المياه

مقدمة

          الماء ... معجزة من معجزات الخالق، أودع فيها أسراره فصار ذا خصائص فريدة، احتار في فهمها العلماء.

          الماء هو أكثر المواد وجوداً على الأرض، حيث يغطى أكثر من ثلاثة أرباع الكرة الأرضية . فالماء يملأ المحيطات والبحار والأنهار، ويوجد في الهواء، حتى باطن الأرض به ماء. وبدون الماء لا توجد حياة؛ فالماء يدخل في تركيب كل كائن حي، فيزن ما يقرب من ثلثي جسم الإنسان، وثلاثة أرباع جسم الطائر، وأربعة أخماس ثمار الفواكه.

وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ(سورة الأنبياء: الآية 30)

          والإنسان يعتمد على الماء في حياته كلها، في مشربه، ومطعمه، ونظافته، وري زرعه، واستصلاح أراضيه، وإدارة مصانعه، وتوليد الطاقة. وتزداد حاجة الإنسان إلى الماء كل يوم، فكل عام يزداد التعداد، وتزداد معه الحاجة للماء.

          ويعتقد العلماء أن كمية الماء الموجودة الآن على سطح الكرة الأرضية، هي الكمية نفسها التي وجدت منذ نشأة الأرض. فقد بدأ الماء على هيئة أبخرة، تصاعدت من الأرض أثناء تكوين قشرتها الصلبة. وحينما أخذت حرارة سطح الأرض في الانخفاض التدريجي، بدأت تلك الأبخرة في التكثف، ثم سالت أمطاراً غزيرة لمئات من السنين. وقد أدّى سقوط الأمطار إلى تكون الأنهار والبحيرات الواسعة، التي سرعان ما اتحدت مع بعضها، مكونة المحيطات.

          وقد عمل الماء على تشكيل معالم الأرض، وتغيير تضاريسها. فالأمطار المتساقطة تطرق الصخور بشدة، مكونة مجاري الأنهار، التي تشق طريقها في الجبال ووسط الصخور الصماء، وتصنع أخاديد الأرض، وترسب ما تحمله من رواسب وطمي، فتكون دلتا الأنهار عند مصباتها في البحار. ويرتطم موج البحار والمحيطات بصخور الشواطئ ورمالها، دون انقطاع، مكوناً الشقوق والكهوف، وحاملاً أجزاء من اليابس معه إلى القاع.

          وعلى الرغم من أننا نعيش فوق أرض، يغطى الماء معظمها، فإن أكثر هذا الماء مالح وغير صالح للشرب أو الزراعة، والجزء المتبقي الضئيل ماء عذب، أكثره محصور تحت الأرض، كمياه جوفية، أو متجمد في القطبين، كجبال جليدية. والجزء اليسير المتبقي يملأ الأنهار والبحيرات العذبة. والماء الموجود على سطح الأرض في حركة مستمرة، ودوران عجيب. فقطرة الماء التي نستخدمها تجد طريقها في نهاية الرحلة إلى المحيط، حيث تتبخر بفعل طاقة الشمس، لتسقط على الأرض من جديد، في دورة مستمرة لا تنتهي.

          وعلى الرغم من قلة المياه العذبة المتاحة، وتضاعف الحاجة إلى الماء العذب عن ذي قبل، فإن هذا القليل من الماء العذب، لا يزال يكفي هذه الحاجات، لو أُحسِنَ استخدامه. وللأسف، فإن توزيع الماء العذب غير متساوٍ على سطح الكرة الأرضية. فهناك بعض المناطق فقيرة في مصادر المياه، وبعضها الآخر غنية بالمياه. والأمطار حين تسقط على الأرض، لا تسقط بالتساوي، فبعض المناطق صحراء جدباء، وبعضها تسقط عليه الأمطار أنهاراً وسيولاً.

          وهناك مناطق تعاني من نقص المياه، لا من قلة، وإنما لسوء استخدام مصادره. فالإنسان يقذف بمخلفاته ونفاياته الصناعية في الأنهار، ويلوثها، فتصير غير صالحة للاستخدام. حينئذ يبدأ الإنسان في البحث عن مصدر جديد للمياه النقية، ويشكو من نضوب مصادر المياه القديمة. كذا، تعاني بعض المناطق من نقص المياه، نتيجة عدم استخدامه الاستخدام الأمثل، في تخزينها، ونقلها، وتوزيعها.

الفصل الأول: صور وجود الماء وخصائصه

صور وجود الماء على الأرض

          على الرغم من كبر المساحة التي يغطيها الماء، من سطح الكرة الأرضية، إلاّ أن الحجم الفعلي للماء مقارنة بحجم الكرة الأرضية، يبدو ضئيلاً. فإذا تخيلنا الأرض مثل برتقالة، فإن الحجم الإجمالي للماء لا يكاد يملأ ملعقة شاي، والحجم الحقيقي الذي تحتويه هذه الملعقة هو حوالي 1.5 مليار كيلومتر مكعب.

