النظام الأيكولوجي

أ. نشأة مفهوم النظام الأيكولوجي وتطوُّره

        أصبحت الحاجة، في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، أكثر إلحاحاً على إعادة النظر في أسلوب التحليل البيئي. وغدت المجتمعات تمارس ضغوطاً في هذا الاتجاه، مع ظهور المشكلات البيئية وتفاقمها، وتهديدها للأحياء. ولقد ظلت المجتمعات الصناعية، على وجه الخصوص، تعامل البيئة على أنها مصدر مضمون، لا يضيره استنزاف موارده؛ وذلك حتى أواخر هذا القرن، حين بدأ الاتجاه نحو تحقيق فهْم أفضل، للعلاقة بين المجتمع والبيئة الطبيعية، بدلاً من التسابق إلى استنزافها. وتحقيق الموازنة، بين تلبية حاجات المجتمع والمحافظة على البيئة، يتطلب فهماً أفضل لعملياتٍ، مثل: تدفق الطاقة، والدورات الجيوكيماوية الحيوية، وكيفية تسخيرها في إشباع حاجات الإنسان، على المدى الطويل. والاستمرار في هذا المنحى، مع التقدم العلمي والتقني، سينجم عنه تطوير أساليب جديدة في التعامل مع عناصر البيئة، وتغير طبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان. ومع تبني هذه المفاهيم، كان لا بدّ من تطوير أُطُر فكرية جديدة، لتحليل العلاقة بينهما.

1- استخدام نظرية النُّظُم في تحليل العلاقات البيئية

        تقوم فكرة النظرية على تقسيم البيئة المحيطة، إلى عدد من النظُم المترابطة لكلٍّ منها حدود واضحة؛ ويمكن قياس مدخلاته ومخرجاته من الطاقة والمادة؛ وهو مكون من عدد من العناصر، التي تتفاعل في داخله (الشكل الرقم 160)؛ وترتد آثار بعض مخرجاته على التفاعلات الداخلية.

        قد يكون التعريف بنظرية النظُم مدخلاً مفيداً، لمناقشة موضوع العلاقات البيئية مناقشة كلية. وهي، من منظور بيئي، تحدد العلاقات المتبادلة، في الطبيعة. كانت بداية فكرة النظرية على يد العالم البيولوجي، "لودويج فون بيرتيلانفي" Ludwig Von Beralanffy، في العشرينيات من هذا القرن، في إطار محاولته تأكيد القوانين، التي تحكم حياة المخلوقات الحية. وقد استخدمت الفكرة، لاحقاً، عام 1949، في دراسة آلية الضبط في العلاقات الطبيعية. وهذه الفكرة، التي تقوم على تقسيم الكل إلى عدد من النظُم المترابطة، فحواها أن التغير في أحد عناصر النظام، سيقود، حتماً، إلى تغيرات متفاوتة في جميع العناصر الأخرى.

اقترح عالِما الجغرافيا الطبيعية: تشورلي وكيندي Chorley, & Kenndy في أوائل السبعينيات، في كتابهما: "الجغرافيا الطبيعية: بطريقة النظم "Physical Geography: A System approach"، استخدام النظرية الآنفة في تحليل الظاهرات الجغرافية. وقَدَّماها كأداة لتقسيم كلِّ معقد، هو البيئة، إلى أنظمة فرعية مترابطة Subsystems؛ قد يرتبط بعضها بتفاعلات طبيعية، وبعضها الآخر بتفاعلات بشرية. لذا، فالنظرية تسهل التعامل مع أنظمة فرعية، مرتبطة بمؤثرات مختلفة، وتحكمها نظُم تفاعل مختلفة؛ وتحافظ على النظرة الكلية بتحليل التفاعل بين الأنظمة الفرعية.

        يعزى الاستخدام الواسع لنظرية النظُم، في العلوم الطبيعية، إلى أنها تعطي الباحثين إطاراً، لتحديد وقياس عناصر النظم البيئة وعملياتها وتفاعلاتها ومدخلاتها ومخرجاتها؛ ما يسهّل التنبؤ باتجاهات تغيُّرها، وطبيعة استجابتها للتغيرات المتوقعة.

