التذكر

      التذكر هو استرجاع ما سبقت معرفته. والإنسان يتذكر أشياء شتى؛ فقد يتذكر كلمة يستخدمها في التعبير عن نفسه، أو معرفة، أو صورة، أو حالة نفسية، أو رغبة، أو إحساس، أو عاطفة. والاسترجاع ضروري في مواجهة المشاكل، حيث يحتاج المتعلم إلى الاستعانة بذخيرة تجاربه بطريقة شعورية واضحة.

      ولا يحدث التذكر، في معظم الأحوال، إلا إذا وجد مؤثر يستثيره. ولهذا السبب يعرف العلماء التذكر على أنه "استجابة مكتسبة لمؤثر سابق لها". والمؤثرات التي تثير التذكر كثيرة، ويمكن تقسيمها إلى:

أ )

المعنى الإجمالي: وهذا يحدث كثيراً في الامتحانات، حينما يطلب الممتحن توضيح حقيقة من الحقائق، أو تفصيل موضوع بعينه.

ب )

الألفاظ والأسماء: وهذا يحدث في كل لحظة من لحظات الحياة. فإذا سمع شخص اسم شخص آخر، أخيه مثلاً، فإنه سرعان ما يتمثل له شكل أخيه، وهيئته، ورائحته، وطريقة كلامه. بل، يسترجع المتذكر، أحيانا، كل ما يتعلق بأخيه؛ مثل أصدقائه، وأحب الأماكن التي يتردد عليها، وهكذا.

      وكذلك يكفي أن نسمع اسم دولة، حتى نتخيل موقعها الجغرافي، ومن هو حاكمها، والأماكن الهامة بها، وأسماء مدنها... الخ.

ج )

المعنى الجزئي: من أكثر الصعوبات في التذكر هي اكتشاف الحلقة الأولى من سلسلة الحقائق التي يريد الشخص تذكرها. فمثلاً تذكر آية قرآنية، تمكن الحافظ من استدعاء هذا الجزء، بسهولة ويسر.

د )

تداعي المعاني: ليس من الضروري أن تستدعي لفظة ما ومعناها المباشر أو القريب، بل أحياناً ما تقوم باستدعاء معاني مقتضاة أو لازمة، أو تابعة للمعنى الأصلي. فمثلاً إذا سمع إنسان لفظة "رمضان"، فليس من الضروري أن يستدعي المعنى المقابل مباشرة لهذه اللفظة، وهو الشهر الهجري الذي يلي شعبان، وفيه فرض على المسلمين صوم نهاره. بل ربما تشير اللفظة في الذهن معاني أخرى لازمة، وتنشأ غالباً نتيجة لخبرة ذاتية خاصة؛ مثل: تذكر مشقة الصوم وفرحة الإفطار، ومتعة صلاة التراويح، واستدعاء أكلات معينة، ونحو ذلك.

هـ )

الارتباط الزماني والمكاني: يعد الارتباط الزمني أو المكاني مؤثراً طبيعياً قوياً في كثير من حالات التذكر. ويعتمد رجال التحقيق الجنائي، على هذه القرينة، في تذكير الشهود بواقعة من الوقائع، بعد انقضاء زمن عليها، فيصطحبونهم إلى مكان الحادث، في نفس وقت وقوعه، وتعرض عليهم الأدوات المرتبطة بالجريمة، فيساعدهم ذلك على استرجاع حوادثها على نحو دقيق.       ويكفي أن يذهب الإنسان لزيارة قبر شخص عزيز عليه، فتتدافع الذكريات، ويتذكر الإنسان هذا الشخص، وكثيراً من أحواله.

و )

مجموعة من المؤثرات: ليس من الضروري أن يكون هناك مؤثر يدفعنا لتذكر واقعة بعينها، بل إن التفكير وحده، فيما سبق حفظه كافٍ في بعض الأحيان، للتذكر. فمثلاً، يكفي أن نفكر فيمن قابلناه في الصباح، لنتذكر اسمه. ويكفي كذلك أن نتذكر تاريخ اليوم بالتفكير فيه.

      وقد تكون هناك مجموعة من المؤثرات تدفعنا لتذكر واقعة بعينها. فمثلاً، إذا قدم شخص لشخص صديقاً للمرة الأولى. فإن اسم هذا الغريب سوف يرتبط بجملة روابط مختلفة، منها: شخص ذلك الصديق، ومكان التعارف، وصورة الشخص نفسه، وزيه، وأسلوبه في الكلام، وموضوع الحديث الذي دار حينذاك. وكل رابطة من هذه الروابط تصلح لأن تكون مؤثراً، لتذكر واقعة مقابلة الصديق.