          ويشكل ماء المحيطات حوالي 97% من حجم الماء الموجود على سطح الأرض، إلاّ أن هذا الماء مالح ولا يصلح للاستخدام الآدمي، من شرب، أو زراعة، ونحو ذلك، نتيجة ذوبان العديد من الأملاح فيه. أمّا كمية الماء العذب الصالحة للاستهلاك الآدمي، فلا تتجاوز 0.3% من الماء الموجود في الكرة الأرضية. ويتضمن هذا الماء، ماء البحيرات ، والأنهار، والمياه الجوفية الموجودة في أقل من نصف ميل عمق. ويدخل في هذا، حساب كمية الماء العذب الموجود على هيئة بخار ماء في الغلاف الجوي، الذي سوف يتحول في النهاية إلى أمطار، والرطوبة الموجودة في تربة الأرض السطحية.

          وتمثل الجبال القطبية Polar Ice Caps (، غالبية الماء العذب الموجود على سطح الكرة الأرضية، حيث تصل نسبتها إلى حوالي 2,2% من إجمالي كمية المياه في الأرض، ممثلة ما يزيد عن ثلاثة أرباع مخزون الماء العذب في العالم.

          أمّا المياه الجوفية Underground water، فإن نسبتها تصل إلى حوالي 0.6% من كمية الماء الموجود في الأرض، وهي إمّا أن تكون قريبة من سطح الأرض فتكون عذبة، وإمّا أن تكون على أعماق سحيقة، فنجد في مياهها نسبة عالية من الأملاح، التي ذابت فيها أثناء رحلتها الطويلة إلى باطن الأرض .يوضح صور المياه على سطح الأرض، بالحجم والنسبة المئوية.

تركيب الماء وخصائصه الكيميائية

          لا يُعدّ الماء، فقط، أكثر المواد وجوداً على الأرض، بل يُعدّ، كذلك، أكثرها غرابة، إذ لا تستطيع مادة على سطح الأرض، أن تحل محل الماء أو تقوم بدوره، كما لا توجد أي مادة معروفة، حتى الآن، لها خصائص مشابهة للماء. فالماء هو استثناء لكثير من قوانين الطبيعة، وذلك لخصائصه الفريدة.

          ويتكون الماء من أجسام متناهية الصغر، تسمى "جزيئات". وقطرة الماء الواحدة تحتوي على الملايين من هذه الجزيئات. وكل جزيء، من هذه الجزيئات يتكون من أجسام أصغر، تسمى "ذرات" . ويحتوي جزئ الماء الواحد على ثلاثة ذرات مرتبطة ببعضها، ذرتي هيدروجين وذرة أكسجين . وقد توصل إلى هذا التركيب الكيميائي للماء عام 1860، العالم الإيطالي "ستنزالو كانزارو" (Stanisalo Cannizzarro).

          والهيدروجين، هو أخف عناصر الكون، وأكثرها وجوداً به، حيث تصل نسبته إلى أكثر من 90%، وهو غاز قابل للاشتعال. والرقم الذرى للهيدروجين هو 1، ووزنه الذرى 1.008. كما يوجد الهيدروجين، كذلك، في الفراغ الفسيح بين المجرات والنجوم، بنسبة ضئيلة ).

          أمّا عنصر الأكسجين  فهو ثالث أكثر العناصر وجوداً في الكون، حيث يوجد بنسبة 0.05%، وهو غاز نشط يساعد على الاشتعال، ورقمه الذرى 8، ووزنه 16. كما يُكَوِّن الأكسجين حوالي 20% من الهواء الجوى، وهو ضروري لتنفس الكائنات الحية، ويدخل في التركيب العضوي لجميع الأحياء، مع الهيدروجين والكربون. وعلى الرغم من أن الهيدروجين غاز مشتعل، والأكسجين غاز يساعد على الاشتعال، إلاّ أنه عند اتحاد ذرتي هيدروجين مع ذرة أكسجين، ينتج الماء الذي يطفئ النار.

          والماء النقي لا يحتوي على الأكسجين والهيدروجين فقط، بل يحتوي على مواد أخرى ذائبة، ولكن بنسب صغيرة جداً. لذا، فإنه يمكن القول بأن الماء يحتوي على عديد من العناصر الذائبة، إلاّ أن أغلب عنصرين فيه، هما الهيدروجين والأكسجين.

          والماء في صورته النقية سائل عديم اللون والرائحة، يستوي في ذلك الماء المالح والماء العذب. إلاّ أن طعم الماء يختلف في الماء العذب، عنه في الماء المالح. فبينما يكون الماء العذب عديم الطعم، فإن الماء المالح يكتسب طعماً مالحاً؛ نتيجة ذوبان عديد من الأملاح به.