        في الواقع، كل النظم البيئية نظم مفتوحة، تعبُر المادة والطاقة حدودها، في الاتجاهين. وهي، بطبيعتها، في حالة استقرار ديناميكي؛ إذ تتوازن عناصر النظام، وعملياته، ومدخلاته، ومخرجاته. ويحافظ على هذه الحالة من التوازن، بآلية للضبط الداخلي، يطلق عليها آلية التغذية السلبية الراجعة Negative Feedback Mechanism . فالتوزيع غير المتوازن لحرارة الكون، مثلاً، يقابله الدورة الهوائية، التي تنقل الطاقة الحرارية، من المناطق المدارية نحو القطبَين. وعلى النقيض من ذلك، فإن لآلية التغذية الإيجابية الراجعةPositive Feedback Mechanism أثراً معاكساً تماماً؛ وهي عامل أساسي من عوامل التغير البيئي. ومثال ذلك، تدمير الغطاء النباتي، يقود إلى تعرية التربة؛ وتعرية التربة، تحُول دون نمو الغطاء النباتي، مرة أخرى. ولكن التغذية الإيجابية الراجعة، تحدث، عادة، بالتدريج؛ وذلك لأن النظُم البيئية، بتفاعلاتها الداخلية، وتغذيتها السلبية الراجعة، تميل إلى استعادة التوازن، وعدم التغيير؛ فيكون هناك وقت، بين التغير في المدخلات، أو محفزات التغير، والاستجابة، أو التغير في مخرجات النظام؛ وذلك باستثناء الكوارث الطبيعية، كالثورانات البركانية، أو الزلازل.

        كان المحفز الرئيسي للتغدية الإيجابية الراجعة، في النظُم البيئية، وللتغيرات البيئية، خلال العصور الجيولوجية، هو التغيرات المناخية. ولكن، في الفترة الأخيرة، أصبح النشاط الإنساني، هو أكثر عوامل التغذية الراجعة الموجبة فاعلية. والواقع، أنه لا يوجد نظام من الأنظمة البيئية الكثيرة، لم يتأثر بالأنشطة البشرية. وفي معظم الحالات، كان التأثير متعمداً من قبل الإنسان، مثل قطع الغابات في أوروبا، سابقاً، وفي المناطق المدارية، حالياً. وفي كثير من الحالات، أمعِن فيه، فأسرِف، مثلاً، في استعمال الوقود الأحفوري ، الذي ظهرت آثاره، في الوقت الحاضر، في الضغط الحمضي على الأنظمة الأيكولوجية. وبدأ العالم، الآن، يتنبه لاحتمال ارتفاع متوسط درجة الحرارة العالمي، الذي يمكن أن ينتج من ازدياد تركّز غاز ثاني أكسيد الكربون، والغازات الحابسة الأخرى، في الغلاف الغازي.

        التغيرات المذكورة، وغيرها كثير، نجمت عن تأثر آلية الضبط الداخلي لأنظمة سطح الأرض، بمؤثرات خارجية، معظمها بشرية، أو ناشئة عن النشاط البشري. وتحولت إلى مشكلات مزمنة؛ لأن التغذية الإيجابية الراجعة، كانت أقوى من عوامل التوازن داخل الأنظمة البيئية؛ ما أدى تغيرات ملحوظة. نظرية النظُم تقدم إطاراً عملياً، يمكن من خلاله تطوير حلول لمشكلات مزمنة، الحيلولة دون نشوء مشكلات جديدة وتفاقمها؛ مع أن ذلك يتطلب تحليلاً مستفيضاً للعلاقات المتبادلة، بين نظُم سطح الأرض، وفي داخلها والأصعب من ذلك، أنه يتطلب تحديد القيم الحرجة Thresholds . إن تحديد القيم الحرجة، سيكون خطوة بعيدة المدى، للحيلولة دون تدهور المصادر؛ وهو أمر حيوي، عند استبدال سياسة المحافظة بسياسة الاستنزاف والتدمير. مثلاً، كم من الغطاء النباتي، في منطقة ما، يمكن أن يزال قبل أن تحدث تعرية فعلية للتربة؟ أو ما هي المحاصيل، التي يمكن زراعتها، لتوفر للتربة أقصى قدر من الحماية من التعرية؟ يقول آرثر تانسلي Arthur Tansley 1935، في العلاقة بين النظام الأيكولوجي والنظُم العامة: "إن المفهوم الأساسي، هو النظام الشامل، الذي لا يقتصر على الأحياء فقط؛ وإنما يشمل، كذلك، العوامل الطبيعية المعقدة، التي تشكل ما نسميه البيئة".