      وتوجد فترة بين التعرض للمؤثر واستدعاء الذاكرة، يطلق على هذه الفترة "وقت التذكر" (Recall Time) وقد وجد أن هذه الفترة تختلف بحسب صعوبة وسهولة موضوع التذكر. وقد وجد أن أقصر مدة للتذكر هي نصف ثانية، وقد تطول إلى ما لا نهاية عندما يُطْبِق النسيان على الذاكرة.

      كما تختلف سرعة التذكر باختلاف الفترة التي تمضي على الاستذكار، فمثلاً سرعة التذكر بعد التعلم مباشرة تكون 1.5 ثانية، ولكن هذه الفترة تطول إلى 2.4 ثانية بعد يوم من التعلم، وإلي 3 ثوانٍ بعد أسبوع من التعلم.

      وإذا ما قورن بين الاستذكار المتقنة، التي مرت عليها فترة طويلة، وبين الاستذكار قريبة العهد، فسيلاحظ أن نسبة الإجابة الصحيحة للاستذكار القديمة المتقنة، أعلى منها في الحالة الثانية، في حين يكون وقت التذكر في حالة الاستذكار قريبة العهد، أقل منها في حالة الاستذكار القديمة.

      ولسرعة التذكر أهمية كبيرة في كثير من نواحي الحياة الاجتماعية، كما في المحادثة أو المناقشة والجدال، وفي المناظرات الأدبية. فالتفقه في مادة من المواد لا يكفي وحده، لإثبات مقدرة صاحبها إذا كان بطيء التذكر، وهو في معرض جدال كلامي، لهذا كان من النادر أن يبرع الباحث الأكاديمي في الخطابة، التي تحتاج إلى سرعة بديهة. وهو، وإن كان يمتلك سرعة بديهة عالية، فإن طبيعة عمله تستلزم منه التمحيص والتأني في استرجاع معلوماته السابقة.

      وقد حدد العلماء عدداً من العوامل، التي تحول بين الشخص وتذكره حقيقة معينة، أطلق عليها "عوائق التذكر"، وهي أنواع، أهمها:

أ )

الحالة الانفعالية: الانفعال حالة اضطرابية خاصة، تؤثر في وظائف الشخص الجسمية، كما تؤثر في تفكيره. فتحت تأثير انفعال خاص، كالغضب، أو الخوف يعجز الشخص عن تذكر كثير من الحقائق، حتى أبسط الأسماء وأعمها استعمالاً. وقد وجد أن الحيرة، والارتباك، والقلق الذي يساور الطالب، أثناء الامتحان، يفقده كثيراً من معرفته السابقة.

ب )

الشعور الذاتي: يكون إحساس الفرد المفرط بشخصه ووجوده، أحياناً، عائقاً له عن التذكر، ويحدث هذا عادة إذا وجد في وسطه، من يحسب له حسابه. لذا كان الخطباء ذوو الحيثية الكبيرة عرضة لنسيان مادتهم، أو التلعثم في النطق، وهذا بدوره يصبح عاملاً جديداً في فقدان الثقة بأنفسهم، الأمر الذي يزيد في اضطرابهم وتخبطهم.

ج )

تشتيت الانتباه: إذا لم يكن انتباه الشخص مركزاً في الموضوع. الذي يريد تذكره، فإن  هذا يصبح عائقاً عن التذكر الصحيح. وتفسير ذلك أن المؤثر لا يعمل في كامل قوته. ويظهر ذلك جلياً في التردد، أثناء النطق والكتابة، لأن التشتت في اتجاهات متعددة يعمل على اجتذاب المؤثر الضعيف، فيتعذر على الشخص استرجاع المعلومة، إلا إذا بذل مجهوداً خاصاً لحصر انتباهه.

ولتيسير عملية التذكر، لخص العلماء بعض الإرشادات، منها:

(أ)

يجب أن يعطي الشخص للمؤثر فرصة كافية، لكي يستثير جميع الاحتمالات المرتبطة به. ولذلك ينبغي على المرء أن يعطي نفسه بعض لحظات للتدبر، واسترجاع المعلومات المطلوبة.

