المادة الأصل Parent Material Factor

          تؤثر المادة الأصلية، أو المادة الأم Parent Material، في العديد من خصائص التربة، تأثيراً متفاوتاً. فيكون كبيراً جداً، في الأقاليم الجافة، وفي الترب الحديثة، التي ما زالت في بدايات عملية التكون. أما في الأقاليم الرطبة، والترب القديمة، التي تعرضت لعمليات تكوّن التربة، لمدة طويلة ـ فإن عوامل تكوّن التربة الأخرى، تكون قد غطت على تأثير المادة الأصل في خصائص التربة. كما يرتبط ذلك التأثير بمدى ثبات المعادن المكونة للمادة الأصل، وقابلية الصخور للتجوية الكيماوية.

أ-

ثبات المعادن Mineral Stability

          تختلف المعادن في مقاومتها للتجوية الكيماوية، فبعضها يتجوى بسرعة، في غضون آلاف السنين، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى ملايين السنين؛ ما يجعله مقاوماً لعدة دورات رسوبية. ويمكن ترتيب المعادن، بالنسبة إلى مقاومتها للتجوية، بعدة طرائق، أهمها دراسة معادن التربة، ومقارنتها بالمعادن المكونة لمادة الأصل، التي اشتقت منها؛ وملاحظة مقدار تلاشيها، ودلائل تحولها إلى معادن طين. ومن الرواد الأوائل، في هذا العمل، العالم جولدتش Goldich، الذي وضع سلسلة للثبات النسبي للمعادن الرئيسية، المكونة للصخور. وقد وجد أنه كلما ازداد عدد أيونات الأكسجين، المشتركة بين رباعية الأسطح للسليكونSilica tetrahedra   في معادن السليكات، ازداد ثبات المعدن ومقاومته للتجوية. ولذلك، فإن معدن الأوليفين Olivine، الذي تكون فيه رباعيات الأوجه للسليكا، غير مترابطة (نيزوسيليكات) Nesosilicate ـ هو أقلّ معادن السليكات مقاومة للتجوية. بينما يكون أشدها مقاومة معدن المرو (الكوارتز) Quartz، الذي يمثل شبكة من رباعيات أوجه السليكا، في جميع الاتجاهات (تكتوسليكات) Tectosilicat. ولذلك، تحتوي التربة على مقدار كبير من المرو؛ بينما لا يوجد معدن الأوليفين، إلا في ترب المناطق الصحراوية، التي تكون فيها التجوية الكيماوية محدودة، بسبب قلة الأمطار؛ أو في الترب حديثة التطور، التي لم تتعرض المعادن فيها للتجوية، فترة كافية.

ب-

قابلية الصخور للتجوية الكيماوية

          تتجوى الصخور بمعدلات مختلفة، كما هو واضح من التغيرات الطبوغرافية، التي تلازم الاختلافات في أنواعها. فالصخور، التي تحتوي على نسب كبيرة من المعادن سريعة التجوية، تتجوى أسرع من الصخور، التي تكون نسبة المعادن المقاومة فيها كبيرة. كما أن حجم حبيبات الصخر، يؤثر في معدل التجوية، في الصخور النارية خشنة القوام، مثل الجرانيت  Granite، أعلى منه في الصخور المشابهة لها في التركيبة المعدنية، إلا أن نسيجها أنعم، مثل الرايولايت  Rhyolite.

          وتختلف آلية التجوية في الصخور التي تحتوي على معدن البايوتيت (معدن البايوتيت Biotite هو أحد معادن السليكات الصفائحية، ويحتوي على عنصر الحديد ( KFe3AlSi3O10(OH)2) ولونه أسود.) Biotite، عنها في الصخور الخالية منه؛ إذ يكون معدل التجوية مرتفعاً في الأولى،، سواء كانت نارية أو متحولة. ويرجع السبب في ذلك إلى أن معدن البايوتيت، لا يتجوى بمعدل أعلى من المعادن الأخرى فقط، بل قد يتحور إلى معادن طين، تشغل حجماً أكبر من المعدن الأصلي؛ ما يؤدي نقاط ضغط عديدة، في داخل الصخر، تسهم في تفتته، على شكل حبيبات منفرطة. ويبدو هذا التأثير لمعدن البايوتيت واضحاً، بمقارنة نطاق التجوية في الصخور الجرانيتية، وصخور الجابرو؛ ففي الأولى، يمتد نطاق التجوية إلى سمك، قد يتعدى عدة أمتار، تعرف باسم السابرولايت Saprolite، والذي يكون فيه معدن البايوتيت قد تجوى، وبلورات المعادن الأخرى، مثل المرو والفلسبار، قد انفرط بعضها عن بعض. أما في صخور الجابرو، فإن التجوية تتقدم في الصخر ببطء، حبيبة فحبيبة؛ ما يجعل نطاق التجوية فيها مليمتراً واحداً، أو أقلّ.