        كما استخدمت نظرية النظُم، كمنهج لفهْم التفاعلات الاجتماعية. ولكن، لم تثبت فاعليتها في تحليل التفاعلات، الاقتصادية والاجتماعية، المتبادلة؛ لسببَين:
أولهما: أن قدرة الباحثين والعلماء في العلوم الاجتماعية، على إدراك وتحديد العلاقات المتبادلة بين الأنظمة الاجتماعية الفرعية Social Subsystems ـ محدودة، لا تسمح بتطبيق نظرية النظُم؛ وذلك على الرغم من التقدم، الذي أحرزه العلماء، في فهْم تركيب الجماعات واتجاهاتها، في العلاقات، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. وهذا لا يعني أن نظرية النظُم غير ذات فائدة، في هذا الجانب؛ ولكنها، بالتأكيد، ليست الأسلوب الأمثل للتحليل، في الوقت الحاضر.

        ويُنْتَقَد على تطبيق نظرية النظُم على الجوانب البشرية، أنها لا تراعي روح الإبداع والابتكار، في المجتمعات البشرية؛ فعلى الرغم من الفهْم القاصر للمجتمعات، فإن كثيراً من العلاقات والروابط، الاجتماعية والسياسية، التي تقوم بين الناس، يمكن تحليلها، لبلوغ درجة أفضل من الفهْم، وللوصول إلى توقعات مستقبلية. وذلك واضح في العلاقات الاقتصادية، مثلاً؛ إذ أمكن الوصول إلى توقعات قصيرة الأجل، ناجحة، لردة فعل الناس، حيال بعض التغيرات الاقتصادية. ولكن بني الإنسان قادرون على ابتكار سُبُل جديدة، لتنظيم أنفسهم، بل يمكن أن يغيروا قِيمهم وتنظيماتهم السياسية. وهذه التغييرات، تعني أن التحليلات السابقة، فقدت فاعليتها؛ وأن مناهج جديدة لتوقع التغييرات الاجتماعية وفهمها، باتت مطلوبة. ومع أن نظرية النظُم قادرة على تحليل النظْم البيئية الديناميكية، إلى أنها عاجزة عن ملاحقة التغييرات المتجددة في العلاقات البشرية، التي هي من خصائص الأنظمة البشرية.

        على الرغم من الحماس، الذي حظيت به نظرية النظم، من علماء الاجتماع، في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، إلا أنها لم تتمخض بفهْم أعمق للمجتمع البشري. ولم يتمكن مستخدموها من إثبات أن استخدامها في فهْم المجتمع، من خلال تحليل التفاعلات المرافقة للعمليات الاجتماعية المعقدة ـ أشدّ فاعلية في تحليل التغيرات الاجتماعية، من الأساليب الأخرى. وعلى الرغم من قصورها عن تحقيق النجاح المطلوب، فإن هناك اتجاهاً، في الوقت الحاضر، لبناء نماذج تحليلية، على أساسها. وسبب انبعاث هذا الاتجاه من جديد، هو تجدد الاهتمام بالمشكلات البيئية العالمية، والحاجة إلى الوصول إلى سيناريوهات محتملة للتغيرات المستقبلية، التي قد تنتج من تبنِّي سياسات معينة.

2- ما النظام الأيكولوجي؟

        إن مصطلح النظام الأيكولوجي، لا ينفصل عن نظرية النظُم، ما دام يمثل نوعاً من النظُم البيئية، التي تشتمل على مخلوقات حية؛ بل إنه أكثر قبولاً منها، كأساس لإطار شامل، للنظر إلى البيئة والمجتمع، كوحدة واحدة؛ إذ البشر أعضاء فاعلون، في النظام الأيكولوجي، مثل النبات والحيوان. ومن منظور زمني، فقد ظل الإنسان، عبْر جزء كبير من تاريخه، عضواً مكملاً للنظام الأيكولوجي، بدلاً من أن يكون متحكماً فيه.

