التقدم التكنولوجي في مجال الزراعة

1. الزراعة بالميكرويف

في الإمكان أن تنمو الفراولة والخوخ، والعديد من نباتات الزينة، في بيوت محمية، تدفئها الموجات متناهية القصر Microwave. وبذلك، أصبح العالم أمام فتح جديد، يمكن أن يطبق تكنولوجيا جديدة لزراعة الصحارى، القاحلة. وقد حقق المخترع البريطاني، وليام جونسون William Johnson، الريادة في تقنية زراعية جديدة، يمكن أن تحدث ثورة في مجال زراعة المحاصيل والنباتات، في أيّ مكان في العالم. يسمى الابتكار أنظمة الزراعة المتقدمة، وعماده تغطية أسطح ألواح البلاستيك، التي تبنى بها الصوبة، بطبقات ناعمة من معادن مختلفة. وينجح هذا النظام عندما تكون درجة الحرارة عالية. وباستخدام تقنية الميكرويف، تسخن موجاته النباتات، من دون الجو المحيط بها، ومن دون أن تحرق النبات؛ وتحفزه على النمو. وسيكون التعامل مع هذه الصوبات مأموناً جداً.

2. الجينات والزراعة

    أ. ري القمح بماء البحر

نجح العلماء في ري القمح، بماء البحر وذلك بنقل جينات نبات الشيلم عالي البروتين إلى نبات القمح، فينتج محصول جديد، أُطلق عليه اسم قمحليم، قادر على النمو في الأراضي منخفضة الخصوبة، ويحتاج إلى قليل من الأسمدة، ويتحمل المياه مرتفعة الملوحة.

ب. زراعة جينية

يضطلع النبات بعملية التمثيل الضوئي، للحصول على غذائه، فيمتص النبات الماء من خلال جذوره، وثاني أكسيد الكربون والضوء من الجو، ليستخدم ذلك، بعد تفاعلات عديدة بالبلاستيدات الخضراء في الورقة، لإنتاج الغذاء. وقد أُجرى العديد من التجارب معملياً، لاستخدام هندسة الجينات في تحقيق التمثيل الضوئي المستمر؛ لأن ذلك يتيح للنبات تكوين كمّ أكبر من المواد الغذائية. وكذلك تكوين بلاستيدات خضراء في جينيوم الأجزاء غير الموجود بها، أو التطعيم للجينات المولدة للطاقة الكيماوية مباشرة، من دون الحاجة إلى الطاقة الضوئية. وقد حققت التجارب نسبة نجاح جيدة.

ج. إنتاج غذاء متكامل والتخصص الغذائي

بعد التقدم، الذي شهدته تقنية الجينات، اتجه فكر علماء التغذية والنبات، إلى استخدام تقنية الحمض النووي في إنتاج بعض الثمار المحتوية على كلّ أو أغلب العناصر الغذائية، بدلاً من ثمار تحتوى على نوع معين من السكريات والبروتينيات والفيتامينات مثلاً. كما اتجه العلماء في أبحاثهم على الأغذية الحيوانية، إلى التخصص الغذائي؛ فكل حيوان مخصص بإنتاج نوع معين من الغذاء، فثمة ما يختص ، مثلاً، بإنتاج اللحوم وآخر بإنتاج الألبان، وثالث بإنتاج الفراء؛ وذلك باستخدام الهندسة الوراثية، التي تستثير الهرمونات المنبهة للغدد الثديية لإفراز اللبن.

د. إنتاج مواد النكهة والرائحة والطعم

تستخدم تقنية الحمض النووي المطعم في إيلاج بعض الجينات، الخاصة بالنكهة والرائحة والطعم، سواء كانت طبيعية أو مستنسخة، في الحمض النووي الخاص بالعديد من الثمار والنباتات، لتعطى رائحة ما أو طعما ما مفضلَين. وكذلك في إدخال رائحة جديدة للزهرة، ما يساعد على التلقيح، وتعديل جينيوم الزهرة بجين مفرز للمواد ذات الرائحة، الجاذبة لنوع معين من الحشرات الناقلة لحبوب اللقاح.ويساعد ذلك على رفع نسبة التكوين الثمري، بما يوفر الغذاء.

