المخدرات

 

لظاهرة سوء استعمال المخدرات وتعاطي الحشيش -باعتباره على رأس القائمة- أبعاد متعددة بدءا من الأبعاد التاريخية الجغرافية إلى الأبعاد الحيوية والنفسية التربوية والأبعاد الاجتماعية الثقافية. وباستقراء الخبرات البشرية عبر القرون ثبت أن الحشيش ومعه الأفيون كان وبالا على الأمم التي أساءت استعمالهما لغير أغراض طبية أو صيدلانية، بل إن الاندحار الحضاري أسهم بقدر ما في ظاهرة سوء الاستعمال.

أولاًً: البعد الحيوي

ثمة اتجاه يعزو سوء استعمال المخدرات أو القابلية لتعاطيها إلى عوامل جينية فطرية. وأصل هذا الافتراض لتعليل الاعتماد عليها يوجّه أساسا لسببية إدمان الخمور. كما أن هناك افتراضات مؤداها احتمالية وجود أسباب جينية فطرية لسوء استعمال المخدرات ترتبط وراثيا بخصائص إفرازات المورفين الذاتية، إذ إن ثمة إفرازات لنوع من الأفيون في المخ قد يكون له دور في إقبال صاحبه على الأفيون.

وهناك وجهة نظر ترجع نفس الأسباب إلى الكحول أيضا، ويؤثر هذا وذاك على الجهاز العصبي المركزي (Mohit 1988). وقد يكون هذا النهج من وحي المدرسة الوضعية التقليدية التي أرجعت أسباب الانحراف والجريمة إلى عوامل جينية وراثية في القرن التاسع عشر تأثرا بنظرية التطور التي ذاعت وكان لها تأثيرها على ميادين علمية أخرى ثم ثبت دحضها من واقع الدراسات التجريبية المقارنة (Gibbons et al, 1975). وقد يكون أحد هذه المجالات محاولات التعليل البيولوجي الحيوي الوراثي لسوء استعمال المخدرات والخمور.

وعلى أي حال فإن هذه الفروض تحتاج إلى مزيد من المراجعة البحثية Replication لتحقيقها علميا على مستوى الدراسات الحضارية المقارنة لأن أساليب الاستعمال والممارسة تختلف من سياق اجتماعي ثقافي لآخر، إلا أن الأمر شديد الوضوح هو أن الخبرات الأولى لسوء الاستعمال لا تحدث إلا في سياق اجتماعي عن طريق عملية التعلم التي أكد عليها سوذرلاند وكريسي (Sutherland ,E & cressy ,D,1960) في نظرية الارتباط المتغاير Differential Association Theory التي ترتكز على أن السلوك السوي أو المنحرف يتأثر بأسبقية تعلمه ومدى تكراره واستمراره وعمقه، بما يعني أنه لولا الخبرة الأولى للتعاطي التي مصدرها نوعية الجماعة التي تعطي نعوتا لهذا السلوك أو ذاك بالاستحسان أو الاستهجان لما تكرر السلوك أو استمر.

ومن منطلق المنظور الإسلامي لمشكلة التعاطي والاعتماد على الخمور والمخدرات فإن أوصاف هذا الضرب من السلوك المحرّم هو منع الإنسان إراديا أن يغيّب عقله الذي يمثل جوهر المسؤولية في العبادات والمعاملات الاجتماعية، وينفي مسؤولية الاستخلاف على عمارة الأرض وتنمية المجتمع (Abdel-Motaal, 1996).

ويعتبر استعمال المخدرات لتسكين الآلام البدنية من الأسباب المكتسبة بيولوجيا، وذلك بالنسبة للأفيون بدعوى أنه يخفف الآلام المرتبطة بأمراض معينة. وذلك مدخل يسير لطرق أبواب من العلاج دون الوصول إلى التشخيص الفعلي للأمراض، وقد يؤدي هذا المسلك في كثير من الحالات إلى الاعتماد على المخدر دون أن يقصد المريض أي إساءة أخلاقية، وهو مدخل ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب.

ويطلق على مادة الأفيون بأنه القاتل للألم وكذلك المواد الأخرى التي يطلق عليها أيضا الملطفة للمشاعر، وهي من مشتقات الأفيون أو المناظرة له وأشهرها المورفين والهيروين، وأخرى تشتمل على الكوديين والميبيردين (ديميرول) والميثادون (آميدون، دولوفين) (Schur,E 1965)

وفضلا عن إزالة الألم فإن الأفيون يحدث الارتخاء العضلي وقلة النشاط الحركي والميل إلى الخمول والكسل والنعاس.

 

ومن مستحدثات المواد المخدرة المصنعة التي اجتاحت الولايات المتحدة الأميركية منذ الثمانينات ثم تلتها إلى الدول الأخرى عقار الميث Meth الذى يتعاطى بطرق مختلفة، والكراك Crack أحد مشتقات الكوديين، والذي أصبح وباء في أميركا الشمالية والوسطى. وقد اكتسب الميث شعبيته في عالم التعاطي بسبب سهولة إنتاجه محليا ومنزليا وانخفاض ثمنه على عكس الحشيش والكوكايين الذي يستورد من الخارج. وقد تعاطى أكثر من مليون أميركي الميث خلال سنة 1999. أما الكراك فيستعمل بمقدار أكثر من الهيروين بثلاث مرات. ومن آثار الميث البدنية الخطيرة التي تحدث خلال ساعتين منذ بداية تعاطي الجرعة هو الاندفاع المفاجئ الذي يحدث بسبب تغيرات حادة في المخ، وإحساس بالتخدير يماثل صدمة الأدرينالين.

أما الآثار البدنية الصحية للحشيش -باعتباره أكثر المواد انتشارا في العالم في سوء الاستعمال- وبالرغم من إباحته من قبل بعض الدول فإنها ثابتة لمن استعمله يوميا وعلى مدى عدد من السنين، وذلك غالبا ما يكون في أمراض الجهاز التنفسي وضعف القدرة الإدراكية. وقد تحققت هذه الإصابات لدى 10% من المتعاطين يوميا، و20 - 30% ممن يتعاطونه بشكل أسبوعي. أما استخدامه أثناء فترة الحمل فأدى إلى تقصير فترة الحمل وانخفاض وزن المواليد أو تشوّه بعضهم، وقصور أيضا في عمليات الولادة. واتضح كذلك أن ثمة احتمالا كبيرا لمن يستخدمونه بشكل متكرر ومكثف وقوفهم على حافة دائرة الإصابة بمرض السرطان وسوء الهضم واحتمال الإصابة باللوكيميا (‎Martine ,B& Hall,W 1999)

ثانياً: البعد الثقافي

لا تقتصر آثار المخدرات على الأضرار الحيوية على مستوى الفرد بل إن العلاقة العضوية الحيوية تؤثر وتتأثر بالجهاز النفسي هذا فضلا عن السياق الاجتماعي والثقافي، ومن ثم فإن البعد النفسي كان قد حظي بكمّ هائل من الدراسات والبحوث في مجالات التعاطي والإدمان سواء بالنسبة للمخدرات أو الكحوليات. ونظرا لسبق المشكلة في مصر عن غيرها من البلاد العربية، وسبقها أيضا في إنجازات مشروعات بحوث ودراسات سوء استعمال المخدرات بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الذي أسس في نهاية الخمسينات، وكذلك في الجامعات المصرية، فإنه بجانب الاستشهاد بنتائج بحوثها في المجال النفسي والاجتماعي فإننا سنقرن النتائج التي وردت في الدراسات الأخرى التي عالجت مشكلة سوء استعمال المواد المخدرة.

