غسيل الاموال جريمة عصر العولمة

بقلم : خالد قعدان

مقدمة

من أخطر الجرائم التي ظهرت في عصر الاقتصاد الحالي ما تعرف بجريمة غسيل الاموال هذه الظاهرة التي بدأت تنمو تدريجياُ بنمو و تطور عصابات الجريمة المنظمة (المافيا) التي تتخذ من تجارة المخدرات و الاسلحة غير المشروعة وأعمال السرقة و الابتزاز حرفة لها فبعد إشتداد خناق الاجهزة الاتحادية الامريكية على أعمال تلك العصابات عمدت المافيا الى إضفاء صفة الشرعية على الاموال المتحققة من الاعمال الغير شرعية حتى يتسنى لها متابعة نشاطاتها و توفير السيولة اللازمة لتمويل أعمالها الاجرامية وقد أدت عمليات مضاربة تلك الجماعات في الاسهم الى خسارة المستثمرين الاصليين في السوق الامريكية خلال تلك الفترة.

فغسيل الاموال جريمة ناتجة عن أعمال وأنشطة إجرامية حققت عوائد مالية ضخمة هذه الاموال القذرة الناتجة عن اعمال غير شرعية كان مصدرها الكبير من تجارة المخدرات الامر الذي دعا الى محاربة ظاهرة غسيل الاموال من خلال محاربة تجارة المخدرات ولكن هذه الفكرة بدأت بالتغيير شياً فشيئا في ظل الانفتاح العالمي و ارتباط الاسواق الدولية بعضها ببعض فأصبحت أعمال التجارة بالاسلحة و تجارة القمار وتجارة الرقيق و الدعارة تتم من خلال شبكة الانترنت و عبر الكمبيوتر و الياته الالكترونية فاصبحت الجريمة تتم و تنظم الكترونياً و بتحقيق ارباحاً طائلة  الى جانب تجارة المخدرات , غير أن إقتصار هذه الظاهرة على العصابات و رجالات المافيا أمر فيه تهرب من الواقع خصوصاً إذا ما علمنا تورط دول و حكومات في مثل هذه العمليات .

وسواء كانت عملية غسل الاموال تتم بالطرق التقليدية أو بالطرق الالكترونية فإن المتجرين بها يعبرون عن نشاط تعاوني بشكل إجرامي تتلاقى من خلالها أيدي خبراء المال و البنوك مع جهود الاقتصاديين و المجرمين وتتجاوز العمليات الحدود الجغرافية لتضفي سمة العالمية ولجعلها منظمة جرمية متخصصة ومن هنا دار الحديث عن تكاثف دولي لمكافحة هذه الانشطة و بالرغم من تعدد وسائل غسيل الاموال بالتوجه لتحويل الاموال القذرة الى موجودات وأصول ثمينة وعقارات الا أن العمليات المصرفية ما زالت تحتل المرتبة الاولى لممارسة هذا النشاط نظراً لما تلعبه من دور في تقديم مختلف الخدمات المرتبطة بعمليات الصرف و الايداع و التحويل و غيرها .

 

 

 

غسيل الاموال المفهوم و المدى

إن لمصطلح غسيل الاموال العديد من التعريفات الا أنها متفقة في المضمون فقد عرفته اللجنة الاوروبية لغسل الاموال عبر دليلها بأنه (عملية تحويل الاموال المتحصلة من انشطة جرمية بهدف اخفاء او انكار المصدر غير الشرعي والمحظور لهذه الاموال او مساعدة أي شخص ارتكب جرما ليتجنب المسؤولية القانونية عن الاحتفاظ بمتحصلات هذا الجرم ) فبناءاً على هذا التعريف فإن غسل الاموال هو إظهار الاموال المتحصلة من جرائم الاتجار بالتجارة غير المشروعة مثل المخدرات و الارهاب والقمار و غيرها بصورة أموال تتمتع بقانونية المصادر وشرعيتها ويعود مصطلح غسيل الاموال الى عصابات الجريمة المنظمة من حيث المصدر ، هذه الجماعات التي تمتلك اموالا كبيرة ناجمة عن عمليات محرمة مثل المخدرات و القمار .. وغيرها فقد ارادت هذه العصابات حل مشاكل السيولة و عدم قدرتها الاحتفاط بالاموال داخل البنوك فعمدت الى إضفاء صفة الشرعية على مصادر أموالها المحرمة من خلال غسل الاموال ، وهذه الجريمة لا تقتصر على مرتكبها فقط و إنما تتعداه الى كل من شارك بها من مساهمين و متدخلين و مستفيدين وكل من اخفى معلومات أو انكر حقائق تتعلق بطبيعة المصدر او بعلاقة الملكية .