كيف يمكن للماء التماسك كمادة

          يرتبط الهيدروجين بالأكسجين داخل جزيء الماء، برابطة تساهمية (Covalent Bond). فكل ذرة هيدروجين، تحتاج إلى إلكترون إضافي في مدارها الخارجي، لتصبح ثابتة كيميائياً. وكل ذرة أكسجين تحتاج إلى إلكترونين إضافيين في مدارها الخارجي، لتصبح ثابتة كيميائياً. لذا فإننا نجد في جزئ الماء ذرتين من الهيدروجين، تشارك كل واحدة بإلكترونها مع ذرة الأكسجين، ليصبح في المدار الخارجي لذرة الأكسجين 8 إلكترونات، وبذلك يكون مكتملاً، وفي حالة ثبات كيميائي. وفي الوقت نفسه، تشارك ذرة الأكسجين بإلكترون من مدارها الخارجي، مع كل ذرة هيدروجين، لإكمال المدار الخارجي لذرة الهيدروجين، ليصبح إلكترونين، وفي حالة ثبات كيميائي. ويسمى هذا النوع من الروابط "بالرابطة التساهمية" (Covalent Bond)، حيث تشارك فيه كل ذرة بجزء منها مع ذرة أخرى، لتكون جزيئاً قوياً للغاية يصعب تحلله (الشكل الرقم 7).

          ويتجاذب كل جزيء ماء بالجزيئات المجاورة له، من خلال تجاذب كهربي، ناتج عن اختلاف الشحنات الكهربية (الشكل الرقم 8). فذرتا الهيدروجين تلتقيان مع ذرة الأكسجين في نقطتين، بزاوية مقدارها 105 درجة، في شكل هندسي غريب، بما ينتج عنه توزيع الشحنات الكهربية، بشكل يشبه قطبي المغناطيس. فطرف ذرة الأكسجين يمثل شحنة سالبة، وطرفا ذرتي الهيدروجين يمثلان شحنة موجبة. ونتيجة لهذا الاختلاف في الشحنات الكهربية، تتجاذب كل ذرة هيدروجين في جزئ الماء، مع ذرة أكسجين في الجزيء المجاور، بنوع من التجاذب الكهربي، يطلق عليه "الروابط الهيدروجينية" (Hydrogen Bond) (الملحق الرقم 1). وتُعد الروابط التساهمية والهيدروجينية بين جزيئات الماء، مسؤولة عن الخواص الفريدة للماء، مثل: ارتفاع درجة الحرارة النوعية، والحرارة الكامنة للانصهار، والتبخر. كما أنها مسؤولة عن صفات التوتر السطحي واللزوجة، كما سيأتي ذكره فيما بعد.

          وجزيئات الماء في حركة دائمة، وتعتمد الحالة التي يكون عليها الماء (غازية أو سائلة أو صلبة) على سرعة حركة هذه الجزيئات. فعند انخفاض درجة الحرارة، إلى درجة تساوى أو تقل عن الصفر المئوي، تفقد جزيئات الماء طاقتها، وتقل حركتها، ويزيد ترابطها بالروابط الهيدروجينية، بما يزيد من الفراغات بين جزيئات الماء. ويرتبط كل جزيء مادة في هذه الحالة، بأربعة جزيئات مجاورة بروابط هيدروجينية في شكل ثلاثي الأبعاد، كما في حالة الجليد. ومعظم المواد تنكمش بالبرودة، إلاّ أن الماء حينما يبرد، ينكمش حتى يصل إلى 4 درجات مئوية، ثم يبدأ بعدها في التمدد بزيادة انخفاض درجة الحرارة، ويُعد الماء مثالاً للخروج على القاعدة العامة في العلاقة بين درجة الحرارة والكثافة.

          فعند انخفاض درجة الحرارة إلى ما تحت الصفر المئوي، يتحول الماء إلى ثلج، ويقل عدد جزيئات الماء المترابطة، ويزيد الفراغ بينها ـ مقارنة بمثيلتها الموجودة في الحجم نفسه من الماء ـ فتتمدد في الحجم وتقل كثافتها، وتطفو على هيئة قشرة الجليد فوق سطح الماء. وتُعد هذه الخاصية، نعمة عظيمة من نعم البارئ على الكون. فلو خضع الماء للقاعدة العامة للعلاقة بين الكثافة ودرجة الحرارة، لازدادت كثافة الثلج المتكون على السطح عن بقية الماء، وهبط إلى القاع، معرضاً سطح الماء، الذي تحته، إلى درجة حرارة منخفضة، فتتجمد هي الأخرى، وتهبط إلى القاع. وهكذا حتى تتجمد كل طبقات الماء، وتستحيل معها الحياة، في مياه المناطق القطبية، أو شديدة البرودة، والمتجمدة. إلاّ أنه في الحقيقة، ومع انخفاض درجة حرارة الجو، تتجمد طبقات الماء العليا فقط، وتقل كثافتها وتتمدد، فتطفو على سطح الماء، وتعزل بقية الماء تحتها، عن برودة الجو، فيبقى سائلاً ويسمح باستمرار الحياة.

