التوزيع الرأسي لدرجات الحرارة، في الغلاف الغازي

         تصل الطاقة الشمسية إلى سطح الغلاف الغازي للأرض بعد أن تقطع المسافة بين الشمس والأرض، التي تبلغ في المتوسط 150 مليون كيلومتر، بسرعة تصل إلى 300 ألف كيلومتر، في الثانية. وتستغرق الأشعة قرابة 8 دقائق، لتصل إلى الأرض. وعند بداية اختراقها لغازات الغلاف الغازي للأرض، تمتص الطبقات العليا من الغلاف الغازي جميع الأشعة، التي تبلغ موجاتها 0.3 ميكرومتر وما دون. وتمتص بعض الغازات الأخرى أطوالاً أخرى من الموجات، وتشتت بعضها .

         إن ما يصل إلى سطح الأرض من الطاقة الشمسية، يسخنها، بدرجات متفاوتة، تبعاً لزاوية سقوط الأشعة الشمسية، وطبيعة السطح، الذي تسقط عليه ( سائل، صلب، لونه، امتصاصيته للأشعة، انعكاس الأشعة من على سطحه). بعد تسخين سطح الأرض، يسخن الهواء الملامس له، في الطبقة السفلى من الغلاف الغازي.

         يمكن تتبع التغير في درجات الحرارة، والضغط الجوي، ابتداءً من سطح الأرض إلى أعلى الغلاف الغازي. فبالإنطلاق إلى أعلى، في يوم من أيام الربيع المعتدلة الحرارة، ودرجة الحرارة على سطح الأرض 15 درجة مئوية، والضغط الجوي، لا يتعدى ألف مليبار ، يتضح أن انخفاض الحرارة يواكب الارتفاع عن سطح الأرض، مصدر تسخين الغلاف الغازي، من الأسفل. إذ تسخن الطبقات الدنيا منه بالملامسة، وتنتقل الحرارة إلى الطبقات التي تعلوها، بالحمل. وتمتص بعض غازات الغلاف الغازي الأشعة الحرارية الصادرة عن الأرض، وخاصة بخار الماء وثاني أكسيد الكربون، اللذَين يطرَّد تناقصهما، تبعاً للارتفاع؛ ما يجعل الطبقات الدنيا من الغلاف الغازي أعلى حرارة. وتستمر درجة الحرارة بالانخفاض، مع الارتفاع، فتصل عند ارتفاع، 5.5 كيلومترات إلى -20 درجة مئوية؛ وينخفض الضغط الجوي إلى 500 مليبار. ويتوالى انخفاض درجة الحرارة حتى ارتفاع 11 كيلومتراً، حيث تصل إلى ـ57 درجة مئوية. هذا النطاق من الغلاف الغازي، الممتد من سطح الأرض إلى حيث تتوقف درجة الحرارة عن الانخفاض، يطلق عليه التروبوسفير Troposphere  .

         جاءت هذه التسمية من الكلمة اليونانية تروبين Tropein، وتعني التغير، وكلمة سفير Sphere غلاف؛ تعني التروبوسفير، إذاً، الغلاف المتغير. وفيه تحدث جميع المظاهر الجوية المألوفة، من سحب ورعد وبرق ومطر وبرد ونحوها. عند ارتفاع 17 كيلومتراً تظل درجة الحرارة، -57 درجة مئوية، من دون تغير، مكونة بداية الحد الفاصل بين طبقة التروبوسفير والطبقة التي تعلوها؛ ويطلق عليه التروبوباوز Tropopause وهي تفصل بين طبقة التروبوسفير وطبقة الستراتوسفير Stratosphere. ولأن سماكة الغلاف الغازي، تتأثر بالحرارة، فهو أكثر سماكة فوق المناطق الاستوائية والمدارية الحارة، وأقلّ سماكة فوق القطبَين؛ فإن ارتفاع التروبوباوز، يختلف تبعاً لذلك. فهو يراوح، في العروض المعتدلة، بين 11 و17 كيلومتراً؛ ويزداد فوق المناطق المدارية؛ وينخفض فوق المناطق القطبية.

         في طبقة الستراتوسفير، وعلى ارتفاع قرابة 20 كيلومتراً، فوق السطح، تنقلب الأمور، وينعكس الحال؛ إذ تبدأ درجة الحرارة تزداد بازدياد الارتفاع. هذه الطبقة، هي طبقة الانقلاب الحراري Inversion Layer، حيث تفوح رائحة غاز الأوزون، الذي يمتص الأشعة الشمسية قصيرة الموجة، ما بين 0.2 و0.3 ميكرومتر، عالية الطاقة؛ فترتفع حرارته، ويسخن غازات الهواء المخالطة له في هذه الطبقة، وأهمها الأكسجين، والنيتروجين. على ارتفاع 30 كيلومتراً، وعلى الرغم من أن درجة الحرارة تزداد بازدياد الارتفاع، إلا أن درجة حرارة الهواء، تبقى منخفضة إلى حدٍّ كبير؛ إذ تبلغ ـ46 درجة مئوية.

