الجسيمات الأولية                                                     

تتشكل مادة الكون من مجموعة من الجسميات الأساسية. ما قصة اكتشاف هذه الجسيمات؟

لقد اهتم الانسان منذ القديم بالمكونات الأساسية للكون. وكان لوسيبوس الميلي هو أول من قال بأن الذرة هي العنصر الأكثر أولية في الطبيعة. ثم جاء بعده ديمقريطس، وثبّت مفهوم الذرة غير المنقسمة والقاسية وغير المنضغطة. وكانت هذه الذرات تختلف في شكلها وترتيبها وتخضع لحركة مستمرة وأبدية وشواشية. وتؤلف هذه الذرات كل شيء بما في ذلك النفس. وأضاف لها أبيقور خاصة جديدة هي نوع من الثقالة. وتكون حركتها وفقه منتظمة وموجهة نحو الأسفل إنما يمكن أن تكون منحرفة قليلاً. وقد جوبهت هذه النظرية الذرية في العصور الوسطى بالموروث الأرسطي الذي يتألف العالم وفقه من أربعة صفات أولية، هي الحرارة والبرودة والرطوبة والجفاف، بالاضافة إلى مادة خاصة متواجدة في كل شيء هي الأثير. ولم تُطرَح النظرية الذرية بقوة إلا في مطلع القرن العشرين مع اكتشاف الالكترون، وكان تتويجاً لأعمال تمت في العديد من الدول الأوروبية بين عامي 1890 و 1900. وفي عام 1905 اقترح أينشتين في الوقت الذي كان يطرح فيه نظريته النسبية أن يكون الضوء مثل دفق من الجسيمات الأولية، أو كمات من الطاقة المعينة في نقاط من الفضاء. وقد سميت هذه الكمات فيما بعد بالفوتونات. وأًثبت وجود هذه الجسيمات في عام 1923 على يد كومبتون. وكان رزرفورد قد برهن قبل ذلك بعشر سنوات، ابتداء من معطيات تجريبية ترتكز على قذف ورقة ذهبية بذرات الهليوم الموجبة الشحنة، أنه يوجد في مركز الذرة نواة موجبة الشحنة وصغيرة جداً. وسمى رزرفورد في عام 1920 شحنة النواة الموجبة هذه بروتوناً. وبعد ذلك باثنتي عشرة سنة اكتشف شادويك جسيماً متعادلاً كهربائياً في قلب النواة، وسماه النترون. وتوقف الأمر عند هذا الحد حتى عام 1964 عندما اقترح كل من جيل مان وزويغ كل بمفرده مفهوم الكوارك، حيث تؤلف الكواركات العناصر الأولية للبروتونات والنترونات. ولم يثبت وجودها إلا في السبعينات.

هل هي جسيمات حقاً؟ وكيف يمكن وصفها؟

لا يمكن تمثيل الجسيم الاولي بكرية صغيرة كما هو شائع. فهذا التشبيه صحيح عندما نتحدث عن الميكانيك الكلاسيكي، ذلك أن الفيزيائيين يمثلون المادة كمجموعة من النقاط المادية، وهي نقاط تتركز فيها الكتلة. أما في الكهرطيسية، فيمكن وصف حركات هذه النقاط بفضل مفهوم الحقل الذي أدخله فاراداي في منتصف القرن التاسع عشر. وهو بنية لانهائية ممتدة على كامل المكان والزمان، وقد أصبح مع مرور الوقت مفهوماً أساسياً لفهم المادة. لكنه طرح مشكلة في الواقع. فكيف يمكن ملاءمة مفهوم يرتكز على معادلات تعتمد على الاستمرارية مع مفهوم الجسيم وهو متقطع في الجوهر؟ وقد حَلَّت المعضلة نظرية الميكانيك الكمومي التي طُرحت عام 1930. فوفق الميكانيك الكمومي لا يكون السؤال ما هو وضع الجسيم وما هي سرعته وطاقته، بل يكون السؤال على الشكل التالي: هذه كافة الحالات التي يمكن أن تشغلها أو لا تشغلها الجسيمات في إطار تفاعل ما، فكيف يكون توزعها؟ إن الحقول الكمومية هي مؤثرات تملأ أو تفرغ هذه الحالات. والملء هو خلق جسيم، والإفراغ هو إنهاء وجوده. فالجسيم ليس بالتالي نقطة مادية بل عينة وامتداداً للحقل الكمومي المعرّف لنمط معين من التفاعلات. ويشبه الجسيم بشكل ما لغة الواحد أو الصفر في برنامج معلوماتي. ويمكن لعينات الحقل أن تشكل مركبات المادة فتسمى بالفرميونات، أو تكون معاملات التفاعل فتسمى البوزونات. وللبوزونات والفرميونات خصائص مختلفةجداً. فاللف الذاتي للبوزونات معدوم أو صحيح في حين أنه يكون كسرياً عند الفرميونات. والفرميونات لا يمكن أن تتجمع في مكان واحد، فالمادة لا تتراكب. أما البوزونات فيمكن أن تتواجد في النقطة ذاتها، فالفوتون هو بوزون والأشعة الضوئية تتراكب.