(ب)

تأكيد الثقة بالنفس، فلا يدع الخطيب مثلاً الفرصة لغيره لنقد رأيه، أثناء الكلام، ما لم يكن قادراً على رد الحجة بالحجة.

(ج)

القضاء على كل انفعال نفسي، كالغضب، أو القلق، أو الخوف، أو اليأس، أو الفتور.

(د)

محاولة تذكر الظرف الزماني أو المكاني، الذي جرت فيه الحادثة، المراد تذكرها.

(ه)

ترك الموضوع جانباً بعض الوقت، و الرجوع إليه من جديد، لقتل الملل، وقطع الرتابة.

التمييز (الدقة في التذكر)

      قد يتذكر الشخص حقيقة من الحقائق، ثم يكتشف فيما بعد، (أو يكتشف المصحح)، أن ما ذكره لا يطابق الواقع، وإن كان يشبهه، كما يحدث ذلك إذا أجاب طالب خطأ على سؤال تاريخي. فإذا سئل عن تاريخ الحملة الفرنسية على مصر وأجاب بـ 1897، بدلاً من 1798، فذلك دليل على أن الخطأ يرجع إلى عدم استكمال الذاكرة، فالطالب قد تذكر الأرقام المفردة بنجاح، لكنه في ترتيب الأرقام ترتيباً صحيحاً. ففي عملية التمييز يفرق الشخص بين الحقائق المتقاربة والمتشابهة.

      وعموماً، يُعَرِّف علماء النفس التمييز في الذاكرة، بأنه الشعور بأن ما استرجعه الشخص يكون جزءاً معيناً من تجاربه السابقة، التي يرغب في تذكرها فعلاً. ومثال ذلك، ما يحدث للطالب في امتحان، كأن يسأل عن اسم حاكم المملكة العربية السعودية، الذي جاء بعد الملك عبد العزيز، فقد يسترجع الطالب اسم الملك سعود، وقد يسترجع اسم الملك فيصل، لشدة الصلة بين الاثنين، ولأن كليهما من أبناء الملك عبد العزيز، الذين تولوا الأمر من بعده.

      فباسترجاع هذين الاسمين، يكون التذكر قد استوفى أصوله، أما عملية الذاكرة، فلم تصل بعد إلى مرحلتها النهائية، وهي الاسترجاع المعين المميز، وهذا لا يكون إلا إذا أرجعنا الحقيقة المذكورة إلى تاريخ زمني معين. فإذا تمعن الطالب في السؤال السابق، فسيجد أن المطلوب هو من تولى أمر المملكة في الفترة التي أعقبت وفاة الملك عبد العزيز مباشرة، فإذا تم ذلك، بأن ذكر الطالب بأن الحاكم المقصود، هو جلالة الملك سعود بن عبد العزيز، استكملت الذاكرة أصولها.

      والمثال التالي يقرب معنى التمييز في الذاكرة. مثلاً، إذا كان هناك، شخص مرت عليه عبارة "مقاتل من الصحراء"، وكان قد تصفح الكتاب الذي يحمل هذا الاسم، فسيقوم أولاً بربط العبارة باسم الكتاب الذي رآه معروضاً على رف مكتبة من المكتبات، ثم يذكر اسم مؤلفه، وشكله المدونين على غلافه، ثم يذكر بعد ذلك موضوعه لأنه قلبه سريعاً. فيقول الشخص عند ذاك "إن مقاتل من الصحراء" هو كتاب ألفه الأمير خالد بن سلطان، وأن الموضوع الرئيسي لهذا الكتاب هو حرب الخليج. فإذا تم ذلك تكون عملية الذاكرة قد استوفت خطوة التمييز.

      ومن هذا عَرَّف بعض علماء النفس الذاكرة على أنها "قبول حقيقة سابقة على أنها صحيحة ومعروفة، وذلك بإرجاعها إلى التاريخ والمكان الذي اكتسبها الشخص فيه". والشخص الذي سئل عن ما يعرفه عن "مقاتل من الصحراء"، لا شك أنه دار، في خَلَده عديد من الإجابات، واستعرضها واحدة بعد الأخرى، معتقداً، في كل حالة، بأنها الإجابة الصحيحة المقصودة. فإذا اختبرها، واكتشف قصورها، رفضها، واختار غيرها، حتى وصل إلى ما يتحقق صحته. فالشعور بالثقة في الإجابة، هو حالة لازمة في عملية التمييز. لهذا يُعَرِّف بعض العلماء التمييز في الذاكرة بأنه "شعور الثقة الذي يشيع في النفس عند قبول حقيقة من الحقائق".