          وبازدياد درجة الحرارة (أعلى من الصفر المئوي)، تكتسب جزيئات الماء قدراً أعلى من الطاقة، وتزداد حركتها، وتتقارب المسافات بينها، ويتحول الماء إلى صورته السائلة (الشكل الرقم 9).

          ومع ازدياد ارتفاع درجة الحرارة، يزداد قدر الطاقة الذي تكتسبه جزيئات الماء، وتزداد حركتها، وتتباعد المسافات بينها، وتتحول إلى الحالة الغازية، حيث يوجد جزئ الماء في أغلب الأحوال بصورته المنفردة. وتبلغ أقصى درجة لتحول الماء إلى بخار ماء، عند وصوله إلى 5100م، وهي درجة غليان الماء. إلاّ أن هذا لا يمنع من تحول الماء في درجات الحرارة العادية إلى بخار ماء بفعل الطاقة المكتسبة من الشمس، وإن كان بدرجة أقل من تلك التي تحدث عند درجة الغليان.

درجتا التجمد (الانصهار) والغليان

          من خصائص الماء الفريدة، وجوده في حالات المادة الثلاثة، الغازية والسائلة والصلبة (الشكل الرقم 10)، وذلك تحت الظروف العادية من الحرارة والضغط الجوى. ومن اللافت للنظر، أنه ليس هناك مادة أخرى على سطح الأرض، يمكن أن توجد في هذه الأشكال الثلاثة، تحت ظروف درجة الحرارة الموجودة طبيعياً على سطح الأرض.

          والماء سائل عند درجة الحرارة، الموجودة في معظم مناطق الكرة الأرضية. وتُعدّ درجة الحرارة التي يوجد عندها الماء في الصورة السائلة، إحدى الصفات الفريدة والمميزة للماء. فعند درجة الضغط الجوي العادي، يكون الماء سائلاً بين درجتي التجمد "صفر مئوي" ودرجة الغليان " 100 5م". فيما لا توجد المواد الأخرى، ذات التركيب المشابه للماء، بصورة سائلة عند هذا النطاق الحراري الواسع.

          فمثلاً توجد مركبات أخرى مكونة من ذرتي هيدروجين وذرة من عنصر آخر، مثل: السيلينوم أو الكبريت. وهذه المركبات لا توجد في حالة سائلة، إلاّ في حرارة منخفضة للغاية (-100 5م إلى -90 5م). فلو استبدلت ذرة للأكسجين في جزئ الماء بأي مركب آخر، فلن يكون هناك ماءً سائلاً على وجه الأرض، حيث إن درجة حرارة سطح الأرض أعلى دائماً من - 590م.

          وبالنظر إلى الفرق بين درجتي الحرارة اللازمتَيْن للتجمد والغليان، فإن الماء يبقى سائلاً في مدى واسع من درجات الحرارة، يُعدّ أكبر نطاق حراري بين الأوساط السائلة. وتُعدّ هذه الخاصية من النعم العظيمة، إذ يوجد الماء سائلاً عند درجات الحرارة التي تعيش فيها الكائنات الحية، بما يساعد على استمرار حياتها.

          وتحول الماء إلى بخار، يتطلب قدراً هائلاً من الحرارة. فالماء يغلى، عادة، عند درجة حرارة 5100م. ولكن بوصول الماء إلى درجة الغليان، فإنه لا يتحول مباشرة إلى بخار، إنما هناك فترة يمتص الماء خلالها قدراً إضافياً من الحرارة، من دون حدوث أي زيادة في درجة حرارته، قبل تحوله إلى بخار ماء. لذا، فإن بخار الماء يحتوي على قدر هائل من الطاقة الحرارية، وهي الطاقة التي اكتشفت منذ القرن الثامن عشر، ومنذ ذلك الوقت تستخدم في إدارة الماكينات. ولما كان بخار الماء يحتوي على قدر كبير من الطاقة الحرارية، فإنه يتكثف عند انخفاض درجة الحرارة، مع انبعاث طاقته الحرارية، ويصير الماء سائلاً، ويسقط على هيئة أمطار.

