جغرافية العمران  Geography of Settlement

          جغرافيا العمران فرع من فروع الجغرافيا البشرية، التي تعالج العلاقات المتبادلة بين الإنسان وبيئته وانعكاسها على نمط الحياة السائدة، وتنقسم إلى قسمين رئيسيين هما:

رمز نقطي

جغرافيا العمراني الحضريGeography of Urban Settlement

رمز نقطي

جغرافيا العمران الريفي Geography of Rural Settlement

          وكان عبدالرحمن بن خلدون (1332 ـ 1406م)، أول من استخدم مصطلح العمران  ـ وذلك في مقدمته المشهورة، التي اقترنت باسمه، غير أنه استخدم هذا التعبير في مقاصد كثيرة، دارت في أغلبها حول الاجتماع الإنساني أو دراسة أحوال البشر وطبائعهم. والعمران في التحليل الجغرافي يرتبط عامة بالسكن، حتى أصبح مرادفاً لجغرافية مراكز العمران أو المحلات السكنية.
          وتهتم جغرافية العمران الحضري بدراسة المدن وتطورها (المدن الإغريقية، والرومانية، والإسلامية ومدن العصور الوسطى، ومدن العصر الحديث) وموضعها ، وموقعها، وتوزيعها، وحجمها السكاني، والعمراني، وخصائص وتوزيع المدن المليونية، والتجمعات الحضرية Metropolitan Area، وخصائص سكان المدن. أمّا جغرافية العمران الريفي فتختص بدراسة نشأة القرية، وتطورها، وتوزيعها، وشكلها، وأحجامها.

أ. جغرافية العمران الحضري

          المدينة ظاهرة قديمة ترجع نشأتها إلى عهود بعيدة، ارتبطت باستيطان الإنسان في مناطق السهول في الشرق الأوسط . ويعد النمو السكاني في المدن وتضخمها السمة الرئيسية، التي يتميز بها السكان في العصر الحديث، وقد تزايدت أحجام المدن نتيجة لزيادة معدلات التحضر Urbanization ، وبالتالي سيطرت المدن في معظم دول العالم على مظاهر النشاط البشري، وهو ما يعرف بالهيمنة الحضرية Urban Primacy .
          ظهرت منذ ما يقرب من 2000 سنة قبل الميلاد، المدن التجارية، ومن أبرزها مدينة فيلاكوبي Phylakopi على جزيرة ميلوس Milos إحدى جزر بحر إيجه، ومدينة بيبلوس على ساحل الشام، واشتهرت بتجارة الأخشاب، وكذلك اشتهرت مدينة كريت في النصف الأول من الألف الثانية قبل الميلاد، وقامت شهرتها على التجارة البحرية خاصة مع مصر، وتبعتها في ذلك وفي القرن السادس عشر قبل الميلاد، عدة مدن يونانية وعلى ساحل الشام مثل صور وصيدا. وإلى جانب المدن الساحلية التي اشتغلت بالتجارة، قامت مدن داخلية تُعرف بمدن القوافل، تقوم حلقة وصل بين مدن ساحل الشام وبلدان الشرق الأوسط، ومنها مدينة حلب  Aleppo، ودمشق Damascus، وتدمر Palmyra .
          وقد ظهرت المدن المبكرة بين السنة 4000 إلى 3000 قبل الميلاد في منطقة الهلال الخصيب الذي كونه نهرا دجلة والفرات. وعُرفت بمنطقة ما بين النهرين Mesopotamia، وكانت هذه المدن مراكز دينية في الأصل. وبعدها بمئات السنين ظهرت مدن وادي النيل ومن أبرزها مدينتا طيبة ومنف، ثم ظهرت مدن وادي السند في باكستان سنة 2300 قبل الميلاد، ثم تبعها ظهور المدن في أمريكا الوسطى ونيجيريا.
          وفي سنة 450 قبل الميلاد، بدأ ظهور المدن الإغريقية المخططة، ومن أبرزها مدينة ميلتوس Miletus. التي أنشئت وفق خطة مكونة من شبكة الشوارع والبلوكات السكنية Grid - Street Block، تلتها المدن الرومانية، التي انتشرت في قارة أوروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين.
          ومع ظهور الإسلام كون المسلمون إمبراطورية واسعة وازدهر العمران في ظل الدولة الإسلامية، وظهرت مدن أدّت دوراً مهماً في نشر الثقافة وتقدم التجارة، ومن أبرز هذه المدن، التي أنشأها المسلمون فاس، والرباط، وقرطبة، والنجف، وكربلاء، كما أُنشئت مدن عسكرية مثل البصرة، والكوفة، والفسطاط، والقيروان. وظهرت العسكر ثم القطائع ثم القاهرة. كما توضح .
          ونتيجة لتزايد أعداد السكان انتشرت المدن الكبرى بشكل كبير في القرن العشرين، فبعد أن كانت المدن المليونية  ـ التي يزيد عدد سكانها عن المليون نسمة ـ لا يزيد عددها سنة 1870، على سبع مدن. زادت إلى عشرين مدينة سنة 1900، ثم قفزت إلى 275 مدينة سنة 1990، كما يوضح .
          ومن هذه المدن المليونية مدن نمت وتوسعت في بيئتها توسعاً كبيراً، وأصبحت تكون مجمعات ضخمة Megalopolis وفي سنة 1970، كان هناك ثلاث مجمعات ضخمة، بكل منها 10 مليون نسمة فأكثر، وهي مجمعة نيويورك، وطوكيو، ولندن، زادت إلى 12 مجمعة حضرية سنة 1990، وهي مكسيكو سيتي، وساوباولو، ولوس أنجلوس، وبمباي، وكلكتا، وأوزاكا، وبيونس أيرس، وريودي جانيرو، ومنطقة الراين ـ الرهر في ألمانيا، والقاهرة، وباريس، وسيول.