ما هي الأسس الفيزيائية التي توصف وتصنف وفقها هذه الجسيمات؟

في الحقيقة لا يمثل النظري والتجريبي الجسيم بالطريقة ذاتها. فالجسيم بالنسبة للنظري هو امتداد للحقل، وبالتالي فإن المفهوم الأساسي بالنسبة له هو الحقل وليس الجسيم. وتُحدَّد طبيعة الحقول الكمومية بواسطة التفاعلات الرئيسية الأربعة وبالتناظرات التي تحافظ عليها. ولتفسير ذلك نأخذ مثالاً كهرمغنطيسياً. فلوصف تفاعل كهرمغنطيسي يستخدم الفيزيائي مفهوم الكمون. ويسمح له اشتقاق بالنسبة لاحداثيات المكان بالانتقال إلى كمون الحقل. وكما أن مجموعة غير منتهية من المستقيمات المتوازية لها الميلان نفسه، فهناك لانهاية من الكمونات التي تعطي الحقل نفسه. وكافة هذه الكمونات متطابقة إلى حد ما. فإذا حولنا أحد الكمونات إلى كمون

 

آخر فإن المعادلات لا تتأثر. ويستخدم الفيزيائيون في الميكانيك الكمومي مصطلح تناظر جوج لوصف هذا النمط من التحول. والواقع أن التفاعلات الأساسية الأربعة والمعادلات التي تصفها تحافظ على هذا النوع من التناظر، دون أن يستطيع العلماء تفسير ذلك حتى الآن تماماً. ولهذا انعكاس على الحقول الكمومية المرتبطة بالتفاعلات وبالتالي بالجسيمات. وهكذا فإن مفاهيم الجسيمات والتناظر والتفاعلات والحقول مرتبطبة عند الفيزيائي النظري. أما الجسيم بالنسبة للتجريبيين فهو ليس أكثر من أثر لنمط معين من الكواشف. وفي حين ان النظري يرمز لهذه الجسيمات في معادلاته بكمونات تابعة لمتحولات المكان والزمان، فإن التجريبي يشير إليها بحروف، مثل z , t, e , الخ.

هل أمكن اكتشاف هذه الجسيمات كلها وكيف؟

هناك بين الجسيمات المعروفة ما يوجد في الطبيعة مثل الالكترون، وهو جسيم مكون لذرات المادة، والنيوترينو، وهو جسيم حيادي الشحنة موجود في الأشعة الكونية. وهناك جسيمات أخرى لم توجد إلا في اللحظات الأولى من عمر الكون ولا يمكن اكتشافها إلى بواسطة مسرعات أو مصادمات هائلة. فلو تخيلنا أننا نريد اكتشاف بنية تحتية في بنية أكبر منها مثل البروتون، يمكننا أن نفعل ذلك بسبر هذه البنية بإرسال جسيم أو جسيمات سابرة عليها. وكان لويس دو بروي قد حدد عام 1923 طول الموجة المرتبط بهذه الجسيمات السابرة بحسب ثنائية الموجة الجسيم. لكننا نعرف أن الظاهرة الموجية لا تندمج إلا مع أجسام ذات أبعاد أكبر من طول موجتها. ومن أجل سبر الأجسام الصغيرة يجب إذن إرسال جسيمات سابرة عليها بطول موجة قصير جداً، أي بطاقة عالية جداً. وتبنى المسرعات أو المصادمات على هذا المبدأ. ففي المسرع تسير حزمتان من الجسيمات ذات الطاقة العالية باتجاهين مختلفين. ويؤدي تصادم جسيمين من الحزمتين إلى انتاج جسيمات أخرى بحسب مبدأ التكافؤ بين الكتلة والطاقة الناتج عن النظرية النسبية الخاصة. وكلما كانت طاقة  الصدم أكبر، تكون الجسيمات الناتجة أكبر كتلة. وهذا لا يعنى أنها أكبر حجماً على الاطلاق! بل على العكس، فكلما كانت كتلتها وبالتالي طاقتها أكبر فإن حجمها أو بشكل أدق طول الموجة المرتبط بها يكون أصغر. ويكون عمر هذه الجسيمات قصيراً جداً، بحيث لا يمكن لأي جهاز أن يرصد أو يصور مباشرة حادثة الصدم. وما يكشفه المجربون هو الآثار الباقية من تحلل هذه الجسيمات. وهم يضعون العديد من الكواشف حول نقطة الصدم من أجل تحديد موضعها وطاقتها.