الحرارة النوعية للماء وأهميتها لوظائف الجسم

          تعرف الحرارة النوعية بأنها: "كمية الحرارة اللازمة لتغيير درجة حرارة جرام واحد من الماء، عند درجة 54م، درجة مئوية واحدة". ويُعد الماء من المواد التي لها خاصية مقاومة تغير درجة الحرارة، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع قيمة حرارته النوعية، وهذا نتيجة وجود الرابطة الهيدروجينية في تكوين جزيئات الماء. وتُعدّ هذه الخاصية من الخصائص المهمة، التي تمكن الكائن الحي من استمرار وظائفه الحيوية، أثناء حدوث تغييرات مفاجئة في درجة الحرارة المحيطة به، من دون حدوث خلل في هذه الوظائف.

الحرارة الكامنة، للانصهار وللتبخر، وأهميتها في إطفاء الحرائق

          تُعْرَّف الحرارة الكامنة، لانصهار الماء المتجمد، بأنها: "كمية الحرارة اللازمة لصهر جرام واحد من الثلج (أي تحويله من ثلج صلب إلى ماء سائل)، دون تغيير في درجة حرارة الماء"، وهي تبلغ 80 سعراً حرارياً. أمّا الحرارة الكامنة لتبخر الماء؛ أي تحويله من الحالة السائلة إلى بخار الماء، فتعرف على أنها "كمية الحرارة اللازمة لتبخر جرام واحد من الماء من دون تغيير درجة حرارته"، وهي تبلغ 540 سعراً حرارياً. وبمقارنة كمية الحرارة الكامنة للماء، بغيره من السوائل، نجد أن كمية الحرارة الكامنة للانصهار والتبخر للماء كبيرة جداً، ويرجع ذلك إلى وجود الرابطة الهيدروجينية بين جزيئات الماء. وتلك الخاصية الفريدة، جعلت الماء مادة فعالة، في إطفاء الحرائق، حيث يحتاج الماء كمية كبيرة من الحرارة، لكي ترتفع درجة حرارته، بما يؤدى إلى انخفاض درجة حرارة الوسط المحترق المحيط به، وبالتالي إطفاء الحريق.

التوتر السطحي واللزوجة

          يُعرَّف التوتر السطحي (Surface Tension)، على أنه "تماسك السطح الحر للسائل، لشغل أقل مساحة ممكنة" (الشكل الرقم 11)، أمّا اللزوجة (Viscosity)، فهي "مقاومة السائل للحركة". وتتسبب الرابطة الهيدروجينية، في جعل قوة التوتر السطحي للماء ولزوجته، مناسبتين لاستمرار الحياة، فنجد الماء يساعد من خلال هاتين الخاصيتين، على تماسك مواد الخلية، مع توصيل الماء والغذاء لجميع أجزاء الجسم، ويتساوى في ذلك النبات والحيوان. كما تساعد اللزوجة والتوتر السطحي، كذلك، في إبطاء فقدان الماء من أوراق النبات عن طريق الثغور. كما تعمل هاتان الخاصيتان على طفو المراكب والسفن والبواخر، على سطح الماء، دون الغوص فيه، نتيجة الأحمال الثقيلة.

المقاومة للتحلل

          نظراً إلى وجود الرابطة التساهمية داخل جزيء الماء، وترتيب ذراته المرتبطة بعضها ببعض، بشكل هندسي مائل، فإنه من الصعب تحلل جزيئات الماء، إلى عناصرها الأولية، تحت الظروف الطبيعية. إلاّ أنه تحت ظروف خاصة، يتحلل الماء بنسبة قليلة (11%)، إلى عنصريه: الهيدروجين والأكسجين، في ظل درجة حرارة 52700م.

التأين والأس الهيدروجيني (pH)

          تعرف عملية التأين بأنها: "عملية تحول جزيئات مركب ما، إلى أيونات". وبالنسبة إلى الماء، فإن معدل تأينه يُعدّ ضعيفاً جداً، إذا ما قورن بمعدلات التأين في المركبات الأخرى. إلاّ أنه قد يحدث تحلل لبعض جزيئات الماء، إلى أيوني الهيدروجين الموجب (H+) والهيدروكسيل السالب (OH-). وقد وجد أن زيادة تركيز أيون الهيدروجين، تعني زيادة الحموضة لهذا السائل، في حين تعني الزيادة في تركيز أيون الهيدروكسيل، زيادة القلوية. وفي حالة الماء النقي، يكون عدد أيونات الهيدروجين، مساوياً لعدد أيونات الهيدروكسيل، أي أنه متعادل (الشكل الرقم 12).