تقوية الذاكرة

      يطلق فن تقوية الذاكرة (Mnemonics) على الوسائل والطرائق المختلفة، التي نستخدمها لمعاونة العقل، على حفظ، وتذكر، المادة التي يصعب الإحاطة بها. فوسائل تقوية الذاكرة هي طرق اصطناعية، يستخدمها المتعلم قصداً، إذا رأى نفسه عاجزا عن تذكر ما سبق له تعلمه، كما يحدث في حفظ الكلمات الأجنبية، أو التواريخ، أو الأسماء الغريبة.

      وقد عني الإغريقيون بفن تقوية الذاكرة، فاستخدموا الصور، ووسائل الإيضاح، وسيلة لتقوية الذاكرة. وقد اشتهر منهم الشاعر سيمانيديس (Simanides) ، بذاكرته الخارقة، وبالطرق التي ابتكرها لتقوية الذاكرة.

      فقد روي عنه، أنه كان ذات يوم مدعواً في حفل كبير، وبينما كان الضيوف في لهوهم، تزلزل المكان وسقط سقف القاعة فوق رؤوسهم، حتى اختلطت أشلاؤهم بالأنقاض، وتعذر تمييزهم. إلا سيمانيديس تيسر له التعرف عليهم، لأنه تذكر مكان كل واحد منهم في القاعة، قبل الزلزال، والمعالم الثابتة الموجودة حوله، مثل وجود لوحة معلقة، أو آنية زهور.

      اعتمد سيمانيديس على فكرتين للتعرف على الأشياء؛ ربط الشيء المجهول بآخر معلوم، ثم ربط هذا الشيء بمكان معين.

      وفي الخطابة المرتجلة، ابتكر سيمانيديس طريقة الرموز. فمثلاً إذا أراد الخطيب التحدث عن موضوع اقتصادي، ينتقل بعده إلى موضوع سياسي، ثم يعقب على حدث قريب، وهو غرق إحدى سفن الأسطول مثلاً، ثم ينهي حديثه بنصيحة يريد توجيهها. فإن كل ما يحتاجه الخطيب هو تذكر قطعة نقود (رمزاً للموضوع الاقتصادي)، ثم تاج (رمزاً للموضوع السياسي) ثم سفينة (رمزاً للموضوع الملاحي)، ثم صورة منيرفا إحدى رموز الحكمة عند الإغريق. ومن الممكن أن يكَوِّن الخطيب، من ذلك، قصة صغيرة، مؤداها أن رجلاً قد وجد قطعة من النقود الذهبية الغالية السعر، فأحب أن يهديها إلى القيصر، ليضعها في تاجه، إلا أنه لم يستطع فعل ذلك؛ إذ كان مسافراً على سفينة، وبعد قليل تراءت له منيرفا، إحدى رموز الحكمة، التي نصحته أن يقلع عن ذلك، ويبحث عن صاحب قطعة النقود النادرة، وسيكون بالطبع أحد المسافرين على ظهر هذه السفينة.

      بهذه الطريقة البسيطة، يستطيع الخطيب، في رأي سيمانيديس، أن يعي جيداً الخطوط الرئيسية لخطابه. وبذلك يتغلب على خطر النسيان، أثناء الخطابة.

      وكان لظهور الإسلام أهمية خاصة، في عناية العرب بشأن الذاكرة، والحفظ. وتزخر الكتب العربية بالنصائح، في تقوية الذاكرة، على لسان العلماء والفقهاء، الذين كان لديهم مقدرة فائقة على الحفظ والتذكر.

      وقد ذكر الزرنوجي في رسالته "تعليم المتعلم طريق التعلم"، كثيراً من الأقوال المنقولة والمأثورة، حول موضوع الاستذكار والحفظ مثل:

      " ينبغي لطالب العلم أن يكرر سبق الأمس خمس مرات، وسبق اليوم الذي قبل الأمس أربع مرات، والسبق الذي قبله ثلاث مرات، والذي قبله اثنين، والذي قبله مرة واحدة، فهذا أدعى للحفظ". ينبغي أن لا يعتاد الطالب المخافتة في التكرار؛ لأن الدرس والتكرار ينبغي أن يكونا بقوة ونشاط، ولا يجهر جهراً، يجهد نفسه، كيلاً ينقطع عن التكرار، فخير الأمور أوسطها.