        نحتت كلمة Ecosystem من كلمتَي Ecological System، المنبثقتَين من دراسة الأيكولوجيا، والمنحوتة من كلمتَين إغريقيتَين: أويكوس Oikos، بمعنى مَنزل؛ ولوقوس Logos، بمعنى دراسة؛ فالأيكلولوجيا، إذاً، هي علم دراسة الأحياء في مواطنها الطبيعية. وقد عرّفها عالم الحيوان الألماني، أرنست هايكل (Ernst Haekel, 1989)، عام 1869 بأنها "علم دراسة علاقة الأحياء بمحيطها الخارجي". وهي علاقة تتسع لتشمل كلَّ ظروف البقاء؛ وقد تكون مخلوقات أخرى أو جمادات، أطرافاً فيها. فالأيكولوجيا تركّز في العلاقات المتبادلة، بين العناصر العضوية وغير العضوية، في البيئة؛ وتطلق عليها مصطلح Ecosystem، النظام الأيكولوجي، الذي وضعه عالم الأيكولوجيا البريطاني، آرثر تانسلي.

        والنظُم الأيكولوجية Ecosystems، مثل النظُم العامة، تتكون من قطاعات، بينها تبادل، وعمليات مستمرة في حالة توازن ديناميكي، ما لم يخل بهذا التوازن. وهي تحافظ على حالة التوازن بواسطة ميكانيكية التغذية السلبية الراجعة. ويجري تغييرها والإخلال بها بوساطة آلية التغذية الإيجابية الراجعة، الناجمة عن تغيّر في المدخلات، أو تدخّل خارجي في تبادل الطاقة أو المادة داخل النظام. والأنشطة البشرية، هي المسؤولة عن كثير من عمليات التغذية الإيجابية الراجعة، التي تقود إلى التغيرات البيئية، متى ما اجتيزت حدود القيم الحرجة.

        يمثّل تدفق الطاقة قلب العمليات، التي تحدث في النظام الأيكولوجي؛ إذ إن تغذية الشمس الغلاف الغازي بالطاقة تحدد المناخ العالمي، وتفرض ظروفاً مناخية، هي من أهم العوامل البيئية التي تتحكم في نمو النبات، الذي يكوِّن الأخضر منه سبيل الحياة العضوية، على وجه الأرض. ففي عملية التمثيل الضوئي، يجمع النبات بين ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الغازي، والماء من التربة، والطاقة من الشمس؛ لإنتاج مادة عضوية، هي الكربوهيدرات،. الطاقة الشمسية، إذاً، تحوَّل إلى طاقة غذائية؛ لذا، يسمَّى النبات الأخضر مخلوقات ذاتية التغذية Autotrophs، لقدرتها على تحويل الطاقة إلى ماهية أخرى. والمادة العضوية المنتجة، الناتج الإجمالي الأولي لهذه العملية ـ توفر مصدراً للطاقة الغذائية، للمخلوقات الأخرى، عضوية التغذية Heterotrophic، التي لا تستطيع توليد طاقتها بنفسها. فالإنتاج الأولي، هو أساس الشبكة الغذائية؛ إذ إن العلاقات الغذائية، تميز النظام الأيكولوجي بكافة مستوياته. وكلُّ الحيوانات والبشر، يعتمدون على قدرة النبات على إنتاج الطاقة الغذائية. ولم يمكن العلم، بعد، تحسين هذه العملية؛ وربما كان ذلك ممكناً، باستخدام الهندسة الوراثية. وعلاوة على ذلك، فإن معظم المشكلات البيئية، المثيرة للجدل، حالياً، مثل: تدمير الغابات، وتعرية التربة، والتصحر ـ ناتجة بشكل مباشر من محاولة الإنسان تعديل القنوات، التي تسير في خلالها الطاقة، داخل النظام الأيكولوجي، بإحلال الأنظمة الزراعية محل الأنظمة البيئية الطبيعية.

        لقد عرض عالم الأيكولوجيا الأمريكي، "يوجين أوديم" (Eugene P. Odum, 1975)، عرضاً ميّسراً، أهمية مصطلح النظام الأيكولوجي، في اختبار العلاقة بين الإنسان والبيئة؛ وذلك بالتركيز في الدور الرئيسي لقنوات تدفق الطاقة، (الشكل الرقم 161). وفي نموذجه، تبدو الأنظمة، الحضرية والصناعية، التي تعمل بالوقود (المدن والمجتمعات البشرية)، مناطق مستهلكة للطاقة، ومنتجة للمخلفات. وهذه الطاقة المستهلَكة، تستمد من ثلاثة مصادر، هي: الأنظمة الأيكولوجية الطبيعية، والأنظمة الزراعية، والأنظمة الأيكولوجية القديمة (الوقود الأحفوري)؛ ما يوضح اعتماد المجتمعات على البيئة، في الغذاء والوقود. ويسفر إنتاج الغذاء والوقود واستخدامهما عن تراكم مخلفات، سببت أنواعاً عديدة من المشكلات البيئية؛ وقد تضعف أو تفسد الأنظمة الأيكولوجية الطبيعية.

