة في التكوينات الرسوبية من حقبة الحياة العتيقة Paleozoic إلى عصر الميوسين، ويُنتج البترول حاليا من الأحجار الرملية والجيرية والدولوميت في حقل العلمين. وفي جنوب مصر يجري البحث عن البترول والغاز الطبيعي في بعض مناطق مصر العليا كأسوان وأسيوط وبني سويف، إلى جانب استغلال الغاز في حقل "أبو ماضي" في دلتا النيل الذي يستخرج من الصخور الرملية، وأغلبها يعود إلى عصر الميوسين الأعلى.

     

البترول علمياً

          البترول مخلوط مركب من الهيدروكربونات، يوجد في الأرض في الصور السائلة والغازية والصلبة، ولكن المصطلح يطلق، عادة، على الصورة السائلة، التي تسمى بالزيت الخام، دون الغاز الطبيعي، أو الصورة اللزجة، أو الصلبة المعروفة بالبتيومين أو الأسفلت.

          أصبحت البتروكيماويات المشتقة من البترول مصدر كثير من المنتجات الكيميائية، كالمذيبات والطلاء والبلاستيك، والمطاط الصناعي، والألياف الصناعية، والصابون والمنظفات والشمع، والمتفجرات والأسمدة. وقد أشرنا إلى أن بقايا النباتات المائية والحيوانات قد اختلطت بالطمي والرمال وبرواسب معدنية مختلفة، وتحولت إلى طبقات من الرسوبيات التي تزايد سمكها عبر ملايين السنين، وتعرضت إلى عدد من المؤثرات التكوينية، فتحولت جيولوجياً إلى صخور رسوبية، وتحللت المكونات العضوية فيها إلى هيدروكربونات، تكون منها زيت البترول والغاز الطبيعي، اللذين هاجرا من طبقات صخور المصدر إلى صخور المكمن، ذات المسامية والنفاذية الأكبر، ثم حجزتهما صخور الغطاء؛ لتتكون بذلك مصائد البترول، وخزانات الخامات البترولية.

          وتختلف الخواص الطبيعية والتركيب الكيميائي للخامات البترولية وفقا لمصادر إنتاجها، على الرغم من تشابه تركيب أغلب الرواسب العضوية وخواصها، ويرجع ذلك إلى اختلاف الظروف الطبيعية التي تكون فيها البترول، من ضغط وحرارة، وتفاوت أعماق صخور المصدر والمكمن. وتنتقل الخامات البترولية عبر مسام الصخور الرسوبية، التي تتباين أيضا في صفاتها الطبيعية والكيميائية والمعدنية وأعمارها الجيولوجية. لتتجمع في المكامن البترولية، التي تختلف، أيضا، في تراكيبها الجيولوجية ومحتوياتها من المعادن، وخواصها الطبيعية والكيميائية، ويظل البترول في حالة امتزاز واحتكاك على أسطح مسام صخور المكمن، التي تمثل حفازات طبيعية لتفاعلات عضوية عديدة. كما يحتك البترول في أثناء هجرته، بالمياه الجوفية؛ ليكون بعض المستحلبات الزيتية في الماء أو المائية في الزيت. وتدخل عناصر عدة في تركيب الخامات البترولية كالكبريت سواء بالذوبان الطبيعي أو الاتحاد الكيميائي مع الهيدروكربونات المختلفة. وهكذا يؤدي تعدد المؤثرات التكوينية، واختلاف أعمار صخور المصدر والمكمن إلى تباين كبير في خواص المكونات البترولية.