          وتُقاس الحموضة (تركيز أيونات الهيدروجين) في المواد المختلفة، عن طريق مقياس الأس الهيدروجين (pH Scale) (الشكل الرقم 13). ويراوح مقياس الأس الهيدروجيني بين صفر و14. فالمواد المتعادلة الحموضة، مثل الماء النقي، قيمة الأس الهيدروجيني لها = 7. أمّا الأحماض، فإن قيمة الأس الهيدروجيني لها تراوح بين صفر و6.9. أمّا المواد القاعدية، فإن قيمة الأس الهيدروجيني لها تراوح بين 7 و14. ومعظم العمليات الحيوية تتم في مجال محدود من الأس الهيدروجيني، فإذا ما زادت أو قلت درجة الأس الهيدروجيني عن هذا المجال، فإن العمليات الحيوية أو الوظائف الطبيعية للجسم تختل. فعلى سبيل المثال، تبلغ قيمة الأس الهيدروجيني لدم الإنسان 7.4، فإذا ما انخفضت هذه القيمة، اختلت وظائف الجسم، وقد تحدث الوفاة.

          كذلك، قد تكون مياه الأمطار حَمْضية بعض الشيء (حوالي 6)؛ نتيجة ذوبان ثاني أكسيد الكربون في قطرات المطر، إلاّ أن ذوبان بعض أكاسيد الغازات الأخرى الملوثة للجو في مياه الأمطار، قد تسبب زيادة الحموضة في مياه الأمطار، كما هو حادث في الأمطار الحمضية. ويجب ملاحظة أن التغيير في قيمة الأس الهيدروجيني درجة واحدة، يعني تغيير درجة الحموضة بمقدار 10 أضعاف. فالمحلول الذي له قيمة أس هيدروجيني = 3، هو حَمْضي 10 أضعاف المحلول الذي له قيمة أس هيدروجيني = 4.

الماء مذيباً

          يُعدّ الماء أقرب من أي مركب غيره يطلق عليه وصف "المذيب العام"، ذلك أن أغلب المواد تذوب في الماء، ولكن بدرجات متفاوتة. وترجع سبب قوة إذابة الماء للمواد الأخرى، إلى قطبية جزيئات الماء الناتجة عن الشكل الهندسي المائل للروابط التساهمية. فكثير من ذرات المواد الذائبة، ترتبط بعضها ببعض، من خلال قوى جذب إلكتروستاتيكي بسيط، ناتجة عن احتوائها على شحنات مختلفة. وهذه الأنواع من الروابط تُعدّ أضعف بكثير من الروابط التساهمية الموجودة داخل جزئ الماء، والروابط الهيدروجينية بين جزيئات الماء. ونتيجة لوجود ذرات تلك المواد في الماء، فإنها تحاط بجزيئات الماء، وتعزلها فيزيقياً بعضها عن بعض، وتتأين وتصبح ذائبة في الماء. وعلى الجانب الآخر، يظل الماء محتفظاً بتركيبه الأساسي، بسبب قوة الروابط التساهمية والهيدروجينية.

          لذا، تُعدّ مقدرة الماء على إذابة العديد من المواد العضوية وغير العضوية، من دون التفاعل معها، أو تغيير خصائصه الكيميائية الأساسية، من الخصائص الفريدة التي يتميز بها الماء. وهذا على عكس المذيبات العضوية(Organic Solvents) ، التي لا تقدر على إذابة أي مادة، دون التفاعل معها.

          فعلى سبيل المثال، يذوب السكر في الماء عن طريق تداخل جزيئات الماء داخل جزيئات السكر، حيث تقوم بعزلها فيزيائياً، والاحتفاظ بها داخل الفراغات الموجودة بين جزيئات الماء(Inter Molecular Space) ، وبالتالي يذوب السكر عن طريق انتشار جزيئاته بين جزيئات الماء دون التفاعل معها. وهذا الذوبان هو عكس ذوبان ملح الطعام (كلوريد الصوديوم) في الماء، حيث تتم الإذابة عن طريق تأين (Ionization) كلوريد الصوديوم، إلى أيونات الكلوريد السالبة وأيونات الصوديوم الموجبة (الشكل الرقم 14).

          ولهذا السبب، نجد أن محلول السكر في الماء المقطر، يكون غير قابل للتوصيل الكهربائي (Electrical Conductivity) نتيجة عدم تكون أيونات حرة من عملية الذوبان الفيزيائي للسكر، حيث تعمل هذه الأيونات الحرة (Free Ions) على حمل إلكترونات التيار الكهربائي في الماء. فيما يكون محلول الملح (كلوريد الصوديوم)، الذائب في الماء المقطر، موصلاً جيداً للكهرباء، نتيجة ازدياد أيونات الكلوريد وأيونات الصوديوم اللازمة لحمل إلكترونات التيار الكهربائي في الماء. وكلما ازداد تركيز هذه الأيونات، ازدادت مقدرة هذا المحلول على التوصيل الكهربائي (Electrical Conductivity) .