هناك مشكلة بأنه لا يوجد شخص يزعم ما إذا كانت التغيرات النفسية المرضية أوالتغيرات في الشخصية يمكن اعتبارها سببا ونتيجة للاعتماد على المخدرات. وهذا يتضمن الإدمان العدواني الذي يتصف بمستوى عال من القلق في العلاقات الشخصية وإحباط في التسامح ومشاعر التقليل من شأن النفس أو تقويم الذات. ولو أن الدراسات النفسية المعتمدة على نظرية التعلم قد ألقت بعض الضوء على مختلف جوانب المشكلة، ولكن ذلك لا يمكن أن يصف الظاهرة بأبعادها المتعددة.

ويؤدي سوء استعمال المخدر إلى تغيرات أساسية في الشخصية إذ تجعل الإنسان قابلا للأمراض النفسية والذهانية. وهناك آثار حادة من الاعتياد على الحشيش من أهمها القلق والهلع والبارانويا، خاصة بالنسبة للمتعاطين المحدثين، والوهن الإدراكي وخاصة بالنسبة للتركيز والذاكرة وضعف الآلية النفسية وتأخر ردود الأفعال مما يترتب عليه مخاطر حوادث الطرق والسيارات.  وأيضا توقع المخاطر الزائدة للأعراض الذهانية بين هؤلاء المدمنين الذين في سجل أسرهم تاريخ أمراض ذهانية.

أما الآثار المزمنة فهي تنتج من جراء الاستخدام المزمن للحشيش لعدد من السنين -وإن كانت ثمة آراء لا تؤكد ذلك- فهناك أعراض الاعتمادية التي يحددها عدم القدرة على الامتناع أو الكف عن سوء الاستعمال وهناك أيضا أشكال كامنة، كما في الآثار الحادة، للوهن الإدراكي الذي يؤثر على الانتباه والذاكرة. وأيضا انخفاض مستوى الأداء والمهارات والتحصيل الدراسي عند البالغين (Martin & Hall ,1999) 

 

أما آثار الأفيون النفسية ومشتقاته ففضلا عما ذكرنا في الآثار البدنية فإن الارتباط وثيق بينهما، فالأفيون من المواد المثبطة التي تؤدي عادة إلى تخفيض مستوى العصبية والنشاط البدني، فإلى جانب الارتخاء العضلي والرغبة في الخمول، هناك إحساس بالانشراح والشعور بالسعادة والرضا وستجد نفسك تنظر إلى هذه المشاكل بطرق مختلفة، فكل شيء هادئ مما يجعلك لا تشعر بحاجتك إلى محاربة العالم.

والواقع أن ثمة مناقشات دائرة حول المبالغة للطبيعة الإيجابية لنتائج هذا الانشراح، فهناك قول بأن هذا الابتهاج هو نوع من التخيل والوهم إذ إن مثل مشاعر الابتهاج تنحصر غالبا في المراحل المبكرة للتعاطي، أما في المراحل المتأخرة فالنتائج عكس ذلك تماما فالشعور بعدم الابتهاج وعدم الرضا والسعادة هو واقع المدمنين. (Schur, E, 1965)

أما بالنسبة لعقار الميث أو الكراك المصنع معمليا فإن خطورته في مجرد التعاطي لأنه يسبب تغيرات حادة في المخ ويشعر المستعمل له خلال ساعتين بالسعادة. ويستطيع متعاطو الميث أن يظلوا من ثماني إلى اثنتي عشرة ساعة أو أكثر معتمدين على كيفية استخراج دخان المخدر أو استنشاقه أو شمّه أو بلعه أو الحقن به. ولذلك ينتشر في البلاد التي تصنعه محليا كالولايات المتحدة وأميركا الوسطى بين تجمعات الملونين وفقراء البيض في الريف الأميركي.

وتشير نتائج البحوث المصرية عن نتائج مسح استطلاعي أجري على عينة من 500 متعاط في ريف وحضر مصر (سويف/ المركز القومي) إلى أن الدوافع النفسية لتعاطي الحشيش في سن مبكرة (سن العشرين في المتوسط) كان أقواها (77%) هو مجاراة الأصحاب والحصول على الفرفشة، في حين كان الدافع الأقوى لتعاطي الأفيون هو الاعتماد عليه لمواجهة العمل الشاق، وإذا كان الدافع الجنسي يشكل 25% بالنسبة للحشيش فإنه أكثر بالنسبة للأفيون (50%) من الفئة التي تسيء استعماله.

وتؤكد الدراسة ما انتهت إليه الدراسات الأخرى في الآثار النفسية إزاء الاختلاف في إدراك الزمن حيث يتجه نحو الزيادة في البطء في حين يختل إدراك المسافات المكانية نحو زيادة الطول وزيادة التضخم بالنسبة للأحجام ونصوع الألوان ووضوح الأحداث.
وتزول هذه الاختلالات بالنسبة للمتعاطي للحشيش في اليوم التالي على التعاطي.

ويؤكد البحث نتائج الدراسات المتعلقة بأثر التعاطي على الوظائف العقلية حيث تضعف الذاكرة بالنسبة إلى 42% من الحالات تحت تأثير المخدر المباشر. ويزعم 86% منهم قدرتهم الجيدة على حل المشكلات ويشهد 75% من العينة بسرعة انتقالهم من موضوع إلى آخر في الكلام أو التفكير. وقد يتفق هذا مع الخيال الشعبي بأن الحشاش سريع الخاطر ويفسر البعض بأن هذه صورة من حالات الهوس (آلمنيا)، أما حياتهم الوجدانية فيميل 50% من العينة نحو الاستكانة، وانخفاض نسبة التحكم عند 41%.

ثالثاً: البعد الثقافي

ويتفرد الحشيش باندماجه في ثقافة الشباب، وسن البدء فيه أصغر عادة من أي عقار آخر. وباستثناء أوضاع جلب الحشيش واستعماله في مصر بتاريخه الطويل وأيضا في بعض مناطق الشرق الأدنى والأوسط، فإن أخطر ما حدث منذ بداية الستينات ومازال قائما حتى الآن هو أن الحشيش قد أصبح من صميم ثقافة فئات عريضة من الشباب حيث بدأ أولا في الولايات المتحدة الأميركية ثم أوروبا ثم إلى باقي مناطق العالم، مستمدا تأثيره من خلال الموسيقى وحفلاتها الصاخبة، والتطور السريع في حركة التصدير جعله على قمة المواد المخدرة الأخرى طبيعية أو مشتقة. ويلاحظ أن البداية العمرية للتعاطي يبلغ متوسطها أصغر في الحشيش منه في الكوكايين والهيروين فهو يراوح بين 16 - 17 عاما في الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا وأستراليا بينما يصل إلى 19 - 22 بالنسبة للكوكايين والهيروين لنفس البلدان (UNDCP 1999)

وتؤكد الدراسات المعاصرة إيجابية الارتباط بين زيادة استهلاك الحشيش بما فيه أوراق البانغو الذي انتشر في مصر الآن وبين ثقافة الشباب السائدة، ففي دراسة حديثة في فرنسا تفيد تماثلا بين دول أوروبا في توافق عملية التطور المستمرة لاستعمال القنب (الحشيش) والتغيير في ثقافة الشباب. وثمة زيادة درامية متوازية في العقاقير المصنّعة -كجزء من مشهد الهذيان في دول الاتحاد الأوروبي سنة 1990- أدت إلى ما يمكن أن نطلق عليه في المملكة المتحدة تطبيع الشباب الترفيهي باستعمال المخدر.

وقد تبين طبقا لمسوح الجريمة في بريطانيا أن انتشار استعمال القنب (الحشيش) من سن 16 - 19 قد ارتفع من 18% سنة1991 إلى 27% سنة 1996. وارتفع سن بداية التعاطي من 26% إلى 35%، ومن ثم فإن واحدا من كل ثلاثة من الشباب لديه ميول استعمالية نحو الحشيش، وواحدا من أربعة استخدموا الحشيش مرة على الأقل في السنة الأخيرة، وهناك 16% من الشباب استعملوه في الشهر الذي سبق الدراسة المسحيّة، وازداد الاستعمال بين سن 16 – 59 بنسبة 5% سنة1991 إلى 9% سنة 1996.

