الأثر الاقتصادي لثورة الاتصالات
1.
الأثر الاقتصادي
مع
ثورة المعلومات، وتكنولوجيا الاتصال، دخل العالم المتقدم إلى مرحلة الاقتصاد
الرقمي، الذي يعتمد على تدفق المعلومات والبيانات، لمصحلة المعاملات
التجارية، وإنجاز الأعمال عبر شبكة الإنترنت. وأصبح تعبير الحكومة
الإلكترونية، تعبيراً شائعاً، في العديد من دول العالم؛ إذ إنه علامة للتيسير
في المعاملات، والسرعة في إنجازها، واختصار الجهد والوقت، ومؤشراً إلى
المهارة في العمل. كما أصبح العالم يعرف الكثير عن منظمة التجارة العالمية،
والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، بصفتها مراكز مالية، تسيطر على حركة
الاقتصاد العالمي.
في
عصر ثورة المعلومات، يعتمد الاقتصاد الرقمي، أساساً، على إنتاج التكنولوجيا
الحديثة وتوزيعها واستخدامها، في مجال المعلومات والاتصالات. ويركز في
الاستغلال الأمثل لموارد المجتمع المحدودة، في جميع مراحل الإنتاج والتوزيع؛
مع الاعتماد شبه الكلي على المكون التكنولوجي في الإنتاج، مقابل الوفر الشديد
في عناصر الإنتاج الأخرى، من مواد خام، وعمل، ورأسمال؛ وكذلك الاستثمار
المتزايد في هذا المكون، خاصة في البحوث والتطوير، وفي تنمية القدرات
والمهارات البشرية؛ بهدف توسيع دائرة الاستغلال الأمثل لها في القطاعات كافة.
ومن المعروف أن معظم مكونات ثورة الاتصالات، والاقتصاد الرقمي، تُنتج في دول
آسيا، حالياً، مثل: الهند، والصين، وإندونيسيا، وماليزيا؛ بل إن معظم برامج
الحاسب، تُعَدّ، حالياً، في العديد من دول العالم
النامي.
إن
البنية الأساسية التحتية للاتصالات، هي العمود الفقري لتطبيق مجال واسع من
خدمات الاتصال والوسائط المتعددة؛ فخدمة شبكات الهاتف، هي أساس المشاركة في
مجتمع المعلومات العالمية وأسواقها، وما يتبعها من تنمية للثروات. إن جودة
البنية التحتية للاتصالات، أصبحت عاملاً منافساً في جذب الاستثمارات الأجنبية
المباشرة؛ فالدول التي لا يمكنها تحمّل الحصول على أحدث تقنيات الاتصال،
وبنية تحتية، وأنظمة اتصالات متطورة؛ ولا تمتلك المقدرة على بناء التقنيات
المرتبطة بها وتشغيلها وإدارتها وصيانتها ـ لن تتمتع بمميزات ثورة الاتصالات
في جذب الاستثمارات إليها.
والعالم
يشهد، اليوم، فقراً وثراءً في عالم الاتصالات والمعلومات، حتى إن الدول
النامية أصبحت مهددة بالتعرض لتبعية الدور، أو تهميشه، أو ابتعادها تماماً عن
حلبة السباق. لقد أسهمت ثورة الاتصالات في إدارة الموارد البشرية من بعد،
وسيساعد ذلك على إعادة توزيع الثروة البشرية، طبقاً للحاجة إلى التخصصات
المختلفة في العالم. ويُستفاد، في عمليات العرض والطلب، من وسائل الاتصال
الحديثة في تغيير الأنماط، واختيار البدائل المتاحة، وتعديل الصفقات
التجارية، واستنباط أساليب جديدة في التحكم في مصادر الإنتاج وتمويلها؛ إلى
أن ظهر، حديثاً، ما يسمى بالتوقيع الإلكتروني، لسرعة إنجاز الاتفاقيات
التجارية. من التأثيرات الواضحة كذلك سهولة عمليات الرقابة على الأعمال،
وبالتالي إمكانية إعادة هيكلة الإدارة في المشروعات، التي تعتمد على الأيدي
العاملة؛ ما سيسهم في تعديل نُظُم العمل والرقابة
المركزية.
