يهتم
علم الطبقات Stratigraphy بدراسة القوانين والظروف المختلفة التي تتحكم في تكوين طبقات
الصخور في السلم الجيولوجي، وأماكن ترسيبها في مختلف مناطق العالم،
ويحدد أنواعها وخصائصها الصخرية وأعمارها، ويوجه عناية خاصة للصخور
الرسوبية. ومن ذلك نشأ حديثاً فرع مستقل بذاته، ويختص بكل ما يتعلق
بالترسيب، ويسمى علم الرواسب Sedimentology. ولما كانت المحيطات
والبحار تغطي أكثر من ثلاثة أخماس سطح الأرض، كانت الترسيبات البحرية
هي الغالبة، وقد تراكمت أساسا تحت سطح الماء في طبقات Strata متباعدة وسميت أحياناً بالصخور
الطباقية Stratified Rocks أو الطبقات المضغوطة Laminated Rocks. وتوجد الطبقات الأقدم تاريخياً في القاع، وتعلوها
الطبقات الأحدث زمنياً، ما لم تكن الصخور قد تعرضت لحركات القشرة
الأرضية. وعندما تموت الحيوانات والنباتات تطمرها الترسيبات، وتعلو
حولها وفوقها، ومنها ما دفن - مثل الرخويات البحرية - حيث عاشت قرب قاع
البحر، ومنها ما تحرك مع المواد المترسبة، قبل أن يدفن في مكان آخر،
حركة شبيهة بطوفان النهر الذي يجرف الأشجار وفروعها في مجراه.
وتحوي
الصخور الرسوبية حفريات شديدة التنوع والاختلاف، حتى أنها تخدم مباشرة
دراسات التطور التدريجي للحيوانات والنباتات عبر العصور، وهنا نشير إلى
أهمية علم الحفريات
Paleontology والحفريات الدقيقة Micro-Paleontology في مجال
جيولوجيا البترول عامة، والتنقيب عنه خاصة، فإن الحفريات، وهي بقايا
الكائنات الحية من حيوانات ونباتات، عادة ما تكون مميزة للبيئة التي
عاشت فيها.
تكونت
الصخور الرسوبية -إذاً- فوق سطح الأرض، أو تحت سطح الماء في شكل طبقات
متتابعة. ويصنف هذا النوع من الصخور وفق أسلوب تكوينها أو تركيبها أو
طبقا لهما معاً، ولدينا طبقا لكيفية تكوينها ترسيبات الرياح، كرمال
الصحراء والكثبان الرملية وركام الحصي، ولدينا الرواسب النهرية من رمال
وحصي وطين وطفل وطمي أو غرين، ورسوبيات البحيرات، والترسيبات الجليدية،
ثم الرواسب البحرية التي تراكمت طبقات تحت البحر، وقد تتصل بها ترسيبات
مصبات الأنهار أو الخيران أو البحيرات الضحلة. وتعد الحفريات، ولا سيما
الحيوانية منها، من أفضل دلائل تحديد كيفية تكوين الصخور الرسوبية.
وتصنف الصخور الرسوبية من حيث التركيب إلى البريشة، والحصباء أو
الرمال، والطفل، والطين. وعندما تتماسك الرمال تكون الحجر الرملي،
والمواد التي تربطها سويا تكون، عادة، من معادن مختلفة ترسبت بعد
الرمال وتخللتها، وهي تحت سطح الماء، ومنها كربونات الكالسيوم في الحجر
الجيري، وأملاح الحديد أو السيليكا في حجر الكوارتزيت أو حبيبات
الفلسبار Felspar.
ومن
بين الصخور الرسوبية طبقات الصخور ذات الأصل العضوي، الحيواني أو
النباتي. والصخور العضوية من النوع الأول تشمل أنواعا عدة من الأحجار
الجيرية مثل الطباشير Chalk، والجزر والصخور المرجانية، والدولوميت. أما الصخور العضوية
نباتية الأصل فمنها الفحم والأنثراسيت بصفة خاصة، والجرافيت والتي تسمى
بالصخور الكربونية التي تحوي المواد الهيدروكربونية، ونسبا صغيرة من
الأملاح المعدنية. وفي ظروف معينة تتحول المواد العضوية النباتية الأصل
إلى زيت البترول. وعادة يصعب فصل الصخور الكيميائية التكوين والعضوية
بسبب تأثيرات الكائنات الحية مثل الطحالب التي تؤدي إلى ترسيبات
كيميائية ولا تترك آثارا واضحة لوجودها.