وإذا انتقينا نموذجا لدولة من دول الاتحاد الأوروبي كهولندا التي أباحت الاستعمال العلني والحيازة المحدودة للحشيش فإن ثمة رواجا واضحا لمادة الأكستازي المخدرة إلى جانب الحشيش الذي ارتفعت معدلات تعاطيه بين تلاميذ المدارس من سن 12 - 19 سنة من 2% سنة 1984 إلى 3% سنة 1988 إلى 11% سنة 1999 (UNDCP 1999)


 أصبح الحشيش من صميم ثقافة فئات عريضة من الشباب حيث بدأ أولا في الولايات المتحدة الأميركية ثم أوروبا ثم باقي مناطق العالم العالم مستمدا تأثيره من خلال الموسيقى وحفلاتها الصاخبة

ونجد أن خريطة التعاطي والاعتماد (الإدمان) بالنسبة لشباب مصر قد اختلفت في الربع الأخير من القرن العشرين عنها قبل ذلك في ضوء البحوث والدراسات الزمنية المقارنة التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية منذ الستينات. وكانت من أهم معالم العقود الأخيرة منذ السبعينات غزو العقاقير المصنعة لمصر إلى جانب المواد الطبيعية وعلى رأسها الحشيش وتوأمه البانغو المنخفض الثمن عن غيره من المواد.

ويشير بحث "الشباب والمخدرات في مصر"  (سويف 1981) من واقع عينة لتلاميذ المدارس الثانوية        (5530 تلميذا) والمدارس الفنية (3686 تلميذا) وطلاب الجامعة
(2711طالبا) إلى أن ثمة ارتباطا إيجابيا بين تعرض الشباب لثقافة المخدرات وبين احتمال الإقبال عليها. وتعتبر وسائل الإعلام من القنوات الاجتماعية التي تنشر ثقافة التعاطي. كما اتضح وجود جماعات من الشباب لا يستهان بحجمهم لا يتعاطون المخدر ولكنهم على استعداد نفسي للتعاطي، ويطلق على هؤلاء بالفئات الهشّة. ويعتبر سن 16 في الثانوي و19 في الجامعة هو السن الذي يزداد فيه احتمال التورط في مشكلة التعاطي. وثمة أعداد كبيرة نسبيا تقبل على تجربة التعاطي بدافع حب الاستطلاع أو أي دوافع أخرى. وتوضح النتائج أن 75% من هذه الأعداد لا تلبث أن تتوقف ويبقى 25% فقط في عالم التعاطي.
ولا شك أن الفئة الباقية المستمرة في التعاطي قد يتجه أغلبها نحو الإدمان ويعتبر أفرادها وهم في وسط جماعات المدمنين أشبه ببؤر تشيع الفساد تمارس فيها طقوس التعاطي والإدمان وصك مصطلحات السخرية من النظم والقيم والآداب الاجتماعية السائدة والحاكمة للدين والأخلاق. وليست قضية عبدة الشيطان ببعيدة والتي تورط فيها مجموعة من المراهقين والشباب كانت المخدرات هي طريق الأوهام والهذيان الذي مهد لهم لهذا الانحراف.

لقد كشفت البحوث والدراسات التي أشرنا إليها وغيرها عن العلاقة الجوهرية بين التعاطي وبين المضمون الثقافي له من حيث ضرر المخدرات أو فائدتها أو الحياد تجاهها (عبد المتعال 1991) إن هذه القيم المضادة للمصالح الاجتماعية والاقتصادية بسبب ظاهرة سوء استعمال المخدرات المحظورة لا تقتصر على مجتمع دون آخر من حيث آليات الإنتاج أو الجلب أو التهريب أو التوزيع وأيضا المضامين الثقافية التي تنامت معها وانتقلت معها عبر الحدود الإقليمية، فأصبحت الظاهرة عالمية تتأثر بالسياق الاقتصادي المشروع -كما أشرنا سلفا- وأيضا بالأزمات السياسية الدولية التي تبلغ قمتها في الحروب العالمية والإقليمية. فلا شك أن رواج المخدرات ونوعيتها اختلف بعد الحرب العالمية الثانية عنه قبلها وكذلك خلال وإثر الحروب الفيتنامية، والأفغانية، والإيرانية العراقية، والعربية الإسرائيلية.

فعلى سبيل المثال حدث في مصر انخفاض مؤقت بعد الحرب العالمية الثانية حتى الحرب العربية الإسرائيلية 67 - 73 في جلب المخدرات ولكن لمدة سنتين ثم بدأ بعدها في الارتفاع. ثم بدأ خلال السبعينات انتشار مادة الماكستون فورت والحبوب الدوائية وذلك لصعوبة جلب الحشيش والأفيون نتيجة الحروب العربية الإسرائيلية. وعاد الكوكايين والهيروين منذ مطلع الثمانينات واستمر الحشيش والأفيون والماكستون فورت والمواد الدوائية المنشطة وبسبب تغليظ العقوبة إلى الأشغال الشاقة وإلى درجة الإعدام للتجار والمهربين. وانحسرت نسبيا تجارة تهريب الحشيش ولكن انتعشت تجارة البانغو لإمكانية وسهولة زراعته في المناطق الصحراوية كشبه جزيرة سيناء.

رابعاً: البعد الاجتماعي

إن تكرار التعاطي واستمراره وارتباط ذلك بالتركيبة الكيمائية في المخدرات الطبيعية أوالمصتّعة وتأثيرها في الجهاز العصبي المركزي وتنشيطها للجهاز النفسي أثناء إساءة الاستعمال، لا يتم على مستوى ملايين المستعملين إلا في سياقات اجتماعية مختلفة متنوعة الثقافات سواء محبذة أو معارضة أو محايدة لاستعمال المخدرات المحظورة. وقد شاهدنا مجتمعات متقدمة أباحت قوانينها الجديدة تعاطي الحشيش تحت ضغط تغيّر الاتجاهات الثقافية في الرأي العام، وقد أثر ذلك بالفعل في الحركة التجارية والتسويقية للمخدر مما سيمتد أثره إلى أحجام العرض ومساحات الطلب. وبذلك نرى أن العلاقة متشابكة بين أبعاد ومتغيرات متشابكة بين مجتمعات قاربت بينها خطوط الاتصال والانتقال بشكل اختزل به الزمن والمسافات، فالعلاقة معقدة بين وفرة العرض وزيادة الطلب والإدمان أو الاعتماد على المخدر. فمن المؤكد أن التمكين من إعمال قوانين الحظر في أغلب الدول وحجم المضبوطات من المخدرات المحظورة يسبب زيادة في ارتفاع أسعار المواد المخدرة كالأفيون وهذا بدوره قد يقلل من أعداد المدمنين، ودرجة نقاوة المخدرات المستهلكة وحجم الكمية المستخدمة في الجرعة الواحدة. وقد يؤدي هذا إلى تحول نحو أنواع أخرى من المخدرات أقل سعرا وبطبيعة الحال أقل نقاوة وجودة وأكثر ضررا (Mohit 1996)

إن إعمال القانون ودور أجهزة العدالة الجنائية في مجال الوقاية والمكافحة محور أساسي لضبط إيقاع حركة سير المجتمع واستقراره واستمراره. ومن ثم فإن الهيئة القانونية وآليات العدالة وردود أفعالها في الأحكام وتأثيراتها في التعديلات التشريعية لا يمكن غض الطرف عنها عند المعالجة الدراسية لمشكلة المخدرات وتخطيط سبل الوقاية والعلاج فكل ذلك جزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي الذي لا ينفصم عنه أي بعد من الأبعاد والعوامل الحيوية أو النفسية أو الثقافية أو الدينية أو الأخلاقية.