        يتيح مفهوم النظام الأيكولوجي تفصيل الاعتمادية المتبادلة، بين البشر والبيئة الطبيعية، في الحصول على الطاقة. ولكن من الصعب استخدامه في اختبار تفاعل الناس والبيئة، إذا كان المطلوب توقع ردود الفعل البشرية المحتملة للتغيرات البيئية. في بعض الحالات، ربما يمكن النظر إلى الإنسان، على أنه مخلوق من المخلوقات الحية، التي يزخر بها النظام الأيكولوجي. ولكن، لأغراض أخرى لا بدّ من مراعاة الطاقة البشرية، والتنوع، والتعقيد في القِيم، والمحفزات، وكذلك البناء الاجتماعي والاقتصادي، وطريقة تعامل الناس والبيئة. مشكلات تطبيق مفهوم النظُم الأيكولوجية، على التصرفات البشرية، أوضحتها الانتقادات، التي وجهت إلى مدرسة شيكاغو الحضرية، المتمثلة في أعمال بارك وبرقيس (Park & Burgess)، في العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، حين استعارا أفكار، وآلية التتابع، والسيطرة، والسيادة في المجتمعات النباتية؛ لشرح أنماط استخدامات الأراضي، في مدينة شيكاغو الأمريكية.

3- فرضية جايا

أعلن هذه الفرضية، في منتصف الستينيات من القرن العشرين، العالم البريطاني المستقل ، "جيمس لوفلوك" James Lovelock، من كورن ويل Cornwall. وسماها باسم إله الأرض عند الإغريق . وتقول الفرضية، إن الأرض تنفعل، وكأنها كائن حي؛ وإن الأحياء، من نبات وحيوان وإنسان، تضبط درجة الحرارة، ومكونات سطح الأرض، بما في ذلك الغلاف الغازي.الأحياء على هذا الكوكب Earth's biota، هم، إذاً، جزء من نظام ضبط للظروف الملائمة للمعيشة، على سطح الأرض.

        أثارت هذه الفرضية جدلاً شديداً. فانتقد عليها معارضوها فكرتها الأساسية، القائلة بأن الأرض مخلوق حي؛ معارضة بذلك معارضة واضحة، نظرية دارون التطورية، التي كانت مقبولة لدى قطاع عريض من العلماء، حينها. كما أُخذ عليها صعوبة اختبارها. وعاب علماء الغرب انطلاقها من فلسفة غائية، قوامها أن التغيرات، تمهد لأهداف معينة؛ وأن هناك نهاية محددة للكون.

        إن نظرة لوفلوك إلى كوكب الأرض، على أنه كائن حي، يصعب إقرارها؛ إذ إن جزءاً كبيراً من مكوناتها غير عضوي. ولكن مؤيدي الفرضية، عدَّلوا في هذا الجانب قليلاً، فرأوا أن للأرض نظاماً واحداً، يسفر نشاط الأحياء فيه عن ضبط العلاقات، المتبادلة بين مكوناته غير العضوية. ولهذه النظرة شواهد مؤيدة كثيرة؛ فالأشجار مثلاً، تأخذ في عملية التمثيل الضوئي، ثاني أكسيد الكربون، من الغلاف الغازي، وتطلق الأكسجين؛ مؤثرة بذلك في تركيب ذلك الغلاف. زد على ذلك أن أنواعاً معينة من البكتريا، في التربة؛ وشعيرات الجذور لبعض النبات ـ تحوِّل النيتروجين من حالته الغازية، في الغلاف الغازي، وفي غازات التربة، إلى نترات، يمكن النبات أن يستخدمها مصدراً للنيتروجين.