الحياة
البحرية ـ إذاً ـ هي مصدر البترول الرئيسي بوجه عام، والطبقات الغنية
ببقايا الكائنات العضوية مثل الحيوانات البحرية الدنيا والرخويات
والطحالب يرجح أن تكون صخوراً مولدة للبترول، كما أن الصخور الرسوبية
ذات السمك الكبير والطبيعة المسامية تعد أهم أنواع الصخور الخازنة Oil Reservoir Rocks، التي
تكاد توجد في أغلب العصور الجيولوجية، وتكون غالبا متصلة بالصخور
المولدة من نفس العصر الجيولوجي. وتوجد التجمعات النفطية في مسام
الصخور الرسوبية نتيجة لهجرة البترول، أو حركة الطبقات أو بسبب
التفاعلات الكيميائية، أو في تشققات الصخور النارية تحت ظروف معينة.
وتوجد تلك التجمعات، غالباً، مع مواد أخرى أهمها المياه الجوفية وبعض
الشوائب، وبذلك لا تشكل المواد البترولية مائة في المائة من حجم
المسامية والنفاذية المتاحة في المصائد البترولية، سواء كانت تركيبية
أم رسوبية. كذلك فإن درجة التشبع البترولي في مسام الصخور تؤدي إلى
وجود كمية قابلة للاستخراج، وأخرى ملتصقة بأسطح الحبيبات المكونة
للصخور التصاقا قد يكون كيميائيا، ويصعب استخراجها بغير إجراء عمليات
مكلفة لتغيير خاصية الالتصاق هذه.
وتوضح دراسة الطبقات الجيولوجية في مختلف أرجاء إقليم
الشرق الأوسط تشابه ظروف تكوين الطبقات الرسوبية في مناطقه الشاسعة،
وتكاد تتماثل في أنواع الكائنات الحية التي وجدت فيها. وتختزن الصخور
الرسوبية في هذا الإقليم، الذي تشكل الصفيحة العربية جزءا رئيسيا من
تكوينه الجيولوجي، كميات ضخمة من البترول والغاز الطبيعي. وتتكون هذه
الصفيحة العربية من منطقتين رئيسيتين وهما الدرع العربي المكون من صخور نارية ومتحولة ورسوبية
قديمة، ويقع في غرب شبه الجزيرة العربية، وحوض الترسيب العربي الكبير
المسمى أحيانا بالرصيف العربي، ويتكون من صخور رسوبية من الدهر الوسيط Mesozoic ومن العصر الثلثي Tertiary وهو الأول في
الحقبة الحديثة Cenozoic. وتمتد هذه الصخور الرسوبية في الحوض العظيم حول الدرع الأفريقي
العربي الذي تحده شمالا جبال طوروس، وكردستان، وجبال زاجروس، وشرقا
جبال عُمان، وغربا جبال لبنان، وتغطي تلك الصخور كذلك شبه جزيرة سيناء
ومعظم أراضي مصر.
وقد
قـدر احتياطـي البترول والغاز الطبيعي في الصفيحة العربية عام 1991م
بأكثر من 663مليار برميل من الزيت، وحوالي 1325 تريليون قدم مكعب من
الغاز الطبيعي. ويمثل الرشح
البترولي أو آثاره على سطح الأرض أول مؤشرات وجود زيت البترول في
باطنها، وقد اشتهرت منطقة حوض الترسيب العربي الكبير منذ زمن بعيد
بانتشار دلائل وجود البترول على سطح الأرض.
وتعد
مكامن الصخور الجيرية، التي ترسبت في بيئات بحرية وشاطئية ومرجانية،
المكامن الرئيسية لحقول البترول والغاز الطبيعي في حوض الترسيب العربي
الكبير. وتأتي مكامن الصخور الرملية التي ترسبت في بيئات بحرية أو
متنوعة، من شاطئية، أو قارية، أو دلتاوية، إلى جليدية، أو كثبانية، في
المرتبة الثانية من حيث الأهمية والإنتاج. ويوجد البترول في صخور
مختلفة الأعمار الجيولوجية في هذا الحوض، تمتد من أواخر حقبة الحياة
القديمة قبل حوالي 590 مليون سنة إلى العصر الثلثي أو الثلاثي قبل
حوالي 36 مليون سنة وربما أحدث من ذلك، وإن كانت الصخور الطينية
والجيرية الغنية بالمواد العضوية والتي تتخلل الطبقات المسامية هي
المصدر الأساسي لبترول المنطقة العربية.