      وذكر في موضع آخر أن: "أقوى أسباب الحفظ الجد والمواظبة، وتقليل الغذاء، وصلاة الليل، وقراءة القرآن من أسباب الحفظ".

      وأكد الباحثون العرب على أهمية الرغبة والمثابرة في التحصيل بحسبانها من أقوى وسائل تقوية الذاكرة. فقد روي أن ابن عباس كان إذا حل من علم الحديث، يقول هاتوا ديوان الشعر. كما روي أن محمد بن الحسن كان لا ينام الليل، فكان يضع عنده الدفاتر، فكان إذا مل من نوع، ينظر في نوع آخر.

      وفي عام 1648 اخترع ألماني يدعى "منك" (Mennick) ، طريقة في تقوية الذاكرة، خصوصاً فيما يتعلق بحفظ التواريخ الهامة؛ إذ كان "منك" يحول الأعداد الموجودة في التاريخ إلى حروف، ثم يكون من هذه الحروف كلمات، قد تخلو من المعنى، ومن الكلمات جملاً. فمثلاً إذا رمزنا للأعداد في اللغة العربية بما يلي.

         ص          صفر

         و          واحد

         ن          اثنين

         ل          ثلاثة

         ع          أربعة

         خ          خمسة

         ست           ستة

         س          سبعة

         ثم          ثمانية

         ت          تسعة

      فإذا كانت هناك اتفاقية، تم التوصل إليها عام 1917، يتم بموجبها جلاء القوات على مرحلتين، الأولى عام 1937، والثانية عام 1950. فعملاً بطريقة "منك" ، ينبغي على الطالب حفظ:

      بموجب "سوتو" جلاء "سلتو" و"صختو". وقد لاقت هذه الطريقة إقبالاً شديداً، وانتشرت في كثير من البلاد الأوربية، وأدخلت عليها جملة من التحسينات لم تخرجها عن صورتها الأصلية.

      ومن الطرق التي شاعت في القرنين السابع عشر والثامن عشر الميلاديين، وادعى كل من جربوها فائدتها السحرية في تقوية الذاكرة، خصوصاً لدى الأطفال، هي الإكثار من التمارين التي تعود المتمرن على تكوين صورة في الذاكرة، مطابقة للصورة المرئية. فمثلاً، إذا رأى الطفل زهرة في آنية موضوعة على منضدة، ثم أغلق عينيه، وتخيل شكلها وحجمها. وعندما تصبح الصورة واضحة ومتمكنة في خيال الطفل، يسمح له بفتح عينيه مرة أخرى، ومقارنة الصورة بالأصل. ثم يقفل عينه ثانية، ويبدأ من حوله في سؤاله عن الصورة التي رآها ورسمها في ذاكرته، مثل: ما هو لون الزهرة؟ كم كان ارتفاع الماء في الآنية؟ ما هو لون الماء في الآنية؟ ماذا كان يوجد على يسار ويمين الآنية؟ ماذا كان خلف الآنية؟ ما لون المنضدة. ثم يسمح للطفل بفتح عينيه مرة أخرى وتوضيح الأخطاء التي وقع فيها، ثم يغلق عينه مرة أخرى وتعاد عليه الأسئلة مرة أخرى. وهكذا حتى يعي تفاصيل الصورة المطلوبة، وفي الجلسة الثانية، يطلب من الطفل رؤية منظر آخر، وهنا يعي الطفل أن عليه أن يلم بدقاق الأمور، حيث إنه سوف يسـأل فيها، عندئذ ستكون محاولة الطفل للتعلم والحفظ أقوى من سابقتها، وستكون عدد المرات التي يفتح ويغلق فيها عينيه على المشهد المرئي أقل. وبتكرار ذلك، يقول أصحاب هذه الطريقة، أن الطفل ستتولد لديه مقدرة فائقة على الملاحظة، والتذكر، واسترجاع المراد حفظه بسهولة ويسر.

      وفي القرن التاسع عشر، مرت دراسة الذاكرة وتحديد أنسب طرق الاستذكار بعديد من التجارب التي أثمر بعضها عن نتائج ومشاهدات ثابتة، في حين لم يسفر بعضها الآخر إلا عن تساؤلات زادت الغموض حول هذا الموضوع الحيوي.

