الجغرافيا الطبية Medical Geography

          لما كانت الجغرافيا هي دراسة العلاقة بين الإنسان وبيئته الجغرافية، وتظهر هذه العلاقة، في أجل صورها، في أمراض الإنسان ومشكلاته الصحية، لذا، تُمثل الجغرافيا الطبية فرعاً أساسياً من فروع الجغرافيا التطبيقية Applied Geography، وهي تختص بدراسة التوزيع الجغرافي للأمراض، وإبراز العلاقة بينها وبين عناصر البيئة الطبيعية والبشرية، وتقويم آثارها السلبية على حياة الإنسان، وعلى أحواله المعيشية والاقتصادية، وعلى قدراته المختلفة، والبحث عن أساليب مكافحتها والوقاية منها، ومدى توفر الخدمات الطبية والصحية اللازمة لعلاجها، ولرفع المستوى الصحي العام للمجتمعات البشرية.

          وتُعرف الجغرافيا الطبية بأنها دراسة العلاقة بين الجغرافيا وصحة الإنسان، أو أنها الدراسة، التي تهتم بالبحث عن التفسيرات الجغرافية لظهور الأمراض، أو كما عرفها ليرمونت Learmonth، بأنها دراسة أنماط التوزيع الجغرافي للأمراض البشرية بهدف تفسيرها. ومما سبق يتضح أن الجغرافيا الطبية تُمثل حلقة الوصل بين الجغرافيا من جهة والطب من جهة أخرى، بحيث يخدم كل منهما الآخر، دون أن يخرج أي منهما عن حدود تخصصه.

الجغرافيا الطبية وعلاقتها بالعلوم الأخرى

تتصل الجغرافيا الطبية اتصالاً وثيقاً بعدة علوم أهمها:

رمز نقطي

علم الإيكولوجيا الطبية Medical Ecology: التعاون الوثيق بين العلمين هو أفضل وسيلة لدراسة أي مرض من الأمراض، إذ يختص علم الإيكولوجيا الطبية بدراسة الدورات الإيكولوجية للأمراض، بينما تختص الجغرافيا الطبية بدراسة  أنماطها وتفسيرها.

رمز نقطي

علم الأوبئة Epidemiology: ويختص هذا العلم بتحديد مناطق ظهور الأوبئة، ودراسة الظروف المسببة لها، وتقوم الجغرافيا الطبية بتوزيع هذه الأوبئة، حسب درجة توطنها، إلى مناطق شديدة التوطن Hyperendemic، أو متوسطة التوطن Mesoendemic، أو ضعيفة التوطنHypoendemic.

رمز نقطي

علم الأرصاد الجوية الحيوية Biometerology: وهو العلم المختص بدراسة تأثير الجو والمناخ على كل الكائنات الحية ومنها الإنسان، سواء على صحته ونشاطه أو على احتياجاته المختلفة من مسكن، ومأكل، وملبس. فقد اتضح أن هناك توزيعاً عاماً لكثير من الأمراض على شهور وفصول السنة، إذ أن كل العمليات الفسيولوجية في جسم الإنسان تتغير من فصل إلى آخر على مدار السنة، كما تتغير العوامل المسببة للأمراض والعوامل المساعدة على انتشارها، بمعنى أن هناك علاقة بين الغالبية العظمى من الأمراض البشرية وبين الجو، المناخ، ولكن بدرجات متفاوتة.

          وتهتم الجغرافيا الطبية بدراسة العوامل البيئية والبشرية، التي تؤثر بالسلب أو الإيجاب في صحة الإنسان، وأهمها:

1. العوامل البيئية

أ.  الموقع الجغرافي

          ويُقصد به قرب الموقع من إحدى المناطق، التي يتوطن فيها أي مرض من الأمراض المعدية، وخصوصاً الوبائية Epidemic، مما يجعله يتفشّى دائماً بين سكانه، وغالباً ما يحدث هذا في البلاد، التي تقع على الطرق التجارية، أو طرق التحركات البشرية الدائمة أو المؤقتة، كالحدود الشرقية، والجنوبية، والغربية، للسودان، فهي حدود طويلة لا تتوقف عندها موجات اللاجئين، والعمال، والرعاة دون أن يخضعوا لأي رقابة صحية، إضافة إلى الأمراض، التي تنقلها الحيوانات والحشرات في الدول الواقعة في نطاق الغابات المدارية الأفريقية، مثل مرض الحمى الصفراء Yellow Fever، ومرض النوم Sleeping Sickness، الذي تُسببه ذبابة تسي تسيTse Tse.