          ولصفة الإذابة هذه أهمية خاصة في تغذية الكائنات الحية، وذلك لأن تغذية الكائنات الحية واستفادتها من الغذاء، تعتمد بصورة رئيسية، على إذابة المواد الغذائية في الماء، سواء تم ذلك قبل امتصاص المواد الغذائية، أو بعد امتصاصها وانتقالها في جسم الكائن الحي.

          وتسبب هذه الخاصية بعض المشكلات في كثير من الأحيان، حيث يصعب الحفاظ على الماء بحالة نقية، لأن نقائه يبدأ في التناقص تدريجياً، بسبب ذوبان الإناء المحتوي عليه، في كثير من الأحيان، ولا يمكن استبعاد مياه الأمطار من هذه الخاصية كذلك. فأثناء هطولها، تذيب كثير من العوالق والشوائب الموجودة في الجو، وبذلك تهبط إلى الأرض محملة بالكثير من المواد الكيميائية والأتربة.

الأمطار الحمضية Acid Rain

          هي مياه الأمطار، التي تكون قيمة الأس الهيدروجيني لها حمضية (وغالباً يراوح بين 4 و5)، وذلك لتكوّن حمضي الكبريتيك والنيتريك، الناتجين من تفاعل أكاسيد الكبريت والنيتروجين، الموجودة في الجو، مع قطرات الماء، الموجودة في المطر (الشكل الرقم 15). وعلى الرغم من أن مياه الأمطار النقية، تكون حمضية بعض الشيء نتيجة ذوبان ثاني أكسيد الكربون في قطراتها، إلاّ أن درجة الحمضية تكون مخففة، إذ يصل رقمها الهيدروجيني إلى حوالي (6) في غالب الأحوال.

          وقد يعزى هطول هذه الأمطار الحمضية، إلى بعض الظواهر الطبيعية في بعض الأحوال، مثل الأنشطة البركانية. ولكن التلوث الصّناعي، وانطلاق كميات هائلة من أكاسيد الكبريت والكربون والنيتروجين، يظل هو السبب الأكبر في تَكَوّن الأمطار الحمضية.

          ويرجع التأثير الضار للأمطار الحمضية على البيئة، إلى تغييرها للبيئة المائية إلى بيئة حمضية، بما يؤدي إلى نفوق الكائنات الحية، واختلال التوازن البيئي، في البيئة والمسطحات المائية. كما تؤدي الأمطار الحمضية، أيضاً، إلى تآكل المنشآت المعمارية والآثار، كما تتسبب في ازدياد تأكل المواسير والأنابيب المكونة لشبكات مياه الشرب، وزيادة نسبة ذوبان الفلزات الثقيلة، وتحررها من التربة أثناء جريان المياه الحمضية في البحيرات والأنهار، الأمر الذي يؤدي في النهاية، إلى زيادة تركيز الفلزات الثقيلة السّامة، مثل: الرصاص، والكادميوم، والنحاس في مياه الشرب.

          وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب حركة الرياح، التي قد تحمل الأكاسيد المتسببة في الأمطار الحمضية من مكان إلى آخر، مثلما هو حادث في أمريكا الشمالية، حيث تشير أصابع الاتهام إلى أن ولايات الحزام الصناعي الأمريكي، مثل: أوهايو، تُعدّ مسؤولة، عن حوالي 50% من الأمطار الحمضية، التي تسقط على كندا.

          وقد تأثرت مئات البحيرات في نصف الكرة الشمالية، خصوصاً في السويد، والنرويج، والمملكة المتحدة، وشمال أمريكا، بهذه الأمطار الحمضية، حيث تبدو، لأول وهلة، أنها بحيرات تحتوي على مياه عذبة شفافة، إلاّ أنها في حقيقتها مياه ليس بها حياة، نتيجة تأثير الأمطار الحمضية عليها. وقد وصلت هذه البحيرات إلى درجة ملحوظة من الحموضة، بعدما استنفدت مقدرة التربة على معادلة التأثير الحمضي للأمطار، حيث تحتوي التربة على عدد من الأملاح القلوية، مثل: كربونات الكالسيوم، والماغنسيوم، التي لها القدرة على معادلة الأحماض. وبعد أن فقدت التربة مقدرتها على معادلة الأحماض، لم تعد البحيرات ذات مقدرة، على معادلة التأثير الضار للأمطار الحمضية. وفقدت مقدرتها على تدعيم الحياة فيها، أو إعادة التوازن البيولوجي لها. كما فقدت كثير من الغابات مظاهر الحياة فيها (الشكل الرقم 16)، وكذا، فقدت الأراضي الزراعية كثيراً من خصوبتها، ولم يُجد استخدام الجير الحي، أو المواد القلوية كثيراً، في رجوع هذه الأراضي إلى طبيعتها، أو استعادة البحيرات توازنها البيولوجي.