ب. جغرافيا العمران الريفي

          تنقسم جغرافية العمران إلى شقين، ـ كما سبقت الإشارة ـ يختص أحدهما بدراسة جغرافية المدن، ويهتم ثانيهما بدراسة جغرافية الريف، ويعد الاهتمام بدراسة جغرافية المدن اكثر وضوحاً، ويرجع ذلك إلى اتجاه سكان العالم نحو سكنى المدن في مختلف الأقطار، يقابله تناقص في نسبة سكان الريف، مما يوحي بأن سكان العالم في طريقهم ليتحولوا جميعاً إلى سكان مدن.
          ولا تظهر الفروق واضحة بين المدن والريف إلاّ في أقصى درجات كل منها، حيث يوجد في العادة استمرارية، ولا يوجد انتقال مفاجئ من أحدهما إلى الآخر، ولكنه انتقال تدريجي بين الريف والحضر Rural - Urban Fringe، كما أنه ليس هناك تمييز واضح بين المحلات العمرانية الريفية سواء بين العزبة Hamlet والقرية Village، وبصفة عامة فإن القرية أكبر في الحجم من العزبة من حيث الكتلة السكنية والسكانية، إضافة إلى أنه توجد بها وظائف ومراكز خدمية لا تتوافر في العزبة مثل مكتب البريد والمدرسة الإعدادية (المتوسطة).
          وتنقسم مراكز العمران الريفي حسب النشأة إلى نوعين، مراكز مؤقتة (غير مستقرة) وترتبط بالمجتمعات البدائية، مثل جماعات القنص والرعاة مثل جماعات الأسكيمو في النطاق القطبي، وجماعات الهنود الحمر في أمريكا الشمالية،  وجماعات البدو، ويرجع العمران غير المستقر إلى ظاهرة الانتقال الفصلي ، ومراكز ثابتة وترتبط بمجموعة من العوامل الجغرافية، أهمها تزايد السكان في رقعة ما، تتسم بتوافر البيئة الصالحة لإنشاء هذا النوع من المراكز، وهي تنقسم إلى قرى منعزلة وتوجد عادة حيث الملكيات الزراعية الواسعة، أو في المناطق التي لا تسمح فيها موارد المياه بوجود مساحة كبيرة من الأراضي الزراعية. أو في المناطق الجبلية، إذ تنتشر في الأقاليم الجبلية في حوض البحر المتوسط كما في لبنان، والجزائر، والمغرب. وقرى متكتلة، وهي تمتاز بكثرة عدد السكان وتنتشر في بيئات الحضارات الزراعية القديمة في السهول الفيضية، لذا فهي تنتشر في الريف المصري والعراقي والهندي، وغالباً ما تتركز المنطقة المبنية من القرية في كتلة واحدة، بينما تكون الأراضي الزراعية خالية من المساكن تقريباً.