إن مآل تكرار التعاطي يجعل من الإدمان احتمالا أكبر بل مؤكدا بالنسبة للمخدرات القوية أو النفّاذة، خاصة أن هذا التكرار يوثّق الارتباط بالمخدر. وطبقا لتعريف منظمة الصحة العالمية WHO فإن إدمان المخدر أو الاعتماد عليه هو حالة من الخدر والتسمم المرحلي أو المزمن تنشأ بسبب استهلاك المخدر الطبيعي أو المصتّع وتتضمن خصائصه الآتية:
1- رغبة عارمة أو حاجة قهرية للاستمرار في تعاطي المخدر والحصول عليه بأي طريقة.
2- ميل واضح لزيادة الجرعة.      
3- اعتماد جسمي ونفسي على تأثيرات المخدر.
4- نتائج وتأثيرات ضارة على الفرد والمجتمع.

فدون وضع العوامل الاجتماعية والبيئية في الاعتبار لا يمكن أن نحصل على تفسير سببي كامل لمسألة الإدمان، إذ المجتمع كموئل كبير هو الذي يحدد كلا من العرض والطلب للمخدرات، وهو الذي يقرّ معايير السلوك ذات الأهمية لفهم الاتجاهات ونماذج السلوك التي تقر الاستعمال للمخدر. وليس من السهولة بمكان أن نحدد أو نقيس النتائج والآثار لعدد من المتغيرات المعقدة والمتفاعلة التي تسهم في تكوين المجتمع، إلا أننا يمكننا التركيز على بعض الأبعاد المحورية في الحياة الاجتماعية، ومن أولها أثر تجزيء الهياكل البنائية ومدى فعالية الأسرة.

ويتبدى أثر تجزيء هياكل الحياة الاجتماعية في تداعيات الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن الكبرى، وتكوين أحياء ومدن صغيرة عشوائية حولها، وتعتبر هذه من أهم عوامل زيادة الطلب وتهيئة تربة خصبة للعرض. كذلك يتبدى في تداعيات الهجرة الخارجية الدائمة أو المؤقتة إلى البلدان الغنية خاصة الدول النفطية، فترك رب الأسرة عائلته وغيابه مدة طويلة معوضا أبناءه بتدفق المال مما شجع اليافعين على الانخراط في نمط مشوش من الحياة من بينها آفة تعاطي المخدرات (Mohit 1996)

 

أما مدى فعالية الأسرة في التنشئة والتربية بعناصرها الإيجابية والسلبية في تكوين الاتجاه نحو المخدرات أو الخمور أيضا فإن الدراسات ونتائج البحوث عنها مستفيضة تزدحم بها الكتب والمجلدات والدوريات العلمية الاجتماعية والنفسية والتربوية. ففي الأسرة يمكن أن يكوّن الآباء والأبناء نماذج سلوكية سوية، ويمكن أن تكون الثقافة الفرعية للأسرة والحي الذي تنتشر فيه المخدرات اتجاها محبذا أو محايدا على الأقل إزاء أنواع معينة من المخدرات وليس ضدا لها. وقد تشكلت أنماط التنشئة هذه في أغلب المناطق الموبوءة بالمخدرات لأسباب نفعية خاصة باقتصاديات الأسرة التي يستفيد منها جميع أعضاء الأسرة بما فيهم الأبناء بطبيعة الحال، حتى يصل إلى درجة توارث أسرار مهنة الجلب والتوزيع لدى العائلات المشتغلة بالتجارة والتوزيع. وتتشكل أيضا أنماط ونماذج التنشئة لدى الأسر المستهلكة على نفس نسق استحلال التجارة أو التعاطي.

ولقد انبثق منهج الاستحلال لأسباب تتعلق بالتناقض التشريعي نحو مادتين أخطرها وهي الخمور مغيبة للعقل وتباح تجارتها واستعمالها بمقتضى قوانين وضعية في دول عربية إسلامية. وأقلها خطرا -من وجهة نظر التجار والمتعاطين- الحشيش وتوائمه كالبانغو والقات المفتر للعقل والذي لم يرد في النصوص الدينية ما يحرمه إلا من فتاوى بالتحريم ظهرت مؤخرا. ويمثل ذلك ما أطلقت عليه في دراساتي السابقة بالفجوة الثقافية التشريعية أو التخلف الثقافى القانونى Juridical Culture Lag.
(عبد المتعال 1991 & 1996)
إن مثل هذا التناقض قد يؤدي إلى تناقض مثيل له في عملية التنشئة والتربية في الأسرة التي تلوثت أجواء قيمها بثقافة التعاطي التي أشرنا إليها سلفا في العوامل الثقافية المشجعة للتعاطي عند الشباب. 

وإذا كان للأسرة دورها الإيجابي في الرعاية والحماية والتنشئة والوفاء بالحاجات الأساسية البدنية والصحية والتربوية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية وغير ذلك من احتياجات مستجدة، وتأثيرها الكبير في تشكيل الاتجاهات والقيم وضروب السلوك، فإنه يمكن أيضا أن يكون لها دور سلبي إذا ما ساد فيها أجواء التوتر والاضطراب والمشكلات المرضية والنفسية والتعرض للأذى وتعاطي المخدرات. ومن أهم ما يتمخض عنه الاضطراب والتفكك الأسري هو ما يجلبه غياب الأب بسبب الانفصال بالهجر أو الطلاق أو الوفاة من مخاطر كبيرة لمشكلات وجدانية في الشخصية، كذلك افتقاد المودة والحب والتفاعل الأسري الإيجابي، وكل ذلك أو بعضه قد يسهم في مشكلات تكون إحدى آليات الهروب منها هو تعاطي المخدرات والاعتماد عليها.

ولا يعيش البناء الأسري في معزل عن الجماعات المحيطة بهم وأولها جماعة الأصدقاء والرفاق، فهم جزء غير مباشر من الأسرة. وأثبتت عدة دراسات أن تأثيرهم أكبر من تأثير الوالدين. وتبدو خطورة ذلك في تأثير بعضهم بعضا في مجال سوء استعمال المخدرات، كما وجد أحد الباحثين أن الأصدقاء أكثر تماثلا في استخدامهم للحشيش من أي نشاط آخر، لكننا نجد في حالة الأسر التي يتعاطي فيها الآباء الحشيش فإن نسب التأثير تتقارب بالنسبة للآباء والأصدقاء معا.

وتتفاقم المشكلات بشكل أكبر في الدول النامية والفقيرة عندما تؤدي أزمات الفقر المزمنة وانتشار البطالة وعمالة الأطفال العشوائية والانهيار الأسري إلى مشكلات أكثر خطورة ومنها ظاهرة التشرد وأطفال الشوارع. ووردت من هندوراس -وهي من البلدان الفقيرة- بيانات بتورط أطفال الشوارع في مشاكل مستمرة مع الشرطة وسوء استغلالهم في أنشطة جنسية وتعاطي المخدرات إلى درجة أن نصفهم يستنشقون الغراء، و4 من 10 يتعاطون الخمور في المناسبات و6 من 10 يدخنون، وواحدا من خمسة يستعملون الحشيش. ويعتبر استنشاق المواد المخدرة بين أطفال الشوارع في هندوراس من الأمور الشائعة هناك. واستنشاق الغراء هو المخدر الشعبي المحبب بين أطفال شوارع العالم النامي وذلك لرخص ثمنه وإزالته للألم والخوف والمبالغة في الاندفاع والتبجّح وكتم صراخ الجوع. واتفقت أيضا نتائج دراسات أجريت في المكسيك مع هذه النتائج الخاصة بأطفال الشوارع في بعض بلدان العالم النامي
(UNDCP)

خامساً: التعليم والتربية

إذا انتقلنا إلى الأثر التالي للأسرة أصدقاء ما بعد الطفولة المبكرة، والمواكب لهما في المراحل العمرية اللاحقة فستكون بالضرورة المؤسسة التعليمية التي تعدّ الفرد إلى التوافق مع مجتمعه بأبعاده التاريخية والثقافية والحضارية المتعددة على هدى الحقوق والمسؤوليات التي سينشأ على مراعاتها والالتزام بها. ولا سبيل إلا باستيعاب ذلك كله عن طريق إمداد العقل بالمعارف والعلوم وتدريب النفس على تمثل القيم الأخلاقية والدينية التي تأسس عليها المجتمع. فإن العقل هو الوسيط الذي بسلامته ورجاحته ينهض بالإنسان ويرقى بالمجتمع، وبذلك كانت حمايته هي المقصد الأول من مقاصد الشريعة حيث إنه بدونه لن نصل إلى مقاصد الحفاظ على الدين والعرض والنفس والمال والنسل. لذلك كانت الخمر والمخدرات وبالا على تهديد العقل وسيط المعرفة والدين والحضارة.