وفي مجال المال والبنوك،
تحسنت الخدمة وضبطت القوائم المالية بصورة دقيقة. وقد ربطت ثورة الاتصالات
العالم، من خلال شبكات عملاقة، تسمح لرؤوس الأموال، أن تنتقل بيسر عبر الحدود
الدولية، في عملية ضخمة لنقل الثروات.
وأهم
تأثيرات ثورة الاتصالات، في المجال الاقتصادي، كانت في قطاع النقل
والمواصلات؛ فلا يستطيع أحد أن ينكر الدور الرئيسي للاتصالات الرقمية في
إشارات المرور وحركتها، وخدمة مراكز الاتصال والمقاسم الهاتفية، وأسلوب الحجز
في السكك الحديدية والطائرات والسفن.
2.
الأثر العسكري
تمثل
الاتصالات العصب المحوري للأداء العسكري الحديث، فالحرب أحد الأنشطة البشرية،
التي صاحبت تطور الحضارة الإنسانية عبر التاريخ، وتفاعلت معها تفاعلاً
إيجابياً. ولم ينعزل الأداء العسكري عن ارتباط المجتمع البشري بضرورة توفير
وسائل الاتصال بين الجماعات المختلفة؛ متغلباً على عوائق المسافة والزمن
والموقع، وتطويعها لمصلحة الأعمال العسكرية.
وقد
أسهمت ثورة الاتصالات في تبادل المعلومات ونشر الأوامر، بين الوحدات
المقاتلة، وبينها وبين قياداتها المختلفة، للتنسيق وتحقيق السبق والمفاجأة.
وقد أنشئت لتنفيذ هذه المهامّ وحدات متخصصة بالاتصالات
Signal
units، لاستخدام جزء من معدات الاتصال، إلا تلك اللاسلكية، التي
أصبحت مكوناً عضوياً، ضمن معدات ونُظُم القتال الحديثة؛ فالطائرة، والسفينة
الحربية، والدبابة، وعربة القيادة، تزخر بمعدات اتصال مختلفة، تغطي حيز الطيف
الكهرومغناطيسي برمّته، وتحقق مهامّ مختلفة، أهمها الربط بين المستويات:
الدنيا والعليا، وتيسير أعمال إدارة المعركة، وتوفير والإنذار توصيله،
والمراقبة، وإدارة النيران والرماية الدقيقة.
وقد
استخدم الحاسب الآلي والمعالجات الدقيقة في تنظيم الاتصالات، والتحكم في
مراكزها، وإدارة عملية الاتصال، وفقاً لقرار القائد؛ فأدى الحاسب الآلي دوراً
مهماً وحيوياً في إدارة الاتصالات العسكرية وتنظيمها. فهو يعمل على تحقيق
أفضل استخدام للإمكانات المتاحة؛ ويحدد أمثل الترددات، طبقاً للوقت ليلاً أو
نهاراً، صيفاً أو شتاءً؛ وكذلك طبقاً للموقع؛ وطبقاً لاستشعار الأعمال
العدائية في تداخل الاتصالات وتعويقها؛ وكذلك طبقاً لكثافة حركة الاتصالات
الصديقة، وحمايتها من التداخل الصديق، الذي قد يقلل كفاءة الاتصال؛ ووصْل
طالب الخدمة بالجهة المطلوبة، من خلال أصلح مسار، وباستخدام أفضل وسائل
متاحة، وأكثرها سلامة وأمناً؛ مع استخدام أقلّ قدرة تراسل، تحقق وصول الرسالة
إلى الجهة المعنية بالاتصال، وحرمان العدوّ التقاطها.
وقد
وفرت ثورة الاتصالات جهازاً قوياً، يربط مراكز القيادة واتخاذ القرار في أيّ
قوات مسلحة حديثة. ونظراً إلى دقة المعلومات والأوامر والتعليمات المتداولة
على شبكات الاتصال العسكرية، أصبح لزاماً على القائمين عليها، العمل في
اتجاهَين متوازيَين في وقت واحد، لتأمين اتصالاتهم، وحرمان العدوّ الحصول على
أيّ معلومات عنهم؛ وذلك باتخاذ إجراءات تنظيمية، يلتزم بها مشغلو ومستخدمو
تلك المعدات، وبعض الإجراءات الفنية، التي تتركز في استخدام معدات وتقنيات
خاصة ومتقدمة، تعمل على تشفير وتكويد الرسائل المتبادلة بصورة آلية.