          أما الحجر الجيري، المكون، أساساً، من معدن الكالسايت CaCO3، فيتجوى بسرعة، في الأقاليم الرطبة المعتدلة، حيث تنشط عملية التجوية بالكربنة، لتوفر الرطوبة، والتركز العالي لثاني أكسيد الكربون في التربة، الناجم عن توافر المواد العضوية على السطح، وانخفاض درجة الحرارة، التي تزيد من قابليته للذوبان في المحلول المائي، ثم ذوبان معدن الكالسايت، كما في المعادلات الكيماوية التالية:

          لذا، تكون مناطق الصخور الجيرية، في المناطق المعتدلة الرطبة، أحواضاً منخفضة عن المناطق المجاورة لها، المكونة من صخور أكثر مقاومة للتجوية.

          أما في الأقاليم الجافة، فإن الحجر الجيري، يكون شديد المقاومة للتجوية؛ لذا، فهو يُكوّن الطبقات العلوية، في العديد من الجالات Questas، التي تتكون في المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية، بسبب التفاوت في سرعة تجوية الطبقات الصخرية (.

ج-

تأثير المادة الأصل في تكوّن معادن الطين

          تتحكم المادة الأصل، سواء كانت معدناً أم صخراً، في نوعية معادن الطين؛ لأن التجوية الكيماوية، هي التي تطلق مكونات تلك المادة، على شكل أيونات، في المحلول المائي؛ لتتكون منها المعادن الثانوية، مثل معادن الطين. لذلك، فإن نوعية الأيونات وتركزها، ونسبة السليكا إلى الألمنيوم في المادة الأصل ـ لها أهمية كبيرة في تحديد نوعية معادن الطين في التربة؛ إذ الصخور والمعادن، المختلفة التركيب الكيماوي، عندما تتجوى، في بيئة واحدة، تنتج معادن طين مختلفة. وهو ما استنتجه، مثلاً، بارنهيسل وريتش Barnhisel, R. and C. Rich، عندما أخذا عينات من صخور مختلفة، في قطاع تجوية واحد، أن الصخور الفقيرة في القواعد، (Fe-Mg) مثل: الجرانيت Granite، والنيس  Genisse، يسود معدن الكالينيت Kaolinite في نواتجها؛ بينما تسود معادن السمكتايت  Smectites في نواتج الصخور القاعدية، مثل الجابرو Gabbro.

          ويمكن ملاحظة تغاير أنواع الطين، في مستوى أنواع المعادن الأولية. ففي جزر هاواي، وجد بيتز Bates، أن معدن البلاجوكلاس، ينتج معدن الهولويسايت Halloysite؛ بينما معدن الأوليفين Olivine المجاور، يتحول إلى معدن المونتموريلونيت Montmorillonite. أما تاردي، وآخرون فقد لاحظوا أن نواتج التجوية من معادن الطين، للمعدن الأولي، تتغير بتغير المناخ . وبشكل عام، يمكن القول، إن تأثير المعدن الأولي في نوعية معدن الطين، سيكون واضحاً بشكل كبير في الترب، التي يكون فيها معدل الغسل منخفضاً، لكن هذا التأثير يتلاشى، مع ازدياد ذلك المعدل.