لقد بينت الدراسات التي اقتفت أثر سوء استعمال القنب (الحشيش) وهو أقل شدة ونفاذا من المواد القاسية الأخرى، أن الاستعمال المزمن أو الحاد قد يؤدي إلى إضعاف الذاكرة والوظاثف العقلية والقدرة على تسلسل الأفكار والإضرار بالنمو الاجتماعي والعاطفي للأطفال والمراهقين، وإضعاف مستوى الأداء الدراسي، وترتبط درجة الإضعاف بالكمية أو الجرعة المتناولة. ويلخص الأثر المحتمل لأنواع مختلفة من المخدرات بأنها يمكن أن تقلل من العمليات والقدرات المعرفية، وتعوق بين الطفولة والشباب وتنمية قيمهم ومثلهم. كما يؤدي انخفاض مستوى الكفاءة المعرفية إلى انخفاض المستوى الأكاديمي ويؤدي إلى التقليل من شأن الإنسان لنفسه، كما تسهم في عدم الاستقرار النفسي والشعور بالهوية (UNDCP) وقد تهيمن المخدرات على تفكير الشخص إلى درجة إصراره على اللجوء إليها كمهرب لحل مشكلاته الخاصة. 

سادساً: العمل والبطالة

العمل والبطالة على طرفي نقيض، فالعمل يقوي من إرادة البناء والبطالة تثبّط من همته، والعمل عصب التنمية والإنتاج وهو بدوره السبيل إلى التقدم والرخاء. وإذا أراد عدوّ أن يغدر بشعب فإنه يهاجم مواقع الإنتاج الرئيسية بالنسف والتخريب، فإذا لم يستطع فبالحيلة والغدر مستهدفا جوهر العمل ذاته وهو القوى البشرية وتفريغها من مضمون إرادتها وكفاءاتها ومهاراتها. فبالدعوة إلى هجرة أفضل العقول وأكفأ المهارات إلى مواقع إنتاجه من ناحية ومن ناحية أخرى إضعاف القوة الباقية في موطنها الأصلي، وسبيل ذلك يمكن أن يكون بتشجيع مؤامرات جلب وتهريب المخدرات. فإذا كانت البطالة ظاهرة لها مقدماتها الاقتصادية وهي تعيق عملية التنمية وتؤدي إلى مشكلات اجتماعية أخرى متعددة، فإن انتشار المخدرات يستهدف التهام حصاد العملية الإنتاجية وسوء استعمالها يؤدي إلى إضعاف القدرة على الأداء والتقليل من دقته ووصول العامل المتعاطي أو المدمن إلى حالة من الإحساس بالضياع والشعور باللامبالاة والاغتراب عن مواقع الإنتاج والأسرة والأبناء والمجتمع.  


تعاطي المخدرات
يقلل من التركيز الدائم وحضور الذاكرة ويعرض المهارات الميكانيكية للضياع. والأفيون يقلب الأمزجة ولو بجرعات صغيرة، ويقلل من النشاط ويضعف من المهارات الآلية النفسية المرتبطة كقيادة السيارات

فقد أوضحت دراسات عدة أن تعاطي المخدرات يقلل من التركيز الدائم وحضور الذاكرة وتعريض المهارات الميكانيكية للضياع. وعلى نفس نسق ما أوردناه من أثر المخدرات على القدرات المعرفية في العملية التعليمية فإن نفس النتائج المشابهة تتكرر في عمليات الأداء الإنتاجي وفي الكفاءة الذهنية والمهارات اليدوية.

فالحشيش يفسد الوظائف المعرفية كما أثبتت البحوث المصرية ذلك على مدى العقود الأربعة الماضية. ويزيد الحشيش من زمن الاستجابة أو رد الفعل وانخفاض الدقة الميكانيكية. والأفيون يقلب الأمزجة ولو بجرعات صغيرة، ويقلل من النشاط ويضعف من المهارات الآلية النفسية المرتبطة بقيادة السيارات. وإذا كان الكوكايين ولو بجرعات صغيرة قد يحسّن الأداء في الأعمال الصغيرة، فإنه بالإضافة إلى المواد المشتقة منه يؤدي إلى نوع من القهر عند تكرار الاستعمال والإدمان عليه. ورغم ما قيل فإنه من الواضح أن التورط في سوء استعمال المخدرات يخفض من الإتقان في العمل ويضعف من الدقة في الأداء كما أثبتت ذلك نتائج البحوث التي أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية على مستوى القطر المصري بين العمال والطلاب والتلاميذ، وكذلك الدراسات التي أجرتها منظمة العمل الدولية ILO في عدد من الدول الأوروبية، أو التي أجريت على موظفي هيئة البريد في الولايات المتحدة الأميركية، أو التي أجريت على عينة من 468 من الشباب في لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا. وتبين أن التعاطي ينتشر بين العمال الذين يلتحقون بورش صناعية في الأماكن والأحياء التي تنتشر فيها ثقافة تعاطي المخدرات.

وقد تشكل البطالة تربة خصبة لتنامي مشكلة سوء استعمال المخدرات خاصة بين الشباب العاطلين، ومما يساعد على ذلك تهميش مجتمع الكبار لهم فيجعل قابليتهم للوقوع في خبرات التعاطي أكثر احتمالا. والجدير بالذكر أن 30% من قوة العمل في العالم معطلة عن الإنتاج، وهناك أكثر من 120 مليون نسمة مسجلون كعاطلين، وهناك أيضا 75 مليون نسمة طالبين للعمل. وهؤلاء غير ملايين الأفراد غير المسجلين، إلا أن كثيرا من هؤلاء يقومون بأعمال في القطاع غير الرسمي مما قد يقلل نسبيا من غلو المشكلة. 

سابعاً: المخدرات والجريمة

اختلفت الآراء حول علاقة المخدرات بالجريمة وهل هي علاقة سببية بين المقدمات والنتائج؟ أم علاقة ارتباط بين مثير واستجابة؟ أم أنها عامل مساعد لا تتم الجريمة إلا بحدوثه؟ ولكل هذه التساؤلات من نتائج الدراسات ما يثبتها ومنها ما ينفيه. 
(UNRISD, 1984) وما دام الأمر كذلك وفيه حيرة منهجية، فإنه على الأقل وجدنا من الدلائل ما يثبت -خاصة في العقدين الأخيرين بعد استشراء الظاهرة عالميا وسوء الاستعمال المفرط بالنسبة للمخدرات المصنعة والمواد النفسية المنشطة- أن ثمة جرائم تحدث قبل التعاطي وأخرى بعدها وأغلبها يرتبط بأمرين: 
الأول يتعلق بجلب المخدرات وتوزيعها، والثاني يتعلق بعملية الاستهلاك.