3. جغرافية الخدمات Services Geography

          تعد جغرافية الخدمات من الفروع الحديثة للجغرافية البشرية، ولا يتعدى الاهتمام بها في الدراسات الجغرافية السنوات الأخيرة، فقد بدأت تظهر في مجال  الدراسات الجغرافية بشكل واضح في عقدي السبعينات والثمانينات في الدول المتقدمة فقط، ومع ذلك شهدت فترة الخمسينات بعض الكتابات المحدودة في جغرافية الخدمات، ولم يحظ هذا الفرع باهتمام في الدول العربية يتناسب مع أهميته، رغم أنه أحد الاتجاهات الحديثة التي دفعت الجغرافية دفعة قوية نحو الميدان التطبيقي.
          وإذا كانت جغرافية الخدمات من الاتجاهات الحديثة، فلا يعني هذا أن الأنشطة الخدمية حديثة الظهور هي الأخرى، وإنما هي أنشطة قديمة ولكنها لم تأخذ مكانتها على خريطة الأنشطة الاقتصادية، فيقول دانيلز  Daniels: إن أنشطة الخدمات هي ابنة الثورة الصناعية، التي حدثت فيما يعرف الآن بالدول الصناعية. فقد بلغت نسبة الأنشطة الأولى في نهاية المرحلة الأولى من الثورة الصناعية (سنة 1851) أكثر قليلاً من خُمس قوة العمل آنذاك، ثم انخفضت إلى 5% في نهاية الخمسينات من القرن العشرين، واستمرت في الهبوط حتى وصلت في منتصف السبعينات إلى 3%. أما نسبة الأنشطة الثالثة فارتفعت من 25% سنة 1851 إلى أقل قليلاً من نصف قوة العمل في السبعينيات، ثم تجاوزت نصف قوة العمل في منتصف السبعينات. وما حدث في إنجلترا، حدث مثيله في دول العالم الأخرى المتقدمة، أي أخذت العمالة في التحول من الأنشطة الأولى إلى الصناعات التحويلية ثم إلى قطاع الخدمات.
          أمّا الدول النامية Developing   فقد شهدت هي الأخرى تحولاً في العمالة منذ منتصف القرن العشرين تجاه قطاع الخدمات، ولكن بطريقة تختلف عما حدث في الدول المتقدمة، فقد تحولت العمالة من الأنشطة الأولى إلى الثالثة دون المرور بالأنشطة الثانية، وذلك لعجز الأخيرة عن استيعاب الفائض من العمالة في الأنشطة الأولى. فمعظم الدول النامية تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية كبيرة، نظراً لاستنزاف مستعمريها مواردها لفترات طويلة، فضلاً عن عدم قدرة اقتصادها على مواجهة الزيادة المطردة في السكان من جهة، وزيادة الهجرات الريفية إلى المناطق الحضرية من جهة أخرى، مما أدى في النهاية إلى زيادة المعروض من العمالة في سوق العمل سنوياً، ومن ثم كانت أنشطة الخدمات من أسهل الأنشطة أمام تلك العمالة، مثل انتشار الخدمات الشخصية وزيادة الوظائف الرسمية في قطاع الخدمات. والدليل على ذلك انخفاض نسبة العاملين في الأنشطة من 67 % من قوة العمل في سنة 1927 إلى 36 % في سنة 1986، وفي المقابل، ارتفعـت نسـبة العاملين في الأنشطة الثالثة من 23% في سنة 1927 إلى 36 % في سنة 1986. ولهذا تضخم قطاع الخدمات بالعمالة دون حاجة لذلك، رغم أن نسبتها لم تصل بعد إلى مثيلاتها في الدول المتقدمة. وذلك لأن ارتفاع نسبة العاملين بأنشطة الخدمات في الدول المتقدمة هي انعكاس واستجابة لارتفاع نسبة العاملين في مجال الصناعة (الأنشطة الثانية)، التي تتطلب عمالة عالية المستوى في الخدمات.
          وقد اختلفت الآراء حول مفهوم الخدمات وتعريفها ومنها ما أورده العيسوي الذي عرف الخدمات بأنها إشباع لحاجات الأفراد، ولا تدخل ضمن التداول في الأسواق ولا التعامل النقدي، كما عرفها الشامي بأنها كل ما يطلبه الإنسان من أجل التنعم بالحياة، وعرفها برايس Price   بأنها كل ما ينتج سلعاً غير مادية.

          وتصنف الخدمات إلى ما يلي:

أ. خدمات البنية الأساسية (التحتية)   Infrastructure Services

          وهي من الخدمات التي تهتم الدولة بتوفيرها والإشراف عليها، وذلك لأن وفرتها أمر ضروري لا رفاهية فيه. وتتمثل في مجموعة شبكات هي: شبكات مياه الشرب، ومياه الري، والصرف الصحي والزراعي، والكهرباء، والطرق، والاتصالات الهاتفية والبريدية.

ب. الخدمات السيادية  Supreme Services

          وتأتي سيادتها من إمكانية إشرافها على قطاعات الخدمات كافة، حيث تضم الخدمات الأمنية والإدارية، إضافة إلى الخدمات التعليمية، ويُعلل سيادتها بأنها مسؤولة عن بناء عقول الأفراد وتأهيلهم لتأدية ما عليهم من واجبات، فضلاً عن محاولة الدول في نشر التعليم على أنه حق مكفول للجميع.

ج. الخدمات الاقتصادية والرعاية الإنسانية  Economic and Human Services

          وتتمثل في الأسواق وتجارة التجزئة، والخدمات الصحية والاجتماعية، وهي تشكل في مجملها العناية برفاهية الإنسان ورفع مستواه.

   

الصفحة الرئيسية