د-

تأثير قوام المادة الأصل، من الرواسب غير المتماسكة

          يتبين تأثير قوام المادة الأصل في تكوّن التربة، عندما تُقارن ترب متشابهة في عوامل التكون، عدا قوام المادة الأصل، لأن القوام يتحكم في عمق الغسل في التربة؛ ما يؤثر في العديد من خواصّها. فمعدل الغسل، عند تساقط محدد يكون في الترب خشنة القوام (الحصباء)، أعلى منه في تلك الناعمة القوام، كالترب الطينية ـ الومية. كما أن الترب ناعمة القوام، تكون أكثر احتفاظاً بالرطوبة؛ ومساحة أسطح المعادن فيها، المعرضة للتجوية، أكبر من تلك الموجودة في الترب خشنة القوام. لذلك، تكون الترب ناعمة القوام أسرع تجوية، وأسرع في تراكم معادن الطين.

          أما بالنسبة إلى تراكم كربونات الكالسيوم CaCO3، والجبس CaSO4 . 2H2O، والهاليت NaCl، فإنه يكون قريباً من سطح التربة، في الترب ناعمة القوام، في الأقاليم الصحراوية وشبه الصحراوية، ويزداد العمق من سطح التربة، إلى الآفاق التي تتراكم فيها هذه الأملاح، كلما كان قوام التربة أكثر خشونة (الشكل الرقم 147).

هـ-

نموذج من تحكم المادة الأصل في تكوّن التربة

          لقد وجد كلين، أن الترب المشتقة من الصخور المتبلورة الرملية، قد تعرضت لعملية البدزلةPodzolized، في ولاية نيويورك، في شرقي الولايات المتحدة، بينما إلى جوار هذه الترب، توجد أخرى مشتقة من مواد كربونية، لا تبدو عليها آثار البدزلة؛ بسبب المحتوى العالي من القواعد، التي تبقي الرقم الهيدروجيني pH للتربة عالياً؛ ما يعوق إزالة الحديد Fe والألمنيوم Al، سواء بالوسائل العضوية Chelation أو غير العضوية.

3-

الطبوغرافيا

          تتحكم الطبوغرافيا في توزيع الترب، وذلك راجع إلى الاختلاف الموضعي في المناخ Microclimate، وعمليات التكوين Pedogenesis، والعمليات الجيولوجية السطحية، مثل التعرية والرسوب. ومن الصعب عزل تأثير كلِّ عملية عمّا عداها. إن خصائص التربة، تتغير أفقياً، مع التغير الطبوغرافي، لأسباب عدة، من أهمها اتجاه الانحدار، الذي تتكون فيه التربة؛ إذ إنه يؤثر كثيراً في المناخ الموضعي، المؤثر في عمليات تكوّنها. وكذلك شدة الانحدار، التي تتحكم في معدلات الجريان السطحي والتعرية. أما في المناطق المتموجة، فإن خصائص التربة، تتغير، من مكان إلى آخر؛ لأن المناطق المنخفضة، تكون معرضة لتجمع المياه والرواسب، من المناطق المجاورة لها؛ فضلاً عن تعرّضها لارتفاع المياه الجوفية، التي تؤثر تأثيراً كبيراً في عمليات تكوّن التربة.

أ-

تأثير اتجاه المنحدر

          ينجم عن تغير اتجاه الانحدار تغيرات في المناخ الموضعي أو المحلي Microclimate، والغطاء النباتي؛ ما ينعكس على خصائص التربة وعمليات تكوّنها. ولعل دراسة فيني، وآخرين Finney، في جنوب شرق ولاية أوهايو، في الولايات المتحدة الأمريكية ـ هي من أفضل الأمثلة على تأثير اتجاه الانحدار في خصائص التربة. فقد درس فيني عدة أودية، تتجه من الشمال الغربي إلى الجنوب الشرقي، وتتشابه موادها الأصلية، المشتقة من صخور رملية. ولكن مناخاتها المحلية، تتغير تغيراً ملحوظاً، مع اتجاه الانحدار؛ إذ تكون درجة الحرارة، ومداها الحراري السنوي في المنحدرات المواجهة للجنوب الغربي، أعلى منهما في المنحدرات المواجهة للشمال الشرقي. ولكن المنحدرات الأخيرة، تكون أكثر رطوبة من الأولى. ويسفر التغير في درجة الحرارة ورطوبة التربة عن تغير في الغطاء النباتي؛ إذ تسود أشجار البلوط Oak في المنحدرات المواجهة للجنوب الغربي، بينما يسود نبات الرطوبة المعتدلة Mesophytic في المنحدرات المواجهة للشمال الشرقي. وهذا التغاير في المناخ المحلي والغطاء النباتي، أسفر عن اختلافات في التربة، على مستوى تحت الرتب Suborder؛ فيسود المنحدرات المواجهة للشمال الشرقي، التي يزيد انحدارها على 40%، ترب من نوع Ochrepts، المحتوي على أفق A سميك؛ ويطغى نوع Udalfs سميك الأفق A، حيث يقلّ الانحدار عن 40%. أما المنحدرات المواجهة للجنوب الغربي، فتسود فيها تربة من نوع Udalfs، التي يكون الأفق A  فيها رقيقاً.