وتبدأ الجرائم الخاصة بالجلب والتوزيع من التجريم القانوني لها، وترتبط بالجرائم ضد الأشخاص بالقتل والأذى البالغ أثناء الاصطدام مع قوات المطاردة لعصابات المهربين، أو في مواقف الصراع الذي يحدث أحيانا بين هذه العصابات، وكذلك توريط العديد من الأحداث والشباب في عصابات التوزيع والتسويق. وأخيرا وليس آخرا جرائم التربّح من جراء أنشطة غسيل أموال والتي فطن إليها أخيرا كبار التجار والمهربين.

أما الجرائم المرتبطة بالاستهلاك فإن أغلبها ينحصر في جرائم المال بسبب القهر الذي يسبق رغبة المدمن في الحصول على المخدر عندما يقع في ضائقة مالية تحول بينه وبين القدرة على شراء المخدرات. وتشير دراسة أجريت في تورنتو بكندا إلى تورط الكثير من الأحداث والشباب في نشاط عصابات للشباب خلال سنة 1980 في ارتكاب جرائم السرقة والسطو من أجل الحصول على المال لشراء المخدرات. كما اتضح أيضا أن جرائم العنف والتشويه واستخدام الأسلحة قد صاحبت تسويق مخدر كراك الكوكايين (Fredrik, M)

وأفاد تقرير مؤتمر الأمم المتحدة السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين (ميلانو 1985) عن الشباب والجريمة والعدالة، بأن سلطات الدول المشاركة قلقة للغاية بسبب مصاحبة ازدياد معدل الجريمة بازدياد استهلاك العقاقير المخدرة. وأشير أيضا إلى أنه كثيرا ما يرتكب مسيئو استعمال العقاقير جرائم تتصل بتعودهم تعاطي المخدرات، وخاصة من أجل الحصول على العقاقير أو المال الذي يشترونها به. 

ثامناً: دراسات ميدانية على المدمنين

نستعرض فيما يأتي ثلاثة نماذج من دراسة مسحية مقارنة أجريت في 98/1999 باستخدام المنهج سابق الذكر لمعرفة سوء استعمال المواد النفسية المنشطة والاعتماد على الحقن بمادة الهيروين وذلك في كل مصر وإيران وباكستان.

مصر
أجري استبيان شبه مقنن على عينة بلغت 696 حالة من المراكز العلاجية وأيضا من المقاهي والمدارس والمارة من الشوارع.. الخ وكانوا من خمس محافظات مصرية: القاهرة 177، الغربية 144، الإسماعيلية 140، قنا 125، جنوب سيناء 110. وبالرغم من الاختلاف الملحوظ بين هذه المحافظات فإن الملمح العام المشترك هو انتشار سوء استعمال البانجو وهو عشب من نبات القنّب (الحشيش) وكذلك تناول المشروبات الكحولية.

وقد تبين أن سوء استعمال المواد النفسية المنشطة والحقن بالهيروين نمط أكثر شيوعا في المدن الرئيسة الكبرى. وأفصح 17% من العينة أن أسلوب الحقن هو الطريق الرئيسي لاستعمال المخدرات. وهناك 33% اشتركوا في استعمال أدوات الحقن مع أصدقاء، و13% مع غرباء. وذكر ما يقرب من  ثلثي الذين يتعاطون المخدر بالحقن أنهم يستخدمون إبرا معقمة حتى عند إعادة الاستعمال، وهناك 16% لا يعقمون أدوات الحقن. واتضح أن 30% من العينة على دراية تامة بطرق انتقال مرض الإيدز، أما فيروس (C) فالدراية أقل.

وقد أكد تحليل بيانات نتائج البحث القومي للإدمان بهشاشة الفئة العمرية من 15 - 20 للانغماس في دائرة التعاطي. وكانت مجاملة الأصدقاء وحب الاستطلاع والعودة إلى مجالسة المتعاطين وقبول المادة المخدرة كهدية، من أهم المبررات لأول تجربة للتعاطي. (سويف/ المركز القومي 1984).

إيران
 

وبنفس منهج الاستقصاء السريع أجريت الدراسة ذاتها في جمهورية إيران الإسلامية سنة 98/1999 وتم إجراء مقابلات مع مستعملي المخدرات وأعضاء من أسرهم، وأيضا بعض الإخباريين من ذوي العلاقة. وتقف حدود هذه الدراسة من حيث عدم تمثيل العينة طبقا للأسس المنهجية وكذلك بالنسبة للمدن التي أجريت فيها الدراسة. وعلى أي حال فإن المعلومات التي أوردتها أدت إلى توضيح الصورة عن سوء استعمال المخدرات في إيران.

وتبين أن 29% من جميع الحالات التي تم اختبارها لها ماض في الحقن بالمخدرات. وبلغ متوسط العمر مستعملي الحقن 31.7 سنة، ومتوسط العمر عند بداية التعاطي بالحقن 26.3 سنة. وأفاد نصف مستعملي الحقن أنهم يحقنون بمعدل مرتين إلى ثلاث مرات يوميًا. وكانت غالبية الحقن تتم عن طريق الوريد. واتضح أن نصف عينة مستعملي الحقن يتشاركون في استعمال نفس إبر الحقن، بل بلغت نسبة مثل هؤلاء 70% للعينة القادمة من مارة الطريق. 

وأدلى الإخباريون أن مشكلة الحقن بالمخدر منتشرة في سجون إيران رغم صرامة الإجراءات الأمنية في السجون. وأضافوا أن أسلوب الحقن بالمخدرات رغم ذلك ليس بالأسلوب المفضل بين المتعاطين في إيران ولكنه اتجاه جديد تطور سريعا في الفترة الأخيرة.

ولكن ثمة أمرا آخر أفصحت عنه الدراسة الراهنة وهو علاقة التعاطي أو الاعتماد على المخدر بالسلوك الجنسي غير المشروع فوجد أن ثلث المتزوجين من أفراد العينة لهم علاقات جنسية خارج بيت الزوجية، وكذلك الحال بين المطلقين والمنفصلين،
و70% من غير المتزوجين. ويتبين أنه بجانب الوصمات الاجتماعية والأخلاقية التي أسفرت عنها نتائج هذه الدراسة فإن الخطورة كامنة وواضحة أيضا إزاء المخاطر الصحية بعدوى مرض الإيدز بسبب المشاركة في استعمال أدوات الحقن والعلاقات الجنسية غير الشرعية.

باكستان
 

يقدر عدد الأشخاص الذين يعانون من سوء استعمال المواد المخدرة في باكستان بنحو ثلاثة ملايين نسمة، وتعتبر آفة شمّ الهيروين وتدخينه من أهم الأساليب التقليدية للتعاطي والإدمان.  أما الآن فإن الاتجاه في ازدياد نحو الاعتماد على سوء الاستعمال بالحقن.

قد اتضحت خطورة الموقف من خلال التقرير المشترك بين UNDCP& UNAIDS عن دراسة أجريت في ديسمبر/كانون الأول 1999 بعنوان "دراسة أساسية للعلاقة بين استعمال المخدر بالحقن والعدوى بمرض الإيدز وفيروس (C) بين مستعملي المخدر بالحقن من الرجال في مدينة لاهور". وقد أجريت الدراسة خلال شهري يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 1999، وكشف التقرير عن ارتفاع معدلات العدوى بفيروس (C).

وترجع الدراسة هذا الارتفاع سوء استعمال المخدرات عن طريق الحقن والعلاقات الجنسية غير المشروعة.

وهناك 187 حالة من العينة البالغة 200 فرد (89%) مصابون بفيروس (c) ولم يعثر على إصابات بمرض الإيدز بين أفراد هذه العينة. وكان استعمال الإبرة المشتركة في 69% من الحالات.

ودحضت نتائج الدراسة نظرية هبوط الفعالية الجنسية بالنسبة للمعتمدين على المخدر، إذ تبين أن أكثر من نصف المبحوثين أفادوا باستمرار نشاطهم الجنسي وتكراره في السنة الأخيرة. كما أقر 48.5% بنشاطهم الجنسي في أماكن الدعارة، وقد يكون ذلك من أهم طرق انتقال العدوى لهذه الأمراض.