وقد ظهرت إحدى وسائل غسيل الاموال في بداية الثلاثينيات بصورة غير مباسرة وبقضية تهرب من الضريبة ولم تكن تعرف أنذاك بهذا الاسم الا أن المصطلح ظهر بشكل مباشر على صفحات الجرائد في خلال فضيحة ووترجيت في السبعينات  ورفعت أول دعوى قضائية في أمريكا في الثمنيينات .

 

مراحل عملية غسيل الاموال

تمر عملية غسيل الأموال بثلاث مراحل هي

المرحلة الأولى:  PLACEMENT وتسمى مرحلة الإحلال ، وتبدأ بقيام غاسل الأموال، بمحاولة إدخال الأموال النقدية المتأتية من نشاطه غير المشروع إلى النظام المصرفي و الهدف منها التخلص من كمية النقود الكبيرة في يدي مالكها وذلك بنقلها الى المكان الهدف.

المرحلة الثانية : ALYERING وتسمى مرحلة التغطية ، حيث يتم طمس علاقة تلك الأموال مع مصادرها غير المشروعة من خلال القيام بالعمليات المالية والمصرفية المتتالية.

المرحلة الثالثة: INTEGRATION  وتسمى مرحلة الدمج، حيث يتم من خلالها دمج الأموال المغسولة في الاقتصاد بحيث يصبح من الصعوبة التمييز بينها وبين الأموال من مصادر مشروعة .

ومن الممكن أن تتم كل مرحلة بشكل مستقل عن الاخرى كما يمكن حصولها مرة واحدة ولكي يكتب النجاح لعملية الغسل لا بد من إخفاء مصدر المال الحقيقي وترتيب عملية الغسل مع ضرورة تعدد اليات الغسل .

 

غسيل الاموال ونمط الجريمة

يعاقب القانون كل شخص له علاقة بعمليات غسل الاموال بدءاً من المعرفة الى التطبيق حيث تعتبر عملية غسل المال جريمة أساسية بإمتلاك الشخص للمال غير المشروع مع تواجد النية لديه لغسلها ومع علم كل من ساهم بإيجاد الترتيبات اللازمة لعقد الصفقات فإن الجريمة تطاله إذا توفر العلم والنية لتنفيذ النشاط كما تطال الجريمة كل من إمتلك أو إحتفظ بالمال المغسول طالما كان عالماً بذلك و عدم الابلاغ عن انشطة غسيل الاموال المشبوهة ، او عدم منعها او الاهمال في كشفها ، او مخالفة متطلبات الابلاغ عنها تعتبر كذلك جريمة .

 

الجريمة أمام القضاء

قامت العديد من الدول في مختلف انحاء العالم بسن قوانين لمحاربة غسيل الاموال ففي وقت مضى كان الاعتقاد السائد بأن يد القضاء لا تطال الاشخاص (مؤسسات أو أفراد) الذين يمارسون عملية غسل الاموال في دولة يكونون هم خارج نطاق محاكمها الا أن هذا الاعتقاد بدأ بالزوال خصوصاً بعد حالات عملية أثبتت ذلك مثل رئيس الوزراء الاوكراني السابق (لوزارينكو) الذي اتهم بغسل الاموال من قبل قضاء سويسرا والذي حاول طلب اللجوء السياسي الى امريكا للتهرب من القضية ليلقى نصيبه من التهم هناك .

