الجغرافيا الحيوية  Bio - Geography

          تعتبر الجغرافيا الحيوية أكثر فروع الجغرافيا الطبيعية تأثراً بالإنسان وأنشطته المختلفة سواء كان تأثراً إيجابياً (بناء) أو سلبياً (هدم). إذ تظهر بصمات الإنسان بصورة واضحة فيما أصاب الغلاف الحيوي من تغير وتطور. فقد فقدت الأحياء بسبب الإنسان الكثير من مناطقها، وتقلصت مساحاتها الفعلية، لتحتل في الوقت الحاضر كسراً ضئيلاً بالقياس لما كان قائماً قبل .

          وكان للاهتمام المتزايد من جانب الجيومورفولجيين بالجغرافيا الحيوية أثره في تطور هذا الفرع الجغرافي. ويتمثل هذا الاهتمام في دراسة تأثير عناصر الجغرافيـا الحيويـة في دورة التعرية Cycle of Erosion، وتغيير أشكال سطح الأرض Land Forms فمنذ بداية القرن العشرين، كان الجيومورفولوجيون يعتقدون أن تعديل الأشكال الأرضية يحدث نتيجة لعوامل التجوية والتعرية، أمّا الآن فقد أصبح  من المعترف به أن تغيير وتعديل شكل سطح الأرض يدين بالكثير أيضاً إلى غطاء التربة، وخصائصها، وإلى الغطاء النباتي، والأنشطة البشرية، التي لها آثارها المباشرة في تغيير البيئة الطبيعية إلى بيئة من صنع الإنسان.

          وتحمل الأنباء الكثير من التغيرات والتبدلات، التي تمس الغطاء الحيوي. وفي هذا المجال تشير تقارير منظمة الفاوF.A.O ، أنه إذا لم يتوقف الإنسان عن دور التدمير، الذي يمارسه تجاه المواد الحيوية، فإن الغطاء الحيوي سوف يتقلص إلى أقل من ربع مساحته الحالية مع نهاية القرن العشرين. ولا شك أن هذا التدمير المستمر للغلاف الحيوي يحمل في طياته الكثير من الأخطار البيئية، التي تؤثر بشكل هدمي في كل الأحياء بما فيها الإنسان.

          وتختص الجغرافيا الحيوية بدراسة الغلاف الحيوي، أي بدراسة الجغرافيا النباتية، والحيوانية، والتربة، والإنسان، من حيث تأثيره في عناصر الغلاف الحيوي وما ينتج عن ذلك من اضطراب التوازن الطبيعي واختلاله.

          وتهتم جغرافيا النبات Phytogeography، بدراسة توزيع الغطاء النباتي الطبيعي، والتأثير المتبادل بين النباتات والبيئة. أمّا جغرافية الحيوان Zoogeography فتختص بدراسة توزيع الحياة الحيوانية، وتفاعل البيئة والحيوان، وتأثير كل منها على الآخر. وتتميز جغرافيا الحيوان بصلاتها الوثيقة بجغرافيا النبات، لذا تهتم الجغرافيا الحيوية بعالم النبات أكثر من اهتمامها بعالم الحيوان، ويعزى ذلك إلى أن الحيوانات تعتمد في وجودها إلى حد كبير على النبات، إضافة إلى أن الحيوانات لا تتميز بنفس الصلات الوثيقة التي تربط النباتات بالظروف البيئية.

1. أهمية الجغرافيا الحيوية

          ترجع أهمية الجغرافيا الحيوية إلى ما يلي:

أ. الجغرافيا الحيوية والتخطيط

          تحول الإنسان في كثير من الأحيان، نتيجة للتفوق العلمي والتكنولوجي، إلى عامل مخرب ومُدمر للغلاف الحيوي، مما أدى إلى ظهور الكثير من المشكلات البيئية، مثل تدهور النُظم البيئية، وأثر ذلك على الإنتاج الزراعي، وتلوث البيئة، والتصحر، وغيرها من مشكلات البيئة، التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بالغلاف الحيوي. ومن ثم ارتفعت صيحات التحذير بخطورة القدرة البشرية التخريبية، مما دعا العلماء إلى الاهتمام بدراسة وصيانة الغلاف الحيوي. وأصبح شعار التخطيط الناجح هو كيفية تطوير استخدام الموارد البيئية الحيوية وتنميتها دون حدوث خلل في النظام البيئي Ecosystem . ولعل بـرنامـج الأبحـاث بعيـد المـدى، الـذي يـركـز على الإنسـان والـغـلاف الجويMan and the Biosphere (MAB)، والذي تتبناه منظمة اليونسكو يستهدف تطوير الأسس العلمية لاستخدام وصيانة موارد الغلاف الحيوي وذلك للحفاظ على التوازن البيئي Ecological Balance، حتى تستمر الحياة على سطح الأرض.

ب. الجغرافيا الحيوية والترفيه

          تمتد أهمية الغلاف الحيوي، بوصفه مصدراً للترفيه والسياحة، لما تتسم به الحياة في البيئات الحيوية من نمط مغاير لنمط الحياة في المدينة. إذ يتمتع الإنسان في المناطق الطبيعية بفترات راحة وهدوء وممارسة الأنشطة الترفيهية كالصيد مثلاً، مما يدعو إلى الاهتمام بدراسة الغلاف الحيوي وضرورة المحافظة عليه، وقد دفع هذا بعض الحكومات إلى صيانة ما تبقى من نباتات وحيوانات برية في أراضيها من خلال إنشاء ما يسمى بالحدائق الوطنية National Parks، أو الغابات المحجوزة Reserved Forests.

ج. الجغرافيا الحيوية والنظام البيئي

          تمثل الموارد الحيوية العناصر الحية الرئيسية للنظام البيئي، ومن ثم فإن دراسة هذه العناصر يعد أمراً هاماً وضرورياً. فالنباتات مثلاً تساهم في ارتفاع كمية الرطوبة، وتقلل من درجة انجراف التربة، وتخفف من شدة الرياح، وتحد من تلوث الهواء، هذا إضافة إلى أن الغابات تستهلك سنوياً ما بين 20 إلى 40 مليار طن من ثاني أكسيد الكربون، مما يؤكد أهمية الغطاء النباتي في التوازن والاستقرار الكربوني في الغلاف الجوي.

ولهذا فإن المحافظة على النُظم البيئيةEcosystems   دون خلل أو تدمير يتطلب الاهتمام بالموارد الحيوية، ولا يتأتى ذلك إلاّ بضرورة المحافظة على مكونات المصفوفة البيئية، من خلال إيجاد توازن بين قدرة الإنسان التنموية وحجم السكان ومعدلات النمو السكاني.

الصفحة الرئيسية