        وفيما يتعلق بنظرية التطور، يجادل لوفلوك (1990) في النظرية التقليدية، يعيبها إعطاء دور سلبي للأحياء، في خلال تاريخ الأرض. كلٌّ من نظرية دارون التطورية، التي تقول بالتحول التدريجي المطَّرد Steady gradual evolution؛ ونظرية التحول المتقطع Punctuated evolutionary theory، التي تفصل فيها فترات من التغير السريع، بين فترات طويلة من الاستقرار ـ تقوم على أن التغير، يحدث استجابة للبيئة الطبيعية. وفرضية جايا تعالج هذا القصور، بالنظر إلى التطور، على أنه نتاج للعمليتَين مجتمعتَين. وعلاوة على ذلك، يجادل لوفلوك في أن الحياة والبيئة الطبيعية، تتغيران معاً، وليس إحداهما تتحكم في الأخرى. لذا، فالمسار التطوري، للأحياء وللبيئة الطبيعية، هو تبادلي، يعتمد فيه كلُّ منهما على الآخر؛ فالانتخاب الطبيعي Natural Selection، حسب رأيه، سيحدث إذاً، كما اقترح دارون؛ ولا تعارض بين النظريتَين.

        إن أكثر الاعتراضات على فرضية جايا، إثارة للجدل، هو عدم إمكانية اختبارها. ففي حين يمكن تأكيد بعض جوانب الفرضية، بالملاحظة، فإنه لا يمكن تأكيد أن العلاقة التبادلية، بين الأحياء وبيئاتها الطبيعية، هي أهم عامل، حدد طبيعة الحياة، وخصائص البيئة الطبيعية على الأرض. فمن جوانب النقاش، مثلاً، حقيقة أن نمو النباتات الخضراء، منذ 2500 مليون سنة، ساعد على بناء غلاف غازي غني بالأكسجين؛ ربما أسهم ذلك في جعل التطور يأخذ منحى آخر، حرم النباتات الخضراء نموّها، وحال دون ارتفاع تركّز الأكسجين في الغلاف الغازي. وبمقياس زمني أقصر، يظهر تحليل عينات الهواء، المحبوسة في طبقات الغطاءات الثلجية القطبية، أن الفترات، الجليدية والدفيئة، تميزت بتغيرات في تركّز ثاني أكسيد الكربون، في الغلاف الغازي. وربما نتج انخفاض نسبة ثاني أكسيد الكربون، في الغلاف الغازي، في خلال الفترات الجليدية، من زيادة في انتشار النباتات الخضراء؛ إلى جانب التغيرات في الدورات المحيطية؛ ودفن المواد العضوية تحت الغطاءات الجليدية. ولكن تعقيد التفاعلات، المرتبطة بهذه الجوانب؛ وكثرة المدخلات والمخرجات، في خلال التاريخ الجيولوجي، تعنيان عدم إمكانية التحليل الشامل لهذه العملية. والسؤال الأكثر حرجاً، هو: هل تتغير المجتمعات البشرية، بكونها من الأحياء على سطح الأرض، بتغير البيئة، وبخاصة الغلاف الغازي؟ وإن حدث هذا التغير، فهل سيكون إلى درجة، تجعل الغلاف الغازي غير صالح للبشر؛ بل سوف يصبح، وفق الفكر الداروني، غير ملائم للبقاء؟

        تتمثل علاقة فرضية جايا بموضوع النظام الأيكولوجي، في نظرتها الكلية أو الشمولية إلى البيئة الطبيعية والأحياء. تلك النظرة التي تشاركها فيها نظرية النظُم، ومفهوم النظام الأيكولوجي. فهذه الفرضية لا تقترح الربط بين الحياة والبيئة، بل تركز في أن الروابط بينهما، حددت المسار التطوري لعلاقتهما المتبادلة؛ فلا يوجد تأثير أو تحكّم من طرف واحد. والربط التفاعلي المتبادل، غير السلبي، بين الأحياء والبيئة الطبيعية، ظاهر في الدورات البيوجيوكيماوية. وهي عمليات حيوية أساسية، للحفاظ على النظام الأيكولوجي، مثلها مثل تدفق الطاقة؛ إذ تعنى بدورات تدفق مواد، تحدث في البيئة الطبيعية. ومعظم العناصر الطبيعية، مثل: الكربون والهيدروجين والأكسجين والنيتروجين، لها قنوات تدفق بين مخازنها الطبيعية. هذه المخازن، وهي: الغلاف الغازي، والغلاف الحيوي، والغلاف الصخري، والغلاف المائي، تتبادل المواد، بوساطة نواقل أو محركات للتبادل، هي من الأحياء، في الغالب.