المؤثرات التكوينية على المكونات البترولية

          تأتي تأثيرات درجة الحرارة في مقدمة هذه المؤثرات التكوينية، مع أن الحل أو التكسير الحراري Pyrolysis للهيدروكربونات لا يبدأ إلا عند درجات حرارة عالية، قد تصل إلى 350؟م أو أكثر، وهو ما لا يتوفر في طبقات الصخور الرسوبية في أثناء تكوين البترول أو تحركه أو تجمعه في المكامن. إلا أن ازدياد الضغط ووجود الطفلة، وهي عنصر رئيسي من مكونات العديد من الصخور الرسوبية، يتيحان إتمام هذا التحول الحراري في درجة حرارة 150 - 200 درجة مئوية. ومع أن هذه الدرجة قد لا تتحقق في صخور المصدر بسبب المياه الجوفية التي تخفض درجة حرارة الصخور، لكن توفر الوقت الطويل، الذي يصل إلى ملايين السنين، لتحقيق الاتزان الحراري الضروري لتفاعلات التحول الحراري يعوض هذا النقص النسبي في درجات الحرارة المطلوبة لنزع ثاني أكسيد الكربون، ومجموعات الأمينات Deamination، وللتخليق أو الهدرجة Hydrogenation، وتفاعلات التجازئية Isomerism. هذا، وتزداد درجة حرارة الصخور الرسوبية طبقا لازدياد العمق في القشرة الأرضية بمعدل 0.5 - 1.2 درجة مئوية لكل مائة قدم.

          ويؤدي ازدياد درجة حرارة التكوين أو درجة حرارة المكمن البترولي إلى ازدياد نسبة المركبات المحتوية على أقل من 15 ذرة كربون، على حساب المكونات الهيدروكربونية العالية التي تحوي أكثر من 15 ذرة كربون، مما يعني تكون الخامات الخفيفة التي تزداد فيها نسب الجازولين والمقطرات الوسطى، وتقل نسب المقطرات الثقيلة والمخلفات، مثلما يزداد المحتوي البارافيني. وهكذا فإن ازدياد النضج الحراري Thermal Maturation يـؤدي إلى تكون الخامات الخفيفة ذات المحتوى الكبريتي المنخفض، والبارافيني العالي نسبيا.

          والمؤثر التكويني الثاني هو الضغط الذاتي للحقول البترولية، الذي يتناسب طرديا مع عمق الطبقات في القشرة الأرضية نتيجة طبيعية للزيادة المستمرة في كتلة الصخور المتراكمة فوق المكامن البترولية Vertical Pressure. ويزداد الضغط أيضا في هذه المكامن بفعل التحركات المستمرة في القشرة الأرضية Tectonic Movements التي تؤدي إلى تكوين القباب Domes نتيجة الضغط الأفقي. كذلك تنتج عن تفاعلات التحول الحراري للخامات البترولية كميات كبيرة من الغازات الذائبة في الزيت أو التي تعلوه، وتتميز بعلو ضغطها البخاري، ما يزيد الضغط الذاتي للمكامن البترولية. ويؤثر ازدياد الضغط بدوره على مسار واتزان تفاعلات التحول الحراري، ويزيد المكونات الخفيفة في الخام، وبالتالي تنخفض الكثافة النوعية له.

          ولعامل الزمن تأثير فعال على المكونات البترولية، إذ تواكبه تأثيرات الضغط والحرارة حتى تصل تفاعلات التحويل البترولية Petroleum Conversion Reactions إلى الاتزان، ومرة أخرى تتناقص الكثافة النوعية للخام البترولي مع ازدياد عمر التكوين، الذي يختلف من العصر الثلثي إلى الدهر الوسيط أو حقبة الحياة القديمة. وفي ظل الضغط العالي وارتفاع درجة الحرارة تذوب كميات كبيرة من الغازات البترولية والغازات الأخرى المصاحبة لها في السوائل البترولية، مما يحدث تغييرات في الاتزان الطبقي في المكامن، ومع ذوبان هذه الغازات يترسب الأسفلت فتزداد الكثافة النوعية للخام ويتناقص المحتوى الكبريتي فيه.