          ويؤثر اتجاه المنحدر كثيراً في توزيع المادة العضوية في التربة وعمقها، ووجود وجود الأفقE  أو عدمه، وحموضة التربة pH، ونسبة القواعد المتبادلة فيها. وترجع الاختلافات في توزيع المادة العضوية، إلى الرطوبة الأعلى، والغطاء النباتي الأكثف، في المنحدرات المواجهة للشمال الشرقي؛ وإلى سرعة تحلل المواد العضوية، في المنحدرات المواجهة للجنوب الغربي؛ بسبب ارتفاع درجة الحرارة؛ إضافة إلى انجرافها مع الجريان السطحي، في المنحدرات الأخيرة. ويغلب وجود الأفق E في ترب المنحدرات المواجهة للجنوب الغربي، لسبب غير معروف. أما أنماط التشبع بالقواعد Base Saturation، والرقم الهيدروجيني pH، فهي موازية للعمق؛ وترجع إلى الاختلاف في الغطاء النباتي.

ب-

تأثير شدة الانحدار، وموقعه في المنحدر Catena

          لقد أكد العديد من الدراسات، أن الكثير من خصائص التربة، تتأثر تأثراً كبيراً بشدة الانحدار، وموقعه في المنحدر. وعادة، تعطى أجزاء المنحدر أسماء مختلفة، في مثل هذه الدراسات، هي، من الأعلى إلى الأسفل: القمة المستوية، ثم الكتف، أو الجزء المحدب Convex، ثم المنحدر المتراجع Backslope، ثم الجزء المقعر Concave، في أسفل المنحدر، والذي يقسم، بدوره، إلى قسمَين، هما: قاعدة المنحدر Footslope، في الأعلى؛ والطرف الأمامي للمنحدر Toeslope، في الأسفل (الشكل الرقم 148).

          ومن أهم خصائص التربة، التي تتأثر بموقعها في المنحدر، احتواؤها على معادن الطين؛ عالية المحتوى من السليكا، في الترب الواقعة في أسفل المنحدر. كما أن معادن الطين، التي تتكون في أسفل منحدر، في إقليم مناخي معين، قد تكون هي السائدة في الترب الواقعة في أعلى منحدر، في إقليم مناخي آخر (الشكل الرقم 149).

4-

الزمن

          يعتمد مقدار التجوية ونوعيتها ومدى تأثيرها على طول المدة الزمنية، التي انتابت فيها المعادن في التربة. وبشكل عام، يختلف طول المدة المطلوبة لتكوين بعض الخصائص في التربة؛ إذ نجد أن الخصائص المرتبطة بتراكم المادة العضوية، تتطور سريعاً؛ بينما تجوية المعادن، خاصة شبه المستقرة منها، تحتاج إلى فترات زمنية طويلة.

أ-

تأثير الزمن في المادة العضوية

          يصل محتوى التربة، من المادة العضوية، إلى حالة من التوازن المستقر Steady State، في فترة، هي أقلّ مما يتطلبه تحقق أي من خواصّها الأخرى. وتراوح تلك الفترة بين مائتَي عام وعشرة آلاف عام.