ب. الموقع الفلكي

          وهو يُحدد الأقاليم المناخية، التي تؤثر على توزيع الأمراض، فتسود بعض الأمراض في العروض المدارية، مثل الكوليرا Cholera، والبلهارسيا Bilharziasis، والملاريا   في العروض المدارية، ويسود في العروض الباردة لين العظام Osteomalacia، والنزلات الشعبية Acute Bronchitis، والأنفلونزا Influenza.

ج. مظاهر السطح

          ولها تأثير مباشر وأخر غير مباشر، ويتمثل التأثير المباشر في الارتفاع الكبير عن سطح البحر، وما يترتب عليه من تناقص في الضغط الجوي، وتخلخل الهواء، وتناقص نسبة الأكسجين، ويؤثر هذا على الرئتين، والقلب، والدورة الدموية، أمّا التأثير غير المباشر فيتمثل في تأثير التضاريس على توزيع بعض الأمراض، مثل: طفيل البلهارسيا، إذ لا يستطيع أن يحيا أو يتطور على المرتفعات العالية، كما أن مرض الكوليرا لا ينتشر عادة بين سكان المناطق الجبلية، إضافة إلى أن بعض الأمراض الجلدية، مثل الأكزيما وغيرها من أمراض الحساسية، تُشفى بسرعة على الجبال المرتفعة، ويرجع ذلك إلى قوة الأشعة الشمسية، وخصوصاً الأشعة فوق البنفسجية Ultra Violet Rays.

د.  التركيب الجيولوجي

          هناك علاقة بين أمراض السرطان Cancer، وأمراض القلب والدورة الدموية Cardiovascular Diseases، وبين التركيب المعدني للصخور والتركيب الكيميائي للتربة. فقد أوضحت الدراسات أن الوفيات الناجمة عن سرطان المعدة تزداد في المناطق، التي تزيد في أراضيها نسبة الزنك، والكوبالت، والكروم، وترتفع نسبة الإصابة بمرض سرطان الأمعاء في المناطق، التي يرتفع بها عنصر الكروم.

هـ. المناخ

           هناك علاقة بين بعض الأمراض الوبائية في العالم وبين فصول السنة المختلفة، فمنها ما ينشط في فصل الصيف، مثل: الكوليرا، والتيفود، والدوسنتاريا، ومنها ما يظهر في فصل الشتاء، مثل: الالتهاب الرئوي، والأنفلونزا، ومنها ما تزيد نسبته مع فصل الربيع، مثل: الحصبة، والربو الربيعي، والحمى القرمزية Scarlet Fever..
          وتتأثر صحة الإنسان بكل عناصر المناخ، ولكن بصورة متفاوتة، فعند تعرض الإنسان لأشعة الشمس المباشرة في الأقاليم الحارة والدفيئة، يصاب بضربة شمس Sun Stroke، أو الضربة الحرارية Heat Stroke، وتحدث بسبب ارتفاع درجة الحرارة دون التعرض لأشعة الشمس. أمّا الأشعة الضوئية للشمس، فإنها تؤثر بصفة خاصة على العينين، وتؤدي قوتها في كثير من الأحيان إلى إجهادهما، وإلى إصابتهما بالضعف الشديد، وهي حالة منتشرة في المناطق القطبية، وسببها الانعكاس الشديد لأشعة الشمس الضوئية على سطح الجليد، وعلى النقيض من ذلك، فأشعة الشمس لها عدة فوائد، أهمها: أن الأشعة فوق البنفسجية تؤدي إلى تكوين فيتامين "د" في الجسم، وإضعاف نشاط البكتريا والجراثيم، وتساعد على مقاومة بعض الأمراض، مثل السل Tuberculosis، ولين العظام Rickets.
          ويؤدي ارتفاع درجة الحرارة إلى إصابة الإنسان بعدة أمراض، تعرف بأمراض الحرارة المتطرفة، ومنها الضربة الحرارية Heat Stroke، والتقلصات الحرارية Heat Cramps، والإغماء Syncope، والطفح الجلدي (حمو النيل) Prickly Heat. وهناك أمراض البرودة المتطرفة، مثل: تشقق جلد الأطراف المكشوفة، وعضة الصقيع Frost Bite، وهي تُصيب بصفة خاصة الأطراف المكشوفة بالتجمد، حيث إنها تفقد حرارتها بصورة أسرع من بقية أجزاء الجسم.
          وتؤثر التغيرات في الضغط الجوي على الرئتين، وعلى الجهاز العصبي، وأجهزة الدورة الدموية، مما يؤدي إلى الوفاة الناتجة عن الأزمات القلبية. وتعد الرياح من أهم وسائل نشر الأمراض المعدية، وكثيراً ما تكون سبباً في التخريب والدمار، إذا كان هبوبها على شكل عواصف وأعاصير، تؤدي في بعض الأحوال إلى خسائر في الأرواح، كما تؤدي العواصف الرملية إلى زيادة أمراض الحساسية Allergy، مثل الربو Asthma، وأمراض العيون.