أثرت
ثورة الاتصالات الحديثة في نُظُم الاتصالات العسكرية تأثيراً بالغاً. فقد
أسهمت تقنياتها في زيادة درجة الثقة بنُظُم الاتصال العسكرية. وعملت على
توفير الاستمرارية لها، تحت مختلف ظروف ميدان القتال. وأضافت إلى مراكز
الإشارة العسكرية تنوعاً كبيراً بالإمكانيات المتاحة، بدءاً بالمواصلات
الخطية، إلى شبكات اللاسلكي، والموجات المتناهية القصر، ووصلات نقل البيانات،
وأقمار الاتصالات العسكرية الخاصة. كما زادت من قوة وسائل الشفرة والسرية
وتأمين الاتصال. وحسنت إمكانيات: مادية وبرمجية، تقاوم عوائق العدوّ
الإلكترونية، وتقلل من تأثيرها في جودة الاتصالات الصديقة
ووضوحها.
ومن
أهم تأثيرات ثورة الاتصالات، في المجال العسكري، زيادة وضوح وكفاءة نقل الصوت
والصور والبيانات والنصوص، من مكان إلى آخر، بمنتهى الدقة والسرعة والتنظيم،
من خلال وسائل فنية متعددة، تحرم العدوّ اعتراض تلك الاتصالات وتنصت مضمونها.
ومن تلك التقنيات استخدام القفز الترددي؛ والطيف الموسع؛ وأنواع تعديل
متقدمة، مثل: التقسيم الزمني، والتقسيم الترددي، والتقسيم الكودي، أو استخدام
خليط من هذه الأنواع مجتمعة.
وقد
أسهمت تقنيات الاتصال الحديثة في توفير مراكز الاتصال ونُظُمه الملائمة.
فتوزعت معداتها ووسائلها البرية داخل عربات أو مدرعات خاصة، أو داخل مواقع
حصينة. وهناك مركز الإشارة الطائرة على متن طائرات النقل، أو الطائرات
العمودية، والتي تستخدم لأغراض وعمليات خاصة. كما وفرت تلك المراكز والنُظُم
هيكلاً أساسياً لشبكة الاتصالات العسكرية، التي تضمن إمكانيات اتصال موثوقا
بها، دائمة؛ مع إمكانية نقل البيانات الرقمية، وصور الخرائط؛ وإتاحة عقد
الاجتماعات بين القادة والمرؤوسين، وكلٌّ منهم في مركز قيادته، يباشر أعماله،
ويدير معركته.
كما
أسهمت تقنيات ثورة الاتصال في تطوير نُظُم التسليح المختلفة. وعملت على رفع
كفاءتها، وزيادة قدرتها على إنتاج النيران؛ مع توفير أكبر قدر من المرونة،
وتقليل زمن رد الفعل إلى أقلّ زمن ممكن. ومن أمثلة تلك الأنظمة، الوسائل
الصاروخية للدفاع الجوي، التي تعمل على اكتشاف الطائرات المعادية المغيرة
وتتبعها وتدميرها؛ فتؤدي دوراً بالغ الأهمية في منظومة الدفاع الجوي، إذ تربط
بين عناصر الإنذار والاكتشاف والتتبع، وتنقل المعلومات المتاحة، والموقف
الجوي، إلى مركز القيادة، الذي يتخذ القرار، ويصدر الأوامر مباشرة إلى قيادة
محطات الصواريخ، لإعدادها للإطلاق، في الوقت الملائم.
إن
التحول إلى الآلية الكاملة في مراكز القيادة على المستويات كافة، وآلية نُظُم
التسليح المختلفة، أدى إلى سعي الدول المتقدمة إلى جَعْل نُظُمها ومعداتها
كافة، تستخدم الأساليب والأنماط الرقمية؛ وهي العملية التي أطلق عليها:
"تحويل ميدان القتال إلى الأساليب الرقمية
Digitization
of the Battlefield". وسرعان ما أصبح ذلك التحويل هدفاً إستراتيجياً للدول
المتقدمة، إذ تسعى الولايات المتحدة الأمريكية، حالياً، إلى التمكن، في
السنوات القليلة المقبلة، من خفض الزمن اللازم لضرب موقع صواريخ باليستية إلى
عشرة دقائق فقط؛ وذلك كلهّ من خلال الاعتماد على تقنيات ثورة
الاتصالات. |