تشكل الجسيمات الأولية البنية الأساسية للمادة في الكون. ما هي الصلات القائمة فيما بينها؟

تقسم الجسيمات إلى عائلتين هما الفرميونات التي تشكل المادة والبوزونات التي تنقل التفاعلات بين الجسيمات. وهناك نمطان من الجسيمات في مجموعة الفرميونات: فمن جهة هناك اللبتونات التي لا تشارك في التفاعلات الشديدة، ومن جهة أخرى الكواركات المختلفة النكهات والألوان والتي تشارك في كافة التفاعلات. وتحدد شحنات النكهة (وعددها ست) واللون (وعددها ثلاث) للكواركات سلوكها تبعاً للتفاعل الضعيف والقوي. إن البوزونات، وهي موجهات التفاعلات الأساسية الأربعة، هي الفوتون بالنسبة للتفاعل الكهرطيسي، والغليونات للتفاعل الشديد وهي تربط الكواركات فيما بينها، والبوزونات حاملات التفاعل الضعيف، وأخيراً الغرافيتون ناقل الجاذبية. وقد صُنفت الفرميونات والبوزونات في ثلاث مجموعات في النموذج المعياري، وهو نظرية تذهنية تسمح بالتنبؤ بكافة الظاهرات التي تنتج عن التفاعلات الأساسية باستثناء الجاذبية. ويمكن استنتاج المجموعتين الأخيرتين من الأولى إذ لا يتميز الجسيم فيهما عن جسيمات المجموعة الأولى إلا بالكتلة. فالميون ليس سوى الكترون إنما أثقل قليلاً، وكذلك التون هو ميون أثقل منه قليلاً. فكما لو كانت الطبيعة قد قد بنت المادة وفق ثلاث مراحل. ويقبل الفيزيائيون بأن النموذج المعياري كان يمكن أن يكون صحيحاً بمجموعة واحدة من الجسيمات.

لماذا لا يوجد مجموعة واحدة أو خمس مجموعات مثلاً من الجسيمات؟

إنه أحد الأسئلة الكبيرة المطروحة حالياً في الفيزياء. ولا بد من العودة إلى مفهوم التناظر لفهم جوانب هذه المسألة. فنظرية الحقول الكمومية تقتضي وجود تناظر يقال له CTP، وهو نتاج تناظرات الشحنة C (حيث نستبدل الشحنة بشحنة معاكسة)، والفراغ P (حيث نستبدل إشارات الاحداثيات الفراغية)، والزمن T (حيث نعكس اتجاه الزمن). أن عدم تغير الفيزياء عبر التناظر CPT يمكن أن يجعلنا نعتقد أنه يوجد أيضاً ثبات فيزيائي بالنسبة لـ C و P و CP و T بشكل منفصل. لكن التفاعل الضعيف يشرخ هذا المبدأ: فهو ليس ثابتاً بالنسبة للتناظر CP. ويعني ذلك عملياً أنه ضمن صيرورات من التحلل الاشعاعي، فإن تغيير شحنة جسيم بشحنة معاكسة والنظر إلى النتيجة بالمرآة (أي عكس الاحداثيات) هو صيرورة ليس لها الاحتمال نفسه الذي لصيرورة البدء. فانكسار التناظر CP هذا يمكن أن يفسر غلبة المادة في الكون على المادة المضادة التي تحمل دوماً الشحنة المعاكسة لشحنة المادة. وقد توصل الفيزيائيون إلى تبيان أن الانكسار في إطار النموذج المعياري ليس ممكناً إلا إذا كان يوجد ثلاث مجموعات حصراً من الجسيمات.

هل توجد الجسيمات المضادة حقاً؟

إنها موجودة طالما تم رصدها‍! فقد عُثر عليها أولاً في الاشعة الكونية، ثم في المسرعات والمصادمات. لكن ديراك كان قد افترض وجود الجسيمات المضادة في نهاية العشرينات قبل أن يمكن رصدها. فمن أجل موافقة الميكانيك الكمومي والنظرية النسبية تخيل وجود جسيم موجب الطاقة تساوي كتلته كتلة الالكترون إنما يعاكسه بالشحنة. وقد أُثبت وجود هذه الازدواجية من الجسيمات والجسيمات المضادة بشكل تجريبي في عام 1932. وقد تم اليوم اكتشاف كافة الجسيمات المضادة للجسيمات الأولية. ويملك الجسيم المضاد الكتلة نفسَها واللف الذاتي نفسَه اللذين للجسيم الذي يحمل الاسم نفسه ويختلف بالشحنات. والشحنات بصيغة الجمع هنا إذ توجد أنواع مختلفة منها. فكل جسيم أو جسيم مضاد يحمل في الواقع عدداً من الشحنات (الشحنة الكهربائية، والشحنة اللونية، والعدد الباريوني، وشحنة النكهة... إلخ). وهذه الأرقام هي نوع من المميزات التي تحدد سلوك الجسيم أو الجسيم المضاد في التفاعلات. إن أحد الألغاز الكبرى في الفيزياء الحديثة هو نقص هذه المادة المضادة المقاس في الكون.