ب-

تأثير الزمن في تطور الأفق الطيني Bt

          يتطلب تكوين الأفق الطيني Bt زمناً طويلاً؛ لأن العمليات المسؤولة عن تكوينه، مثل: تجوية المعادن الأولية، وتبلور معادن الطين من محلول التربة، ونقل بلورات معادن الطين من الآفاق العلوية إلى الأفق B ـ هي بطيئة جداً. ويختلف معدل تراكم الطين في الأفق B، من إقليم إلى آخر؛ فهو بطئ جداً في الأقاليم الصحراوية، وسريع، نسبياً، في الأقاليم المعتدلة الرطبة إلى درجة أن ترباً، يرجع عمرها إلى العصر الحديث Holocene، قد تطور فيها الأفق Bt إلى حدِّ كبير. لكن متوسط عمر التربة، اللازم لتطور أفق Bt، يراوح بين 40 ألف سنة، في المناطق المعتدلة، مثل ولاية بنسلفانيا Pennsylvania، في شرق الولايات المتحدة الأمريكية، وبين 140 ألف سنة، في المناطق شبه الصحراوية، مثل منطقة جبال الروكي Rocky mountains، في غرب الولايات المتحدة الأمريكية.

ج-

تراكم كربونات الكالسيوم، مع الزمن

          يتوقف معدل تراكم كربونات الكالسيوم CaCO3، في قطاع التربة، على عمليات التكون، ومعدل الغسل في التربة. وإذا كان الكالسيوم المطلوب، يستمد من تجوية المعادن الأولية، فإن معدل تراكم كربونات الكالسيوم، سيكون محكوماً بمعدل تجوية المعادن الأولية، المحتوية على الكالسيوم. أما إذا كانت كربونات الكالسيوم موجودة، أصلاً، في المادة الأم، فإن معدل تراكم كربونات الكالسيوم، سيكون محكوماً بمعدل نقلها، بالماء المتسرب في قطاع التربة. وعندما يكون مصدر كربونات الكالسيوم، هو الإضافة الهوائية، بالغبار المتساقط، والمطر المحتوي على أيونات الكالسيوم؛ فإن معدل التراكم في قطاع التربة، سيعتمد على تركيز أيونات الكالسيوم في المطر، ونسبة الكربونات في الغبار المتساقط؛ إضافة إلى كمية المطر، اللازم لإذابة كربونات الكالسيوم ونقلها في الأجزاء العليا من قطاع التربة. وتعد دراسات جايل Gile وآخرين، في منطقة لاس كروسز Las Cruces، في ولاية نيو مكسيكو New Mexico، في جنوب غرب الولايات المتحدة الأمريكية ـ نموذجاً لدراسات تراكم كربونات الكالسيوم في قطاع التربة، مع الزمن؛ إذ وضعوا تعريفاً لمرفولوجية الكربونات ومراحل تطورها، مع الزمن (الشكل الرقم 150).

د-

تغير نوع معادن الطين، مع الزمن

          تتغير نوعية معادن الطين في التربة، مع الزمن؛ لأن المعادن، التي كانت مستقرة Stable جيوكيماوياً فيها، في مرحلة من مراحل تطور هذه التربة، تصبح غير مستقرة، في فترة لاحقة لتغير بيئة التربة الداخلية، وكيماوية محلولها. ولو أن تجوية المعادن الأولية، مثلاً، كانت شديدة، في البداية، حتى إن الأيونات كانت مركزة في محلول التربة إلى درجة تشبعه ببعض معادن الطين، التي رسبت فيه؛ ثم استهلكت المعادن الأولية، بالتجوية، مع الزمن، حتى فُقِدت الأيونات، التي تكوّنها؛ ما يجعل كيماوية المحلول المائي، تتغير كثيراً؛ فإن معادن الطين، التي كانت قد رسبت سابقاً، تصبح غير مستقرة مع كيماوية محلول التربة الجديد. أما إذا كانت معادن الطين موجودة، أصلاً، في المادة الأصل، التي تكونت منها التربة، فإن بعضها قد يكون مستقراً، في بداية الأمر، بسبب تركيز الأيونات المكونة لها في محلول التربة؛ ثم تصبح غير مستقرة، مع تغير تركيبة ذلك المحلول؛ ما يجعلها غير مستقرة، فتتحول إلى أنواع أخرى من معادن الطين. ويستمر التتابع هذا، حتى يغسل أغلب الأيونات من قطاع التربة، مع الزمن، فيقتصر على أكاسيد الألمنيوم، مثل الجبسايت، في مراحل متقدمة من التطور (الشكل الرقم 151).