وينتج
البترول في منطقة جبال "أم الرؤوس" في حقل قبة الدمام "الظهران" من
طبقة جيرية تابعة للعصر الجوراسي سميت "متكون العرب"، وعلى عمق 4737
قدما أي 1443.6 مترا، وفي نفس الحقل ينتج البترول من طبقة البحرين التي
تنتمي إلى العصر الطباشيري Cretaceous. أما خزان البترول في حقل بقيق جنوب غــرب
الـدمــام، فيقع في الصخور الرسوبية للعصر الجوراسي الأعلى Upper Jurassic على عمق نحو
1500 قدم وتحت طبقات سميكة من عصري الطباشيري والإيوسين، وتكسو طبقة
الإيوسين طبقة رفيعة من رسوبيات الميوسين والبليوسين، والتركيب
الجيولوجي في هذا الحقل عبارة عن طية محدبة مطولة Elongated، وينتج فيه البترول من الحجر
الجيري الدولوميتي والكلسي.
وهناك
عوامل عديدة جعلت من حوض الترسيب العربي الكبير أغنى منطقة بترول
حالياً ، حيث تختزن أكثر من نصف احتياطيات العالم من الزيت والغاز
الطبيعي، كما أن خمس دول من الدول الست الأولى عالميا في غناها
باحتياطيات البترول المؤكدة هي من دول الحوض وهي المملكة العربية
السعودية، والعراق والإمارات العربية المتحدة، والكويت وإيران، والدولة
السادسة هي روسيا الاتحادية.
وأول
هذه العوامل هو استمرار الترسيبات في هذا الحوض العربي في ظروف هادئة
بنائيا، ولحقب جيولوجية متعاقبة بدأت في أواخر حقبة الحياة القديمة،
وامتدت حتى العصر الحديث، وقد تعاقب ترسيب الصخور الغنية بالمواد
العضوية، وهي الصخور المولدة كالطفل والطمي، في مختلف بيئات الترسيب
البحرية والشواطئ والدلتا والمستنقعات وغيرها، مع تكوين طبقات سميكة من
الصخور ذات المسامية والنفاذية الملائمتين ونعني بها صخور المكامن
البترولية التي كانت في معظمها من الأحجار الرملية والجيرية، ثم ترسيب
طبقات من الصخور الصماء عديمة النفاذية وهي الصخور الحابسة.
والعامل
الثاني هو تكون مصائد البترول الطباقية نتيجة ترسيب صخور ذات مسامية
ونفاذية مناسبة قريبا من الصخور المولدة للبترول، ما هيأ إمكانية تجميع
البترول منذ بداية هجرته في هذه الصخور الخازنة وحفظه، حتى تكوين
المصائد البنائية
على هيئة طيات محدبة Anticlines، وقباب نتيجة تحركات القشرة
الأرضية، وهجرة النفط إليها. وقد كان توقيت تكوين المصائد البنائية
ملائما تماما في حوض الترسيب العربي الكبير، وحدث عند تكوين البترول أو
بعد تكونه مباشرة وهجرته، مما أدى إلى حفظ البترول وتجميعه في مصائد
عظيمة انتشرت بصفة أساسية على امتداد الجانب الشرقي للحوض.
وهناك
عامل ثالث أسهم في وفرة البترول بالحوض العربي، هو ندرة التحركات
الأرضية العنيفة، وعدم تداخل الصخور النارية في التتابع الطبقي الرسوبي
لمنطقة الحوض، ما أدى إلى احتفاظ الصخور الرسوبية بخصائصها الطبيعية
كالمسامية والنفاذية، وساعد على حفظ المواد العضوية في صخور المصدر،
وعلى تماسك وصلابة الصخور الحابسة.
ويشمل
حوض الترسيب العربي الكبير ذلك التجمع البترولي الهائل في طية النعلة
المحدبة العملاقة، التي يمتد طولها نحو 240 كيلو متر، ويبلغ عرضها 20 -
24 كم، والتي تشكل حقل الغوار، وهو أكبر حقل بترول في العالم وتبلغ
مساحته زهاء 5300 كيلو متر مربع. ويأتي بعده حقل البرقان، ثاني أكبر
حقل بترول عالميا، على الشاطئ الغربي للخليج العربي.