وفي النهاية تطرح الدراسة ما مؤداه أن التحول من عادة شمّ الهيروين أو تدخينه إلى الحقن بخليط من المواد المخدرة والمنشطة يزداد انتشاره بشكل سريع، فقد تحول 49% من الحالات التي كانت تستعمل المخدرات بالشم أو التدخين إلى أسلوب الحقن في السنة الأخيرة. وتتكوّن مواد الحقن، الخليط، من مواد مخدرة غير محظورة تباع في الصيدليات وتخلط بمواد أخرى محظورة قانونا.

وقد أيدت نتائج بحوث أخرى أجريت في مناطق مختلفة في آسيا، نماذج مستحدثة في استعمال المخدرات وأن التحول من التعاطي التقليدي للأفيون إلى طرق الحقن يعتبر من أهم العوامل المساعدة للازدياد السريع في معدلات الإصابة بمرض الإيدز بين مستعملي المخدرات عن طريق الحقن.

ويمكن بناء على ما سبق القول إن هذا التحول في طرق التعاطي في باكستان إنذار مبكر لمخاطر كبرى يمكن اتخاذ إجراءات فعالة نحوها.

تاسعاً: في الوقاية والعلاج

إن تصورات ومخططات الوقاية والعلاج لمشكلة المخدرات لا يمكن أن تجد صدى في أرجاء المعمورة ومردودا فعالا في المجتمعات المحلية إلا إذا تكافأت مع المكونات الثقافية والإمكانات الواقعية المتاحة في كل مجتمع أو دولة، وذلك بالنسبة لإجراءات الوقاية والعلاج، والوقاية في المقدمة دائما. وتتركز عوامل الوقاية في العوامل الآتية (UNDCP):

أولاإن الاستراتيجية القومية والدولية يجب أن تتجه إلى جوهر الظاهرة وهم الناس أنفسهم بما يعنيه ذلك من مجتمعات ونظم ومؤسسات تدير شؤون حياتهم، والتي تدور حول محاور البيئة والسكان والدين والاقتصاد والسياسة والأسرة والثقافة والقانون والتقاليد والعرف والقانون والرأي العام.

ثانيا: استراتيجيات التنمية البديلة خاصة في المناطق التي يتم فيها استزراع أنواع محلية من المواد التي أدرجتها لجنة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات ومنظمة الصحة العالمية في جدول المخدرات المحظورة.

ثالثا: إن تناول المشكلة وقائيا وعلاجيا يجب أن يتلاءم مع خصائص الريف من ناحية وسمات الحضر من ناحية أخرى، وذلك من حيث التقدير والتقويم والإجراءات. ومن أجل تحقيق النجاح في كلا الجانبين فيجب وضع آليات المساندة من السياسة الاجتماعية والجنائية التي تتبناها الدولة ومن المجتمعات المحلية لهذه المناطق، والجمعيات الأهلية أو غير الحكومية (NGO,s)

 

ويلاحظ التشتت في عمليات الوقاية والعلاج كأن يتم التركيز على إجراءات المنع بإعمال القانون وتغليظ العقوبات فقط دون اعتبار لأبعاد ثقافية أو اجتماعية، أو التركيز على إجراءات علاجية للمدمنين دون مراعاة العوامل الاقتصادية والأسرية المشجعة على التعاطي والإدمان، بمعنى أن الحلول تفتقر إلى التنسيق بين مؤسسات الوقاية والعلاج، وأن النظرة التجزيئية لا الشاملة هي السائدة. ومن ثم فإن ما استقرت عليه الاتجاهات العلمية والعملية المعاصرة والجهود الدولية من خلال التوصيات التي تتابعت عبر المؤتمرات الدولية هو أن مشكلة سوء استعمال العقاقير المخدرة ينبغي أن تشخّص في إطار كلي شامل بالنسبة لأبعادها المتعددة وعواملها المتفاعلة، وأن مناهج الوقاية والعلاج ينبغي أن تتحقق في إطار منظومة التنمية المتواصلة والمتكاملة، إذ إن مردودها لن يقتصر على البعد الاقتصادي فقط بل سيصل إلى الأبعاد الاجتماعية والثقافية ومقومات القوى البشرية، ويتضمن ذلك كنتيجة حتمية انحسار حجم مشكلة المخدرات كما وكيفا.

أ- تخفيض الطلب
والأمر الذي لا مفر منه في بداية مسار الوقاية والمكافحة هو حل المعادلة الصعبة لخفض العرض والطلب في وقت واحد أو زمن متقارب بقدر الإمكان. والمنطلق النظري لهذا المسار أنه إذا امتنع الشخص عن التعاطي مهما كانت الإغراءات لحدث كساد فوري في جلب وتجارة وتوزيع المخدرات. وتسعى استراتيجيات خفض الطلب على المخدرات إلى الحد من الإقبال على تعاطيها، ومد يد العون إلى المتعاطين لكسر عادة التعاطي وتوفير الحاجة إلى العلاج من خلال برامج التأهيل والعودة إلى حظيرة المجتمع والتوافق معه.

لقد عقدت الأمم المتحدة سنة 1989 حلقة خاصة عن مشكلة المخدرات، أقرت فيها الدول الأعضاء بأن خفض الطلب على المخدرات يعتبر دعامة أساسية لحثّ الجهود الدولية نحو مكافحة التسويق والتعاطي. والتزم الأعضاء أنفسهم ببذل الجهد لتخفيض الطلب والحدّ من استجلاب المخدرات بحدود سنة 2008. والأمر يحتاج في أوله إلى إتاحة الفرص لإعداد البيانات الإحصائية لتقدير حجم ونماذج سوء استعمال المواد المخدرة على مستوى القطر والإقليم والعالم, وهذا ما بدأ به برنامج التقويم الشامل لسوء استخدام المخدرات (Global Assessment Programme on Drug Abuse GAP)

ب- تخفيض العرض
ويسعى برنامج الأمم المتحدة لمراقبة أنشطة المخدرات (UNDCP) لبسط مشروعاته للحد من استزراع وإنتاج وتجارة وتوزيع المخدرات للتخفيض من عرضها، ويطرح لمزارعي الأفيون والكوكايين وسائل تغيير زراعة المخدرات إلى محاصيل أخرى مربحة كنوع من النشاط البديل، إلى جانب مشروعات تنمية المجتمع وإدارة الموارد الطبيعية. وتهدف مشروعات تخفيض العرض أيضا إلى توسعة التعاون الإقليمي بين الحكومات لتدعيم وسائل مقاومة التجارة العابرة للحدود الإقليمية. وأن يكون ذلك بأرقى الوسائل التقنية والتدريب عليها بأحدث الأساليب ومدعمة بإجراءات إعمال القانون.


تحسين نوعية
الحياة الاجتماعية والاقتصادية يمكن أن يخفض من عرض محاصيل المخدرات المحظورة أو القضاء عليها

وتعتبر مشروعات التنمية البديلة هي المخرج الأساسي للحد من عرض المخدرات وذلك لأن مزارعيها يقطن أغلبهم في بلدان نامية فقيرة، ومن ثم فإن تحسين نوعية الحياة الاجتماعية والاقتصادية لهم عن طريق مشروعات التنمية المتكاملة إلى نوع من التنمية البديلة التي يمكن أن تحقق بذاتها تخفيض عرض محاصيل المخدرات المحظورة أو القضاء عليها إن أمكن ذلك.

ويضاف إلى ما سبق ضرورة إجراء تفتيش جوي وفضائي على مزارع إنتاج المخدرات في المناطق النائية والمهجورة. فلو تكاملت المراقبة الجوية مع المراقبة الفضائية فإن النتائج الرقمية لمراقبة المحاصيل والزراعات الممنوعة قد تحقق تخفيضا لعرض المخدرات في حدود سنة 2008.