          ومن بين المؤثرات الأخرى على التركيب الكيميائي للخامات البترولية في أثناء فترة التقادم المسماة بفترة النضج البترولي Aging of Petroleum التعرية المناخية التي تؤدي إلي تعرض البترول للماء أو الهواء، وما يحدث عندئذ من تبخر المكونات الخفيفة، وتكون البتيومين، وبعض تفاعلات الأكسدة، وزيادة المحتوى الأكسجيني، وارتفاع الكثافة النوعية ودرجة اللزوجة. كذلك تتأثر المكونات البترولية بالاحتكاك المستمر بماء التكوين والمياه الجوفية المحتوية على نسب مختلفة من الأكسجين، ويساعد الهواء الذائب في المياه الجوفية على تكوين بعض المنتجات الأسفلتية التي قد تترسب أو تظل معلقة في الخامات البترولية، كما أن المياه الجوفية بما تحتويه من بكتيريا وهواء تسبب تغييرات في المحتوى الهيدروكربوني للخامات في ظروف الأكسدة. وتزداد، كذلك، الكثافة النوعية، وتتناقص نسبة الكبريت، خلال النضج الحراري للهيدروكربونات، لا سيما مع تزايد نسبة ذوبان الغازات البترولية في الخام.

تجمع البترول

          بعد تكون البترول في طبقات المصدر ينتقل غالباً لمسافات كبيرة، من خلال مسام الصخور الرسوبية حتى يستقر في مكامنه المسماة بالمصائد البترولية Petroleum Traps، التي يستخرج منها الخام. ولا شك أن تراكم الصخور الرسوبية فوق طبقات المصدر يزيد تضاغط compression وضغط Pressure الطبقات الحاوية للبترول ما يؤدي إلى هجرة الخامات البترولية إلى طبقات عالية المسامية والنفاذية، كالصخور الرملية أو الجيرية أو الدولوميت. وتتحرك هذه الخامات من خلال التشققات والصدوع التي تتكون نتيجة لتحركات القشرة الأرضية المستمرة Tectonic Movements من خلال مسارات شبكية تسمح بتسرب السوائل والغازات من منطقة لأخرى عمودياً وعرضياً في أغلب الأحوال، وإن كان ذلك لا ينفي إمكانية التكون والتجمع الموضعي للبترول في طبقة واحدة، وارتحاله لمسافات صغيرة فيها في بعض الأحيان.

          ويخضع البترول، بعد تجمعه في المصائد البترولية ذات التراكيب الجيولوجية الخاصة التي تحد من حركة خاماته، وتؤدي إلى تجمعه في مكامن محدودة، لكافة المؤثرات التكوينية التي أشرنا سالفاً إليها، ومنها تأثير الجاذبية الأرضية، ثم تنفصل الغازات والسوائل البترولية عن ماء التكوين ويبدأ تكونها في حالة اتزان طبقي وفق كثافاتها النسبية.

          ويمكن تقسيم مكامن البترول إلى مكامن غير مشبعة بالغاز، وأخرى فيها غاز مذاب، وثالثة يعلوها الغاز، ورابعة أسفلها الماء، وخامسة أعلاها الغاز وأسفلها الماء.

          والمكامن غير المشبعة بالغاز، لا تحتوي إلا على القليل منه، ونتيجة لتخفيف الضغط على المكمن عند الإنتاج فإنه يستمد طاقته الذاتية من تمدد سوائل المكمن بما فيها النفط والماء أسفله، ما يساعد على دفع البترول نحو الآبار، ثم تتقلص المسام بفعل تمدد حبيبات الصخور ما يساعد على طرد جزء من الخام، كما أن تجمع البترول بفعل الجاذبية أسفل المكمن يسهل إمكانية ضخه من خلال آبار تحفر في أسفله. وهذا النوع يتميز بضعف معدل تدفق البترول عند بدء الإنتاج من الآبار، ويتناقص ضغط المكمن بسرعة، وبالتالي تتدنى نسبة الإنتاج إلى نحو 5 - 10% من إجمالي بترول المكمن.