      ومن أوائل العلماء الذين أثروا بتجاربهم في هذا الحقل، العالم الألماني كارل ابنجهاوس (Karl Ebbinghaus) الذي أجرى تجاربه في برلين بدءاً من عام 1880.

      واستخدم ابنجهاوس في دراسته ألفاظاً لا معنى لها (Nonsense Syllables) ، أو أرقاماً لا علاقة بينها. وقد توصل ابنجهاوس وزملاؤه إلى عديد من النتائج التي أضاءت الطريق إلى دراسة الذاكرة البشرية، وعلى ضوء نتائج ابنجهاوس، تم التوصل إلى قوانين، من شأنها تقوية الذاكرة مثل:

قانون التجميع (Law of Grouping)

        يقول هذا القانون إن المتعلم المتميز بذاكرة قوية، يحاول أن يعقد الصلة بين أجزاء ما يريد تعلمه، بأن يكون منها وحدات أكبر من الوحدات التي تتكون منها أصلاً. وهذا القانون واضح الأثر في حفظ الإعداد. فإذا افترضنا ما يريد المتعلم حفظه، هو السلسلة الآتية من الأرقام: 2، 0، 2، 4، 3، 1، 6، 8، 5، 2.

        فإن على المتعلم أن يكون من هذه الأرقام وحدات مجمعة، لتكون أسهل في تذكرها مثل:
52- 68- 431- 202.

        وما فعله المتعلم في تجربة ابنجهاوس، يحدث بشكل عملي، في حفظ الأعداد التي نستخدمها في حياتنا اليومية، مثل أرقام الهواتف أو المنازل.

التجميع اللفظي

        وهي محاولة من المتعلم لعمل لفظ أو كتل صوتية لتسهل تذكر مجموعة معانٍ غير واضحة.

        ومن الأمثلة المعروفة لقانون التجميع اللفظي، ما عمد إليه الطلاب في استذكار قواعد اللغة العربية؛ فمثلاً كلمة (أنيت) تتكون من حروف المضارعة، وكلمة (واي) تجمع حروف العلة الثلاثة في اللغة العربية، ومن أشهر هذه التجمعات الصوتية، العبارات التي تجمع الحروف المفخمة: خُصّ، ضِغْطٍ، قِظْ، أو الحروف المهموسة: فَحَثِّهُ شِخْصٌ سَكَت، أو الحروف الشديدة: أَجِدْ قَطِّ بَكَتْ... الخ.

        كما يحاول المتعلم ربط كل كلمتين سوياً بعد اكتشاف نوع من العلاقة بينهما. وإذا تعسر ذلك ابتكر علاقة صناعية، لتيسير هذا الربط. فمثلاً إذا أراد المتعلم حفظ مجموعة من أسماء المدن، مثل: الرياض، صنعاء، الخبر، وهران، القاهرة، جدة، الأسكندرية، بنى غازي، واشنطن، بون، بورسعيد، بالتيمور. وفي مثل هذه الحالة يعمد المتعلم إلى تجميع كل نوع على حدة مثل أن يضع جميع عواصم الدول بعضها مع بعض، فتكون: الرياض، القاهرة، واشنطن، صنعاء. وجميع الموانئ كذلك، فتكون: جدة، الأسكندرية، بني غازي، بالتيمور. أو قد يجمع جميع المدن التي تبدأ بحرف واحد، مثل: بون، بورسعيد، بالتيمور، بني غازي. أو يختلق رابطة صناعية، مثل أن يبدأ بالمدن العربية، ثم يضع الآسيوية منها في مجموعة، والأفريقية في مجموعة أخرى. وقد يلجأ بعض آخر إلى ترتيبها حسب موقعها من الشرق للغرب. وهكذا.

        وقد يسير بعض المتعلمين شوطاً آخر، فيخترعوا حكاية، قوامها رحلة خلال هذه المدن المبعثرة تجمع بينها حوادث القصة المفتعلة.

قانون التكرار

        التكرار هو استعادة المادة التي يراد حفظها عدداً من المرات، يكفي لاسترجاعها صحيحة. والمادة التي يراد حفظها، قد تكون ألفاظاً لا معنى لها، وقد تكون جملة أو جملاً ذات معاني متصلة كقانون طبيعي، أو قصيدة شعرية.

        والتكرار أكثر أهمية في حفظ المادة التي تربط بين أجزائها وحدة المعنى، مثل بعض القواعد الرياضية (جدول الضرب، النظريات الهندسية)، مصطلحات علمية، كيميائية كانت أم فيزيقية، أو المترادفات في اللغات الأجنبية.