هـ. التكوين الجينى والنمو

يمكن استخدام تقنية الحمض النووي في توجيه عمليات التكوين الجيني والنمو؛ لتنشيط عمليات الأخير، وتقصير فترة الأول؛ ما يؤدى إلى تسارع نمو النبات، وإنتاج الكثير من الحبوب والثمار ذات الحجم الكبير، وبمعدل نمو يقلّ عن نظيره الطبيعي.

و. التسميد الذاتي

تستضيف جذور بعض النباتات، كالبقوليات، بكتريا العقد الجذرية، التي تثبت النيتروجين الجوى، ليستفيد منه النبات، بصفته سماداً آزوتياً. وقد استطاع العلماء كشف التتابع الوراثي لبكتريا التأزت، ومن ثم صناعة الجينات الخاصة بهذه التتابعات، وتطعيمها في الحمض النووي للعديد من النباتات، التي تحتاج إلى سماد آزوتي. وهناك مشروع بين شركات التسميد في العالم وشركات الهندسة الوراثية، لإنتاج مخصبات ذاتية؛ إلا أن تطبيقها على مساحات شاسعة، ما زال متعثراً. ويأمل العلماء التغلب على المشاكل، التي تواجههم، لتلافي تصنيع المخصبات الكيماوية، والتلوث البيئي الناتج من إضافة تلك المخصبات إلى التربة.

ز. مكافحة الآفات

اكتشف علماء الهندسة الوراثية، أن بعض النباتات، تفرز أنسجتها مواد كيماوية قاتلة للآفات، أو منفرة، مطاردة لها. وهذه المواد تتكون تحت توجيه من جينات محددة بشفرة معينة، تجعل الأنسجة تنتجها. وفي مراحل تالية، اكتشف تلك الشفرات، واستنسخت، ولقح جينيوم نبات آخر بالجينات المستنسخة؛ وبحصول هذا النبات على الجين، أمكنه إفراز مواد قاتلة للآفات التي تعتريه.

3. استخدام الروبوت في الزراعة

بدأ، في أواسط الثمانينيات، اتجاه إلى استخدام الروبوت في الزراعة؛ للحفاظ على معدل نمو الإنتاج الزراعي؛ فسُخِّر في تمهيد التربة وتسميدها، والحرث، واجتثاث الحشائش، ورش المبيدات، ونثر الأسمدة، وجني الفواكه من الحدائق؛ وأعمال الحصاد الانتقائية، مثل: البطاطس والكرنب، والطماطم والخيار. ويتميز الروبوت بإمكانية تعرُّف الفواكه الناضجة من غيرها، ويستطيع جني الجذور المائية من تحت سطح الماء. وقد ابتُكر روبوت صديق للفلاح، يطهر الأرض، بالقضاء على الآفات

4. الزراعات المحمية والحاسب

يقصد بالزراعة المحمية للخضراوات إنتاجها في منشآت خاصة، تسمى الصوبات أو البيوت المحمية، تقيها الظروف الجوية غير الملائمة؛ وبذلك يمكن إنتاجها في غير مواسمها. وتتوافر للخضراوات داخل هذه البيوت الظروف البيئية الملائمة، مثل: درجة الحرارة، وشدة الإضاءة. ويُتَحَكَّم في جميع العوامل البيئية، وتعديلها بما يلائم نمو النبات؛ باستخدام الحاسب الآلي، الذي يعدل درجات الحرارة، تلقائياً، للاستفادة القصوى من ضوء الشمس؛ ويضبط نسبة غاز ثاني أكسيد الكربون، ويركز العناصر في السماد، وينظم حقنه في مياه الري، ويرصد الأحوال الجوية، خارج البيت.

يمكن التحكم في أجهزة الحاسب من مكان للتحكم المركزي. ويعطي الحاسب إنذاراً، على صورة رنين في الموقع، أو عن طريق الهاتف، على أرقام، تحدد لهذا الغرض. وتتاح إدارة كثير من البيوت المحمية، بهذا الأسلوب؛ ما يقلل عدد العاملين، ويزيد نسبة الأمان، مع عدم الحاجة إلى رقابة دائمة، طوال الوقت. ويستعان بالحواسب على تحديد البرامج الخاصة بمختلف العمليات الزراعية، التي توافق شتى الظروف البيئية؛ وعلى تعرُّف مسببات الظواهر غير العادية كافة، ووسائل علاجها، وطريقة التغلب عليها. 