2. العوامل البشرية

أ.  المستوى الاقتصادي

          وهو العامل البشري الرئيسي، الذي يتدخل في الأحوال الصحية، إذ أن الإمكانات المالية تعتبر العقبة الرئيسية في سبيل تنفيذ البرامج الخاصة بمقاومة الأمراض، وعلاج المرضى، وتطوير الخدمات الصحية. كما تمثل عقبة أساسية في طريق رفع المستوى المعيشي والمستوى الحضاري للسكان، مما يؤدي إلى بقاء قطاع كبير منه فريسة للجهل، الذي يعتبر حليفاً قوياً للمرض.

ب. نوع العمل أو المهنة

          من الثابت أن بعض الأعمال، التي يحترفها السكان تعرض الكثير منهم للإصابة ببعض الأمراض، التي تُعرف بأنها أمراض مهنية. فالعاملون بالزراعة يتعرضون للإصابة بأمراض الديدان الطفيلية، مثل: البلهارسيا، والانكلستوما، والاسكارس، كما يتعرض هؤلاء المزارعون لأخطار التسمم، من المبيدات الحشرية المستخدمة في مكافحة الآفات، ومن المواد الكيميائية، التي تدخل في تركيب الأسمدة الكيميائية. ويُصاب العاملون في الصناعة ببعض الأمراض، مثل أمراض الجهاز التنفسي، الذي ينتشر بصفة خاصة بين العاملين بالصناعات الكيميائية، مثل، صناعة الأسمدة والمبيدات، ويتعرض العاملون في صناعة البلاستيك والمعادن للإصابة بسرطان الكبد، ويتعرض العاملون في مناجم الفحم، ومصانع الصباغة، والنسيج، والمطاط، ورصف الطرق للإصابة بمرض سرطان الرئة، هذا إلى جانب الإصابات البدنية، التي يتعرض لها المشتغلون ببعض الصناعات.

ج. التحركات البشرية

          تأخذ التحركات البشرية، التي لها علاقة بانتشار الأمراض، أشكالاً كثيرة، من أخطرها حركات اللاجئين عبر الحدود الدولية المتجاورة، دون خضوعهم لأي رقابة صحية، وهو أمر كثير الحدوث في مناطق الاضطرابات السياسية والعنصرية. كما أن الهجرات الموسمية للعمال الزراعيين أو الرعاة عبر حدود الدول الزراعية والرعوية، تعد عاملاً آخر من العوامل، التي لها علاقة مباشرة بانتقال الأمراض وانتشارها، وتتمثل هذه الهجرات بين دول نطاق السافانا ونطاق الصحراء في شمالي قارة أفريقيا. ومن بين التحركات البشرية الأخرى تلك، التي تحدث في المناسبات الدينية، ومن أهمها التحركات، التي يتجمع بواسطتها العديد من الحجاج المسلمين في مناطق المشاعر المقدسة في المملكة العربية السعودية، ولولا الجهود الصحية الفائقة، التي تبذلها المملكة في هذه المناسبة، لكان انتشار الأوبئة بين الحجيج، ووفاة الكثيرين منهم سنوياً أمراً مألوفاً، حيث إن كثيراً من الحجاج يأتون من مناطق، تتوطن بها بعض الأمراض الوبائية مثل الكوليرا. على الرغم من أنهم لا يكونون هم مرضى، بسبب اكتسابهم للمناعة في مناطقهم، فإنهم يكونون حاملين لميكروب المرض، وبذلك يمثلون مصدراً للعدوى.

د.  الصفات الوراثية

          وهي أحد العوامل المهمة في الإصابة بعدد كبير من الأمراض والتشوهات الجسدية، والأمثلة على الأمراض الوراثية، أو التي يكون هناك استعداد لتوارثها كثيرة ومتنوعة، ومنها الصرع، والشلل العصبي الوراثي، والتخلف العقلي، وبعض أمراض الحساسية.

هـ. الانحراف الأخلاقي

          أدى عدم التمسك بالقيم، والمبادئ الدينية والخلقية إلى انتشار بعض الأمراض البشرية الخطيرة، ومنها الزهري، والسيلان، والإيدز، والهربس، وغيرها من الأمراض الخطيرة، التي تنتشر بصفة خاصة بين فئات وجماعات، يربط بينها عامل مشترك، وهو الانحلال الأخلاقي وعدم التمسك بالقيم.