ج - إعمال القانون
ومما يعمل على تخفيض العرض بشكل مؤكد هي الجهود الجادة لإعمال القانون على مستوى الدولة والارتفاع بمستوى كفاءة العاملين في أجهزة العدالة الجنائية (CJS) والتعجيل في نظر قضايا المخدرات خاصة قضايا الجلب والتجارة. ويلاحظ كما ذكرنا سلفا أن تخفيف درجة التجريم أو إلغاءها بالنسبة لبعض المواد المخدرة كالقنب (الحشيش) في بعض الدول الغربية قد فتح أسواق الجلب والتوزيع، مما يتيح زيادة العرض مرة أخرى بسبب التعديلات التشريعية كما حدث في هولندا وبلجيكا وبريطانيا. وستمتد زيادة العرض إلى دول أخرى لأن الظاهرة كما نعلم أصبحت عابرة للقارات. وهذا عكس ما حدث في بلاد أخرى كمصر، حيث تأثر العرض بالانخفاض بعد التعديلات التشريعية في قانون العقوبات المصري 182/1960 &122/1984 وتغليظ عقوبات التجارة والتهريب إلى الأشغال الشاقة المؤبدة أو الإعدام، إلا أن تغليظ العقوبات قد يحدث عنه آثار عكسية بأن يتحول الطلب إلى مواد مخدرة أرخص سعرا كما في نبات البانغو وأقل نقاوة كما في بعض المخدرات النفسية المنشطة والمصنعة.

كما لا يقتصر إعمال القانون على المستوى القومي أو المحلي بل إن الحاجة أصبحت ماسة إلى إعماله على المستوى الدولي وذلك بتشييد الجسور القانونية بين الدول المشاركة لمكافحة المخدرات أو الوقاية منها وبين برنامج الأمم المتحدة لرقابة أنشطة المخدرات (UNDCP) والذي خصص فيه قسم أو إدارة لإعمال القانون تحلل فيه الاستجابات الواردة من الدول الأعضاء والتقارير المبينة لحجم المضبوطات من المخدرات في كل دولة. وتستخدم هذه البيانات لإعداد التقارير على المستوى الدولي المقارن لحركة تجارة المخدرات ونشرها في وثائق الأمم المتحدة.

د- الإنسان والمخدرات
أشرنا إلى أن استراتيجية الوقاية والعلاج يجب أن تتجه إلى جوهر المشكلة ذاتها وهم الناس أنفسهم فهم المقصد من الحماية حيث إنهم مستهدفون لسلب عقولهم وحجبها عن استيعاب المعرفة وإضعاف قدرتهم على توظيفها في العلم أو الإنتاج أو إدارة شؤون أسرهم ومؤسساتهم والبلاد. ومن ثم لا فائدة أو نفع من أي إجراء وقائي أو علاجي إلا إذا صدر من قناعتهم. فالعقل المستهدف بالتغييب هو نفسه القادر على درء الضرر والشر المستطير عنه. فلنبدأ أولا بقناعته بتحريم أو تجريم المخدرات ودون أن يقول المرشح للتعاطي "لا ولن" أتعاطى. وبفضل هذا الوعي يمكن أن يكون الدرع الواقي إزاء هجمات المخدرات أو إزاء عوامل الاستهواء والترغيب لسوء الاستعمال. ومن ثم فإن الأمر يتبلور في مفهوم ثقافي قد يكون مصدره الدين أو العرف أو القانون أو الأخلاق أو كل ذلك معا. ولذلك فإن قولة "لا ولن" أقبل على تجربة التعاطي هي التي نبحث عن إرسائها في عقول الناس وإفهامهم منذ وعيهم بالحياة ووقوفهم على أبواب تحمل المسؤولية والتكليف وإدراكهم لحقوقهم في المجتمع. فإذا تحقق ذلك احتمى الإنسان بحصن الأمان ضد رجمات سموم المخدرات و إجرام موزعيها. أما إذا افتقد الإنسان المناعة المعرفية النفسية أي الوعي لظرف اجتماعي أو لآخر، فإن حاجته ماسة للمساندة المعرفية والنفسية والاجتماعية من خلال النظم التي يستظل بها والمؤسسات الاجتماعية التي تقدم له خدماتها المتبوعة من الأسرة إلى المدرسة إلى المسجد أو الكنيسة إلى الورشة أو المصنع أو المنتدى الرياضي أو الثقافي أو الترفيهي.

وكل من هذه المواقع هي الموئل الطبيعي الاجتماعي للإنسان حيث يفترض أن يكون الوسط الصحي لتلبية حاجاته البشرية والاجتماعية المشروعة، إلا أنه من جهة أخرى قد تكون -ماعدا دور العبادة– موطنا لممارسة أنماط منحرفة من السلوك ومنها تعاطي المخدرات أو الاعتماد عليها، وبذلك فإن الوقاية تبدأ من هذه المواقع. وفي حالة إصابتها بالخلل الذي قد يترتب عليه ممارسة سوء استعمال المواد المخدرة المحظورة فإن المؤسسات والنظم الضابطة لإيقاع الحياة الاجتماعية السوية عليها أن تتدخل لحماية مواقع التنشئة الاجتماعية، أسرة كانت أومدرسة أو مصنعا أو منظومة برامج تلفزيونية أو ناديا رياضيا أو ترفيهيا تشجع فيها ثقافة التعاطي بل الممارسة الفعلية أحيانا.

إن مشكلة المخدرات بأبعادها المتعددة التي تناولناها مشكلة في غاية التعقيد بوضعها الراهن على مستوى العالم والمستويات المحلية القومية وتتشابك فيها العوامل المكونة لها، اقتصادية مادية اجتماعية، نفسية، بيئية، أخلاقية دينية.. ولكل عامل من هذه العوامل وزنه الخاص، ويختلف من مجتمع لآخر ومن فئة وطبقة اجتماعية إلى أخرى. إنما العامل الرئيسي المشترك الذي يربط بين العوامل المتعددة هو البعد الثقافي الديني والأخلاقي والقيمي فهو الذي يضمن حصانة الإنسان المعرفية والنفسية التي تحبذ رفض فكرة التعاطي ونبذها وإبعادها عن المخاطر، فبالرغم من صعوبة المشكلة بتعدد عواملها وتفاعلها إلا أن أكثر الطرق يسرا لحل المشكلة هو توظيف البعد الديني والأخلاقي انطلاقا من تعاليم الدين التي تحرم سوء استعمال الخمور والمخدرات، إلى الممارسات الدينية في دور العبادة التي تزيد مناعة الإنسان ضد مساوئ وأضرار المخدرات. وقد غاب في كثير من الأحوال عن أصحاب الاهتمام هذا البعد الديني والأخلاقي في تحديد ملامح استراتيجية الوقاية والعلاج. ويلاحظ ذلك في توصيات المؤتمرات الدولية، فإنها تقارب البعد الديني الأخلاقي بنوع من استحياء لولا مساهمات الدول العربية الإسلامية في التأكيد على إيلاء العامل الديني والأخلاقي الاهتمام وغرس القيم الدينية والأخلاقية الواقية من التورط في الانحراف وسوء استعمال المخدرات بوجه خاص. 

إن إيلاء الاهتمام بالبعد الديني الأخلاقي يجب ألا يؤخذ بمعزل عن عناصر التنمية المتكاملة والمتواصلة لأنه بمفرده لا يتحقق غالبا في غياب ديمقراطية المشاركة في التنمية ومقوماتها المعرفية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية. فإذا كان الإنسان هو المستهدف من سوءة المخدرات وهو المقصد أيضا والوسيلة لحمايته منها، فإنه يمكن بالتنمية الشاملة المتكاملة احتواء المشكلة والتقليل من أضرارها بقدر الإمكان لأن التنمية للإنسان وبالإنسان.
 

الصفحة الرئيسية