هل يمكن رصد كافة الجسيمات الأولية؟

يمكن ذلك من حيث المبدأ. لكن يصعب رصد بعضها أكثر من غيره، مثل النيوترينو وهو جسيم من اللبتونات متعادل كهربائياً. وكان باولي قد تنبأ بوجود هذه الجسيمات المتعادلة في عام 1932. وبعد نحو عشرين عاماً تم اكتشاف النيوترينو. ومن الصعب رصد هذه الجسيمات لأنها غير مشحونة ولا تشارك إلا في التفاعل الضعيف: وبالتالي فإن احتمال تفاعلها مع المادة شبه معدوم. وتزيد هذه الخاصية أيضاً تعقيد مسألة قياس الكتلة التي ربما تكون صفراً. كذلك فإن كشف الكواركات صعب حتى ولو كانت هذه الفرميونات تشارك في التفاعلات كلها. إن الكوارك لا يمكن أن يُلحظ مباشرة لأنه ينتقل دائماً بشكل حزمة، إن مع كواركين آخرين أو مع كوارك مضاد. ونعرف إضافة إلى ذلك أنه توجد ثلاثة ألوان مختلفة لكوارك واحد، ولكن هذه الألوان تعطي إذا امتزجت مع بعضها ما يشبه الأجسام البيضاء، وهذه الأجسام هي وحدها التي يمكن رؤيتها بحسب نظرية القوة الشديدة. فنحن لا يمكننا إذن أن نرصد مباشرة سوى تجمعات الكواركات وليس الكواركات المعزولة أبداً.

لماذا للجسيمات الكتلة التي تملكها؟

الحق أن الفيزيائي لا يستطيع الإجابة على هذا السؤال. إنه يستطيع أن يتنبأ بفضل النموذج المعياري بعدد معين من المتحولات ولكن ليس بالقيم الدقيقة لكتل الجسيمات. وبحسب ا لنموذج المعياري الحالي يجب أن تكون كتلة كافة الجسيمات معدومة. فقد رأينا أن التفاعلات الرئيسية الأربعة تحافظ على التناظرات، وهذه التناظرات هي التي تفرض على جسيمات التفاعل، أي البوزونات، أن تكون معدومة. وهذا هو حال الفوتونات بالنسبة للتفاعل الكهرمغنطيسي والغليونات بالنسبة للتفاعل الشديد، لكنه ليس حال بوزونات التفاعلات الضعيفة ذات الكتلة الكبيرة والتي تصل إلى ثمانين ضعف كتلة البروتون. ومن أجل تفسير هذه الظاهرة اخترع الفيزيائيون حقلاً كمومياً جديداً هو حقل هيغز، هو مولّد الكتلة، وتفاعلاً جديداً مرتبطاً به هو آلية هيغز. وبحسب النموذج المعياري فقد جعل حقل هيغز كافة الجسيمات ثقيلة ما عدا الفوتون والغليون. ويفسر النموذج المعياري ذلك بأن شرخاً آنياً حدث في تناظر حقل هيغز في الحالة المستقرة الأساسية التي هي الفراغ. ويشبه ذلك وضع كرية في قعر زجاجة محدبة من الأسفل، فتكون الحالة المستقرة هي وجود الكرية على يمين أو يسار قعر الزجاجة (وهي حالة غير متناظرة) وليس في وسطها (وهي حالة متناظرة). فإذا كانت آلية هيغز صحيحة يجب عندها تصور وجود جسيم ثقيل يسمى بوزون هيغز. ويبحث العلماء عن هذا البوزون الآن. وعدم العثور عليه حتى الآن يرجع إلى كتلته الكبيرة جداً. ويعلق العلماء على بناء المصادم العملاق التابع لمركز الأبحاث النووية الأوروبي أملاً كبيراً من أجل اكتشاف بوزون وآلية هيغز. ويرى علماء كثيرون أن صورة المادة المبنية من كواركات ولبتونات وبوزونات ربما ليست سوى صورة مبسطة للواقع. وبالمقابل فإن تصور بنية أكثر أولية للجسيمات في إطار النموذج المعياري يتطلب طاقات أعلى بآلاف المرات من الطاقات التي سمحت بإثبات وجود الكواركات.

 للخلف                                                                    الصفحة الرئيسة