5. مستقبل الزراعة

    أ. الزراعة فوق سطح الماء

هناك نباتات تنمو فوق سطح الماء العذب، وأخرى فوق سطح مالحة. وثمة دراسات مستفيضة، للصنفين كلَيهما، مكنت العلماء من الوقوف على خصائصهما، وما يحتويانه من مواد غذائية مفيدة أو سموم ضارة. فالنبات، إذاً، يمكنه أن ينمو خارج التربة، ومن دون دفن بذوره فيها؛ وكلّ ما يطلبه توافر العناصر الغذائية، التي يستطيع امتصاصها.

سوف يمعن إنسان المستقبل في تصنيف النباتات: النهرية والبحرية؛ بل سينقل بعضها من منطقة إلى أخرى. ولا شك أن تقنيات جديدة عظيمة، سيبتكرها، فتسهل عليه زراعة سطح الماء، وجني ما زرع؛ وذلك باختيار منطقة معينة، في الطور الأول من هذا النوع الجديد من الزراعة، وإلقاء شباك عليها، معلقة بالإسفنج، تكون حدوداً للسطح المستزرع. وسوف تساعد تلك الشباك على جني المحصول.

سوف يتطلب ذلك، اختراع تقنيات، قد تستبدل بالتربة صوفاً عائماً، يفرش على سطح الماء، وتلقى عليه البذور، التي تخترق جذورها سطحه. وسوف تكون هناك وسائل لجني المحاصيل، لا يمكن تحديدها الآن. وإن الكثير من النباتات، التي تزرع، الآن، في التربة، ستستجيب لهذا النوع من الزراعة، الذي يتوقع له انتشار واسع في المستقبل. وسيستتبع وجود فئة جديدة من المزارعين البحريين، الذين سيدربون على فنون الزراعة، فوق سطح الماء؛ فضلاً عن نشوء  فنون وعلوم كثيرة، خاصة بالتقنيات الزراعية الجديدة.

سيُمسح سطح الماء، وتنشأ ملكيات جديدة، يستخدم مزارعوها القوارب في البذور والحصاد والتسميد وسائر أنشطة الفِلاحة. وإذا ما ثبتت أهمية هذا المجال الزراعي الجديد، فإن الدول الكبرى، سوف تتسابق إلى احتلال أكبر رقعة من سطح الماء الصالح للزراعة؛ كما أن مختلف الدول، ستحاول الحفاظ على مياهها دون عوامل التلوث، وبخاصة النفط، الذي يحول دون الزراعة فوق سطح الماء.

وستوفر الزراعة فوق سطح الماء مرتفعاً للأسماك، ناهيك عن أن مزارعي المستقبل، سيوفرون لها ما يسهم في تكاثرها وازدهار حياتها ونموها بسرعة. ومن المتوقع نشوء صناعات زراعية، إلى جوار الشواطئ، التي ستُزرع مساحات من أسطح المياه المطلة عليها بالفواكه والخضراوات، مثل صناعات تعليب الثمار. ولسوف يُنتفع بصناعة البلاستيك في تشييد مزارع فوق الماء، يمكن أن تتحمل ثقل الأشجار ومحاصيل النباتات الحولية، كالبطيخ والشمام ونحوهما.

إن المستقبل البعيد، سوف يشهد قرى ومدناً عائمة فوق سطح مياه البحار والمحيطات، وقد أحاطت بها المزارع المائية، المجهزة بأحدث التقنيات، التي تسمح بالزراعة المنتظمة فوق سطح الماء؛ والإفادة من المحاصيل الزراعية، التي ستجنى بوسائل مستحدثة ومبتكرة. ولسوف تكون القرى والمدن البحرية الجديدة مثبتة بدعائم خرسانية، ويكون سكانها متمتعين بجميع وسائل الراحة، وقد توافر لهم الغذاء، واتسعت قراهم أو مدنهم لتربية الطيور والحيوانات؛ بل تكون القرية أو المدينة متمتعة بوسائل مواصلات مختلفة، داخلية وخارجية، وفيها مطار وميناء، تتوافر فيها المصانع والأجهزة المختلفة، وكلّ ما يحتاج إليه سكانها، من وسائل الرفاهية والحياة.