          أما المكامن فهي التي يختلط فيها الغاز بالخام نتيجة الضغط الواقع عليه في المكمن وارتفاع درجة الحرارة، فعند بدء الإنتاج فيبدأ الغاز، عند بدء الإنتاج، في الانفصال عن الزيت على هيئة فقاعات تندفع وتدفع الزيت نحو فتحات الآبار، ويتزايد معدل دفع الزيت إلى مدى معين، ثم يبدأ في التناقص التدريجي، ويتراوح ما ينتج من الزيت بين 5، 30% من محتوى مكمن البترول .

          وفي المكامن البترولية التي يعلوها الغاز، يتمدد الغاز، مع بدء الإنتاج، ضاغطا على البترول ما يزيد من معدل الإنتاج، وبخاصة إذا احتوى الزيت على كميات من الغاز المذاب فيه، ويتناقص ضغط المكمن ببطء، كما أن نسبة الغاز إلى الزيت تزداد في الآبار التي تحفر في أعلى المكمن، وتعتمد كمية المنتج من البترول على ضغط طبقة الغاز، وتقدر هذه الكمية بحوالي 30-40% من بترول المكمن.

          ويوجد الماء تحت معظم مكامن البترول، متصلاً بالمياه السطحية أو جاريا في الطبقات الجوفية، أو ملامسا للزيت في أسفله أو في أطرافه، وعند بدء الإنتاج يزيح الماء البترول ليحل محله، ما يزيد من معدل الانتاج لفترة أطول، وتكون نسبة الغاز إلى الزيت منخفضة، ولكن قد يجد الماء طريقة مع الزيت في المراحل الأخيرة لاستخراج البترول من المكمن. وتصل كمية المنتج من الزيت إلى 35-75% من إجمالي بترول المكمن.

          أما في المكامن التي يعلو فيها الغاز الزيت وتوجد المياه أسفله، فإن الزيت يندفع في الآبار تحت تأثير الطاقتين العلوية للغاز والسفلية للماء، إلى جانب الطاقة الناتجة عن تمدد الغاز المذاب في البترول ، وبذلك تكون هذه المكامن الأكثر إنتاجاً للنفط من غيرها. وهناك مكامن خاصة بالغاز الطبيعي لا تحتوي على الزيت، ولكن الغازات قد تعلو الماء أو المكثفات، وتستخرج اعتمادا على طاقتها الذاتية. ويعد الغاز الطبيعي أكثر قدرة على التمدد والتحرك من الزيت، وقد يصل الانتاج إلى حوالي 80% من غاز المكمن.

          ويجري التقدير الأولي لكمية البترول المتوقع إنتاجها، وهو ما يسمى "بالاحتياطي المبدئي"، وفي ضوء المعلومات الجيولوجية والجيوفيزيائية عن حجم التراكيب البنائية لمكامن البترول المرجحة وأنواعها، والافتراضات المحتملة لمسامية الصخور الخازنة ونفاذيتها، وبعد حفر آبار الاستكشاف، وتحديد معالم الحقل يمكن الوصول إلى التقدير التقريبي لكمية البترول في المكمن وهو "الاحتياطي المرجح أو المثبت". أما كميات البترول المنتج "أو النهائي" فهو المجموع الكلي لإنتاج آبار الحقل حتى توقف الإنتاج.

          ومع مراعاة اعتبارات الجدوى الاقتصادية تستخدم كافة الوسائل والطرق الملائمة لإنتاج أكبر كمية ممكنة من البترول، سواء من خلال الإنتاج الأولى أم بواسطة الحقن. وفي مرحلة الإنتاج الأولى يتدفق البترول نحو فتحات الآبار بفضل الطاقة الذاتية داخل المكمن، ومع تناقص الضغط الطبيعي وانخفاض معدل الإنتاج تحقن المكامن بمواد مختلفة لزيادة الضغط فيها، أو المحافظة عليه، بهدف إنتاج أكبر قدر ممكن من البترول المتبقي، فإذا حقن البئر بالماء أو الغاز سمي بالإنتاج الثانوي، أما إذا اتبعت طريقة الإنتاج المعزز فيحقن بالبخار أو إحلال البوليمرات وكذلك الاحتراق الداخلي.

 الصفحة الرئيسية