5-

النبات

          يصعب تمييز تأثير النبات في التربة؛ لأن كلاًّ منهما يتأثر كثيراً بالمناخ؛ إذ قد يكون التغير في خواص التربة، المعزي إلى التغير في الغطاء النباتي، راجعاً، في الحقيقة، إلى التغير في المناخ، العام أو المحلي. إلا أن هناك مثالاً لتأثير الغطاء النباتي في التربة، من أواسط القارة الأمريكية، دائماً يرد كمثال نموذجي، في العديد من الكتب المهتمة بعوامل تكوّن التربة. فعند مقارنة خواص التربة، في مناطق الغابات، ومناطق الحشائش، عند المنطقة الانتقالية من الغابات إلى الحشائش، في أواسط القارة الأمريكية، يتبين أن رتبة ترب الغابات المشبعة بالقواعد Alfisols، هي السائدة في الغابات النفضية deciduous forests، التي تسقط أوراقها موسمياً؛ ويكون تتابع آفاق التربة فيها C/B/E/A. أما الترب في منطقة الحشائش، فتكون من رتبة ترب حشائش السهول والبراري Mollisols؛ ويكون تتابع آفاق التربة فيها C/B/A. أما الترب في المنطقة الانتقالية، بين مناطق الغابات والحشائش، فتكون خصائصها متوسطة بين خصائص ترب الرتبتَين السابقتَين.

          وأهم خصائص التربة، المرتبطة بنوع الغطاء النباتي، هو التوزيع الرأسي للمادة العضوية في قطاع التربة. فعلى الرغم من أن الترب، في منطقة الغابات ومنطقة الحشائش، تحتوي على مادة عضوية كبيرة على السطح، إلا أن توزع هذه المادة، مع العمق، يختلف باختلاف الغطاء النباتي (الشكل الرقم 152). ففي ترب الغابات، يكون الأفق A رقيقاً، ويتناقص محتواه من المادة العضوية بسرعة، مع العمق. أما ترب منطقة الحشائش، فيكون الأفق A سميكاً، ويبقى محتواه من المادة العضوية كبيراً، مع العمق. وترجع هذه الاختلافات، جزئياً، إلى الطريقة التي تضاف بها المادة العضوية إلى التربة. فيكون تساقط الأوراق، هو الطريقة الرئيسية لإضافة المادة العضوية إلى التربة، في مناطق الغابات. بينما تكون إضافتها إليها في مناطق الحشائش، من خلال تساقط الأوراق، وتحلل الجذور على عمق من سطح التربة.

          وتميل نسبة التشبع بالقواعد لأن تكون أعلى، في ترب مناطق الحشائش، منها في ترب مناطق الغابات النفضية (الشكل الرقم 153). وقد يكون هذا الاختلاف ناتجاً من زيادة الغسل في المناطق الأخيرة، وكثرة إضافة المادة العضوية، وتدوير الأيونات، في ترب المناطق الأولى. وترجع زيادة الغسل في منطقة الغابات، مقارنة بمنطقة الحشائش، إلى انخفاض معدلات التبخر والنتح، وارتفاع حموضة محلول التربة، تحت مظلة الغابات.

          كما أن نسبة أكاسيد الحديد الحرة Fe2O3، في الأفق A، إلى تلك التي في الأفق B، تكون أقلّ في ترب الغابات النفضية، منها في ترب منطقة الحشائش. ويرجع هذا التفاوت إلى الاختلاف في القدرة الكلابية Chelation للمركبات العضوية، التي تكونت خلال التحلل، في هاتَين البيئتَين. أما الخاصية المورفولوجية الأخرى، التي يتجلى فيها تأثير نوع الغطاء النباتي، فهي التوزع الرأسي للطين، في قطاع التربة. إذ أن الآفاق السطحية لترب مناطق الحشائش، يكون محتواها من الطين أعلى منه في الآفاق المماثلة، في مناطق الغابات النفضية (الشكل الرقم 154)؛ ما يدل على أن ظروف نقل الطين إلى أسفل القطاع، هي أكثر توافداً في ترب الغابات النفضية، منها في ترب الحشائش.

الصفحة الرئيسية