ب. زراعة قاع النهر والبحر

زراعة قيعان الأنهار والمحيطات من الممكنات الصعبة، التي سوف يتسنى لإنسان المستقبل الاضطلاع بها، والاستفادة منها. ولسوف يكون غزوها بالزراعة فتحاً جديداً لا تقلّ أهميته عن غزو الإنسان للأرض بالزراعة. وكلّ نبات يوجد بشكل طبيعي في القاع، يمكن زراعته، عن قصد وإرادة؛ شأنه شأن النباتات والأشجار، التي كانت موجودة بشكل فطري وطبيعي في الغابات؛ ثم تمكن الإنسان البدائي من زراعتها، عن قصد، في الأرض. ولا شك أن النباتات، التي تنمو بشكل طبيعي في قيعان البحار والأنهار، يمكن دراستها ومسحها، ثم التخطيط لزراعتها ورعايتها، والإفادة من إنتاجها.

إن إنسان، المستقبل سوف يحدد أنواع الزراعة المحتاجة إلى ماء كثير، فيزرعها في قيعان الأنهار، مثل: الأرز والبطيخ والشمام، وغير ذلك من فواكه أو خضراوات، مراعيا ملائمة زراعته لقيان البحار والمحيطات. ويُزرع قاع البحر، باستخدام أجهزة توجيه إلكترونية، من محطات على الشواطئ؛ إذ يمكن تسيير الآلات من بُعد، ومراقبة العمل كلّه من طريق المشاهدة، بواسطة شاشات مراقبة أو شاشات تليفزيونية. فعمليات الحرث والبذر والتقليم وتقليب التربة والحصد، تُنجز، من دون أن ينزل المزارعون إلى القاع. هكذا، سيستعين إنسان المستقبل بالروبوت على العمل في قيعان الأنهار والبحار والمحيطات وفي البر، بالأوامر أو وضع البرامج للزراعات المرغوب فيها.

وقد يروق إنسان المستقبل، أن يعيش في قرى محكمة الإغلاق راسية في قاع نهر أو بحر أو محيط. وهي لا تنعزل عن العالم؛ تصلها به وسائل الاتصال والمواصلات، مثل مركبات برمائية، مغلقة، تقل سكانها إلى البر ومنه.

ولن يَعْيَى الإنسان بالصحراء، بل سيرويها بالمطر الصناعي، الذي سوف يحيلها إلى أراض خضراء، تزخر بشتى صنوف الزراعات؛ فضلاً عن حفره الآبار العميقة فيها، واستخراجه مياهها الجوفية. وسيتأتى للمهندسين إنشاء خزانات ضخمة، لتخزين ما تنقله الطائرات العمودية من محطات تنقية المياه المستمدة من الأنهار، أو محطات تحليتها، على شواطئ البحار والمحيطات. وستفرغ الطائرات، وهي محلقة في الهواء، حمولتها من المياه العذبة، بواسطة أنابيب مطاطية؛ ولا تلبث أن تتوزعها الأراضي الصحراوية المستزرعة، والقرى، المتحلقة بيوتها، حول تلك الخزانات. وهكذا، تتحول الصحراء إلى أماكن استيطان عامرة.

سيتحكم الإنسان في توجيه الرياح، وذلك بإحداث منخفضات جوية، صناعية، تجتذب السحب المحملة بالبخار، لتندفع إلى الصحراء، فتبدلها أماكن خصبة، معمورة.

    ج. استخدام جبال الثلج في الزراعة

لئن اتسم القرن الماضي بالصرع على آبار النفط، فإن القرن الحالي يتسم بالصراع على الماء. ولعل أوفر مصدر للمياه العذبة، في المستقبل، سيكون جبال الثلج؛ ما حفز إلى التفكير في سحبها من المناطق القطبية إلى تلك المعتدلة. تبلغ جبال الثلج ارتفاعاً شاهقاً، وحجماً مهولاً، حتى إن بعضها يقارب حجم مدينة صغيرة. وقد قدر علماء علم المحيطات في جامعة كاليفورنيا، في بالولايات المتحدة الأمريكية، أنه عند سحب خمسة عشر كيلومتراً من ثلج القطب الشمالي إلى كاليفورنيا، يمكن إمداد مدينة لوس أنجلوس بالماء العذب، مدة شهر.

وما إن يستقر الثلج بشاطئ ضحل؛ ويبقى طافيا فوق سطح، لأن الماء العذب أقلّ كثافة  من نظيره المالح؛ فإنه يحاط بخزان عائم، تضخ المياه في أنابيبه إلى المدينة.

 

الصفحة الرئيسة