ويعد
حقل السفانية في الخليج أكبر حقل بترول مغمور في العالم، كما يزخر
الخليج بحقول مغمورة أخرى مثل المرجان والظلوف في المملكة العربية
السعودية، وحقل زاكم العلوي في الإمارات العربية المتحدة. ويتميز حقل
قبة قطر الشمالي بأنه أكبر حقل غاز طبيعي في العالم، كما اكتشف
السعوديون البترول والغاز الطبيعي في حقلي شيبة وكدن في الربع الخالي،
وفي حقول الحوطة والدلم والرغيب والجلوة والنعيم والهزمية والغينة في
قلب شبه الجزيرة العربية وغربها، ثم حقلي بركان ومدين قرب مدخل خليج
العقبة.
وفي
حقل كركوك العراقي، الذي يمتد في رقعة طولها 60 ميل، وعرضها أكثر من
ميلين يستخرج البترول من طبقة الحجر الجيري المسامية ذات الشقوق التي
ترسبت في الحقبة الجيولوجية الممتدة من الإيوسين الأوسط إلى الميوسين
الأسفل Lower Miocene،
ويلاحظ هنا أن البترول ينتج في كركوك، وفي حقل سدر على خليج السويس في
مصر من الطبقات الرسوية لنفس الحقبة الجيولوجية، مع اختلاف نوع المصائد
البترولية في الحقلين.
ويعد
الخزان البترولي في حقل البرقان الكويتي أحد أكبر الحقول المنتجة في
العالم، ويستخرج البترول من رسوبيات الحجر الرملي في فترة العصر
الطباشيري الأوسط والأسفل، وتمتد رقعة هذا الحقل فوق مساحة 135 ميل
مربع، ويتخذ التركيب الجيولوجي له شكل قبة يمتد محورها الأطول من
الشمال للجنوب بطول 12-15 ميل، والمحور الأقصر لمسافة 8-10 ميل من
الشرق للغرب، وفي مصر يستخرج البترول من طبقة الحجر الرملي النوبي في
نفس الفترة من العصر الطباشيري.
أما
حقول البترول على الشاطئين الشرقي والغربي، وفي مياه خليج السويس فتعد
من أهم حقول الحوض العربي، ولا يزال هذا الخليج المصدر الرئيسي لأكبر
احتياطيات مصر البترولية حتى الآن، مع أنه أصغر إقليم فرعي لتجمع
وتكوين الهيدروكربونات في الشرق الأوسط، ويحده صدعان جيولوجيان من
الشرق والغرب أديا إلى تكوين الخليج.
وينتج
البترول من الصخور الرسوبية في السهول الشاطئية، وتحت مياه الخليج،
والتي تشمل الحجر الجيري من عصر الميوسين، والحجر الرملي في العصر
الطباشيري الأعلى من الحقول البحرية كبلاعيم، ومن الأحجار الرملية في
العصر الكربوني في السهول الشاطئية للخليج.
أما
بالنسبة للشاطئ الشرقي لمصر على البحر الأحمر فإن الحفر العميق لأكثر
من ثلاثة آلاف قدم في مياه البحر يجعل الاستكشاف عالي التكلفة
الاقتصادية، وإن كان إنتاج الغاز الطبيعي والمكثفات من جزيرة برقان قرب
الشاطئ السعودي جنوب شرق مدخل خليج العقبة يشجع مزيداً من التنقيب. وفي
شمال مصر تستمر جهود الإستكشاف للغاز الطبيعي في المياه العميقة للبحر
المتوسط في مناطق شمال سيناء، ثم شمال رأس البر فمنطقة الســاحل
الشمالي على البحر المتوسط في غرب دلتا النيل.
وقد
أعطت جهود التنقيب والاستكشاف في الصحراء الغربية نتائج مشجعة في
التكوينات الرسوبية من حقبة الحياة العتيقة Paleozoic إلى عصر الميوسين، ويُنتج
البترول حاليا من الأحجار الرملية والجيرية والدولوميت في حقل العلمين.
وفي جنوب مصر يجري البحث عن البترول والغاز الطبيعي في بعض مناطق مصر
العليا كأسوان وأسيوط وبني سويف، إلى جانب استغلال الغاز في حقل "أبو
ماضي" في دلتا النيل الذي يستخرج من الصخور الرملية، وأغلبها يعود إلى
عصر الميوسين الأعلى.