 

طرق غسيل الأموال

تتم عملية غسيل الاموال من خلال احدى الطرق التالية و بأشكال عديدة :

*  التسهيلات المصرفية .

* تعاملات ذات صلة بالاستثمار .

*  الخدمات المصرفية الإلكترونية .

*  المعاملات المصرفية والمالية الدولية .

* تنفيذ  المعاملات المالية والمصرفية التي تتم نقدا من خلال حسابات الأشخاص .

 

 

موقف الاسلام تجاه غسيل الاموال

حرم الله سبحانه وتعالى جميع مصادر الاموال الحرام ودعا الى التجارة في المال الحر الخالي من أي دنس والى تملك المال الحلال فقد حرم تملك كل شيء من شأنه ايقاع الضرر بالنفس و بالغير كما حرم الاتجار به و دعى الى الكسب الحلال و أمرنا به فتجارة المخدرات و الرقيق و الاتجار بالدعارة و القمار و الاسلحة غير المشروعة وهي المصادر غير الشرعية التي تدخل بها عملية غسل الاموال كلها نهى الاسلام عنها .

 

البنوك ومكافحة الجريمة

لا بد من إتخاذ وسائل الحيطة والحذر في تعامل البنوك مع الانشطة المصرفية المختلفة نظراً لان تركيز غاسلي الاموال يتم على هذه البنوك بإعتبارها مرتعاً خصباً لتجارتهم خصوصاً إذا كانت الدول التي ترعى هذه البنوك او التي في ضيافتها تعاني من عجز في النظام الرقابي العام للدولة وعليه يجب (1) تبني مزيداً من الاجراءات الفاحصة لمسلكيات العمل داخل البنوك وإستعراض لمجموعة من القواعد (2) التحقق من شخصية العميل خصوصاً الشركات و المؤسسات مع عدم التفريط في أي معلومة مهما كانت (3) عدم قبول أي عميل يخفي معلومات سواء كان عن قصد أو عن غير قصد (4) يجب الانتباه الى أن المنظمات التي تعمل في غسيل الاموال عادة تغاير أنشطتها (5) تقديم تقارير دورية حول نشاط البنك مع تحليل لها.

الاثر الاقتصادي لغسيل الاموال

أشارت بعض التقديرات الى ان حجم الاموال التي يجري غسلها في العالم تقدر بما بين نصف تريليون وثلاثة تريليونات دولار سنوياً بينما ترفع تقديرات أخرى هذا الرقم الى ما بين 1.5 تريليون و3 تريليونات دولار سنويا، أي من خمسة الى عشرة في المائة من الناتج المحلي الاجمالي لجميع دول العالم و عليه فان ظاهرة غسل الأموال تضعف من قدرة السلطات والقيادات الاقتصادية على تنفيذ برنامجها المالي وتحقيق أهدافها الكلية فالتحويلات المالية الكبيرة والمكثفة في حركة الاموال المغسولة تؤثر سلبيا على أسواق المال ومستويات أسعار الصرف والفائدة وتضعف الثقة في الاقتصاد الوطني كما لا ينبغي أيضا اهمال دور غسل الاموال في الانشطة الاجرامية والاخلاقية والاجتماعية والنفسية المرتبطة بها بما في ذلك التأثير السلبي على عدالة توزيع الموارد والثروات ومستوى دخل الفرد وما ينجم عنه من فرض القيم الفاسدة على المجتمع وحماية مصلحة فئة خارجة على القانون .

 

غسيل الاموال و تبييض الاموال

لا بد من الاشارة هنا الى أن مفهومي غسيل الاموال و تبييص الاموال و إن إختلقا في التعبير فإنهما يلتقيان في المضمون وهو اللجوء الى الطرق المختلفة من أساليب التحايل و الخداع من أجل إضفاء صفة الشرعية على الاموال المتحصلة من المصادر الغير شرعية للاموال التي سبق الاشارة الى بعض منها مثل تجارة الرقيق و المخدرات و تجارة الاسلحة غير الشرعية والسرقات و الاموال المتحصلة من الرشاوى و غيرها .. .

 

 للخلف

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

21/2/2005

                                                                                  kh