          كما أن هناك، أيضاً، الأمطار القاعدية (Alkali Rain)، التي قد يصل رقم الأس الهيدروجيني لها إلى أكثر من (8)، وتكون، عادة، غنية بالكالست وغيرها من المواد القاعدية المذابة، كالكربونات. إلاّ أن هطولها ينحصر في المناطق الجافة وشبه الجافة، مثل مناطق الشرق الأوسط، كما لا يشكل سقوطها أخطاراً، مثل التي تشكّلها الأمطار الحمضية.

الماء والتربة

          في بعض الأحيان تؤدي خواص الماء الكيميائية، دوراً كبيراً في مجال الزراعة، وتحديد التصميم الهندسي للجسور والمنشآت، المقامة فوق بعض أنواع التربة. ففي حالة وجود بعض أنواع التربة الطينية، التي يغلب على تكوينها وجود صلصال المونتموريلوني (Montomorillonite Clay)، كما هو الحال في تربة القطن السوداء في السودان، وولاية تكساس. فعند تشبّعها بالماء، تتمدد هذه التربة لتصبح ضعف حجمها عدة مرات، نتيجة تكوّنها من صفائح ذات أسطح سالبة الشحنة الكهربائية، بما يمكنها من الاتحاد مع الأطراف الموجبة للرابطة الهيدروجينية لجزيئات الماء. أمّا عند فقدان هذه التربة للماء، فإنها تعود إلى سابق حجمها الطبيعي، الأمر الذي يؤدّي إلى تشققها.

النظائر في المياه النقية

          من ضمن خصائص الماء المميزة، احتواؤه على نظائر للهيدروجين والأكسجين. فذرة الهيدروجين العادي(H) تحتوي على بروتون واحد، ولا تحتوي على نيوترون في نواتها، وعددها الذري يكافئ وزنها، الذي يكافئ الواحد الصحيح. ويوجد مع الهيدروجين العادي نظيران آخران، هما الديوتيريوم (Deuterium)، وهو نظير ثابت (Stable Isotope)، والآخر هو التريتيوم (Tritium)، وهو نظير مشع(Radioactive Isotope) .

          ويختلف هذان النظيران عن الهيدروجين العادي، في احتواء نواتهما على النيوترونات، خلافاً للهيدروجين العادي. فذرة الديوتيريوم، تحتوي نواتها على نيوترون، لذا فعدده الذري 1، ووزنه الذري 2. أمّا ذرة التريتيوم فتحتوي نواتها على 2 نيوترون، ووزنه الذري 3، بينما يظل عدده الذري 1. لذا فإن ذرة الديوتيريوم، أثقل من ذرة الهيدروجين مرتين، وذرة التريتيوم، أثقل من ذرة الهيدروجين ثلاثة أضعاف.

          ويوجد الديوتيريوم في المياه بصفة طبيعية بنسبة قليلة، حيث يُعد أحد مكونات الماء الطبيعية. أمّا التريتيوم، فيوجد في الطبيعة نتيجة تفاعل الأشعة الكونية مع هيدروجين بخار الماء، أو ينتج أثناء إجراء التفاعلات النووية.

          كما يوجد، أيضاً، نظيران للأكسجين، هما O17 وO18. فنظير الأكسجين العادي وزنه الذري 16. ويوجد هذان النظيران مع الأكسجين العادي في الماء في الطبيعة، بنسب قليلة. فالأكسجين O17 يمثل ما يقرب 0.038%، من أكسجين الماء، بينما تصل نسبة نظير الأكسجين O18، إلى حوالي 0.20%، من الأكسجين الموجود في الماء.

الماء الثقيل (أكسيد الديوتيريوم)

          وهو نوع من الماء، تُستبدل فيه ذرة الهيدروجين بذرة ديوتيريوم (هيدروجين ثقيل)، وهي ذرة هيدروجين تحتوي في نواتها على بروتون واحد، ونيوترون واحد.

          ويتشابه الماء الثقيل مع الماء العادي في معظم الصفات الكيميائية، غير أن درجة الغليان للماء الثقيل تصل إلى 101.4 درجة مئوية، في حين تصل درجة التجمد إلى 3.8 درجات مئوية. ويوجد الماء الثقيل في الطبيعة مختلطاً بالماء العادي، ولكن بنسبة قليلة (جزء ماء ثقيل في 6500 جزء ماء عادي).

          ويرجع تاريخ الحصول على الماء الثقيل بصورة نقية إلى عام 1933، حينما نجح العالم جيلبرت نيوتن لويس Gilbert Newton Louis في الحصول على الماء الثقيل، عن طريق التحليل الكهربائي للماء العادي. ويستخدم الماء الثقيل في دراسة التفاعلات الكيميائية المختلفة، ومبرداً في المفاعلات النووية.



الصفحة الرئيسية