        وفي جميع هذه الحالات يعتمد المتعلم على تكرار المادة عدداً كافياً من المرات. وتعرف الاستذكار بهذه الطريقة، بالاستذكار الآلية، أو ما يطلق عليه العامة "طريقة الصَم".

        وطريقة الصَم في الاستذكار ضرورية، إذا كانت المادة المراد تذكرها مجهولة المعنى أو غريبة لدى المتعلم. أما إذا كانت المادة غير ذلك، فإن الاستذكار بطريقة الصَم غير اقتصادية، بسبب ما تحتاج إليه من وقت طويل ومجهود كبير، فضلاً عن أنها عرضة للنسيان، أكثر من الطرق الأخرى.

تكون العلاقات بين أجزاء المادة

      وجد ابنجهاوس أن المتعلمين ذوي الذاكرة القوية يلجأون إلى تسلسل الفكرة، والاستنتاج المنطقي، في استذكار الأحداث التاريخية، أو سلسلة التفاعلات الكيميائية. وحينما لا يجد المتعلم هذا التسلسل يلجأ إلى عمله.

تأثير النغم

      النغم الصوتي له أثر واضح في عملية الذاكرة اللفظية. وهو، فضلاً عن ذلك، مظهر لقانون التجميع الذي سبقت الإشارة إليه. والميل إلى استحداث نغم فطرى عند الإنسان. لذلك، نلاحظ أن محاولات المتعلم التجميع بطريقة النغم موجودة عند الأطفال، دون أن يلقنهم ذلك أحداً. فالطفل يحدث التأثير النغمي بتقصير أو إطالة الفترة بين المقاطع التي تتكون منها الوحدة الواحدة.

      ومن المشاهد أن أفراد الطبقات الجاهلة، قد تحفظ ألفاظ هذه الأغاني، مع غرابة معانيها، وبعدها عن مستوي تفكيرهم، تحت تأثير النغم الموسيقي. وقد استفاد رجال التربية الحديث بهذه الظاهرة، فعمدوا إلى تشجيع الأناشيد في استظهار المحفوظات الشعرية، تيسيراً لعملية الذاكرة.

استخدام الشعر

      لا يخرج الشعر عن كونه موسيقى لفظية؛ إذ يتكون البيت الشعري من مقاطع يرتبط بعضها ببعض بتوقيع خاص، وهو ما يعرف في الشعر العربي ببحور الشعر أو أوزانه. كما يرتبط كل بيت شعري بالبيت الذي يليه بقافية واحدة، لهذا كان الشعر أيسر حفظاً من الغير.

      وقد عمد بعض رجال التربية في تشجيع استخدام الشعر بوصفه وسيلة من وسائل الحفظ، فتحولت كثير من العلوم إلى منظومات شعرية، تحتوي على أصول هذه العلوم وقواعدها.

      ومن أشهر هذه المنظومات ألفية ابن مالك في النحو، التي تحتوي على ألف بيت من وزن واحد، مع اختلاف القافية. فمثلا كتب ابن مالك في باب كان وأخواتها:

تَرْفَعُ كـان المبتدا، والخَبَــرْ

تَنْصِبُه ككــان سَيداً عُمَـرْ

ككـان ظَلَّ بات أضحى أصبحا

أمسى وصار ليس زال بَرِحا

وفي حروف الجر نظم ابن مالك:

هاك حروف الجر، وَهْيَ مِنْ إلى

حَتّى خَلاَ حَاشا عَدا مِنْ عَنْ على

مذ منذ رب اللام كي واوٌ وتــا

والكـاف والبــاء لعـل ومتى

      والطالب هنا ينصرف أولاً إلى حفظ المتن وإجادته، دون اعتبار لمعانيه، مستعيناً في حفظه على الموسيقى الشعرية، أو تأثير النغم، حتى إذا توفر له ذلك، رجع إلى الشرح، ليتعرف على معاني ما سبق حفظه.

ولتسهيل حفظ مادة الحساب نظم الأخضري:

الجمـع ضم عـدد لعـدد

لكـي تعده بلفــظ مفــرد

فتتجمع الآحـــاد للآحــــاد

وهكذا الباقـي على التمـادي

ضع كل رتبة إلى الموضوع

من تحتها واُنظر إلى الجموع


للخلف                                                            الصفحة الرئيسة