         يطَّرد ازدياد درجة الحرارة باطّراد الارتفاع، فتصل درجتَين ونصف، على ارتفاع 50 كيلومتراً، حيث يتوقف ازديادها؛ ما يشير إلى نهاية طبقة الستراتوسفير، وغطائها العلوي، طبقة الستراتوباوز Stratopause؛ إيذاناً بدخول الطبقة التالية، وهي طبقة الميزوسفير Mesosphere، حيث تتكون، في بدايتها، طبقة من التساوي الحراري Isothermal، وينخفض الضغط الجوي إلى مليبار واحد فقط. وعلى الرغم من سطوع الشمس، إلا أن الظلام يسود هذه الطبقة، ويزداد حلكة بازدياد الارتفاع، وذلك لتناقص جزيئات الهواء. والمعروف أن تشتيت جزيئات الهواء لأشعة الشمس المرئية، قصيرة الموجة، في مختلف الاتجاهات، يعطي السماء لونها الأزرق. ولكن تناقص جزيئات الهواء في هذه الطبقة تناقصاً كبيراً يقلل من كمية الأشعة المشتتة؛ لذا، تبدو السماء سوداء مظلمة. وعلى الرغم من أن نسبة الأكسجين في هذه الطبقة، لا تختلف كثيراً عن نسبته في الهواء، قرب مستوى سطح البحر، إلا أن قلة تركز الهواء، تجعل عدداً قليلاً من جزيئات الأكسجين فيها متاحاً للتنفس؛ ما يستلزم استخدام مساعدات تنفسية.

         تنخفض درجات حرارة الهواء، لكما ازداد الارتفاع في طبقة الميزوسفير. ويتواصل انخفاضها حتى ارتفاع 85 كيلومتراً، حيث تصل درجة حرارة الغلاف الغازي إلى أقلّ مستوياتها، إذ تبلغ -90 درجة مئوية. وتتوقف درجات الحرارة عن الانخفاض بدخول طبقة الميزوباوز Mesopause، الفاصلة بين هذه الطبقة وتلك التي تليها، من الغلاف الغازي، وهي طبقة الثيرموسفير.

         بعد تجاوز منطقة الاستقرار الحراري، في بداية طبقة الثيرموسفير Thermosphere، تبدأ درجة الحرارة بالازدياد، كلما ازداد الارتفاع. في هذه الطبقة، تمتص جزيئات الأكسجين الأشعة الشمسية، التي لا يتجاوز طول موجاتها 0.2 ميكرومتر. والطاقة التي تمتصها، تكفي لفصل الجزيء إلى ذرتَين من الأكسجين. ونظراً إلى انخفاض كثافة الهواء، وقلة الجزيئات، فإن كمية قليلة من الطاقة، كافية لرفع درجة الحرارة رفعاً كبيراً. ولذلك، تتفاوت درجات الحرارة في هذه الطبقة، من يوم إلى آخر، تبعاً للنشاط الشمسي. لاحظ  أنه في حالة النشاط الشمسي المعتدل، تبلغ درجة حرارة الهواء، على ارتفاع 300 كيلومتر، 700 درجة مئوية. وتبلغ درجة الحرارة، على الارتفاع نفسه، في أيام ازدياد النشاط الشمسي، 1700 درجة مئوية. ولكن، نظراً إلى الهبوط الشديد في كثافة الهواء، وقلة جزيئاته، التي تصدم الجسم، فإن درجة الحرارة العالية، في هذه الطبقة، غير محسوسة.

         ما فوق الثيرموسفير، يطلق عليه إكسوسفير Exosphere، أو الغلاف الخارجي. ويبدأ على ارتفاع 500 كيلومتر من سطح الأرض. وقد تسمح الطاقة العالية لذرات الهواء وجزيئاته، لها بالانطلاق من قيود الجاذبية الأرضية، في هذا النطاق، إلى الفضاء.

         يمكن إذاً، تقسيم الغلاف الغازي للأرض بالنظر إلى التغير في درجة حرارته، المصاحب لتغير الارتفاع، إلى خمس طبقات رئيسية، هي، من الأسفل إلى الأعلى:

أ- التروبوسفير

ب- الستراتوسفير

ج- الميزوسفير

د- الثيرموسفير

هـ- الأكسوسفير

6- التوزيع الأفقي لدرجات الحرارة، على سطح الأرض

         إن التفاوت في درجات الحرارة على سطح الأرض، ناتج من تفاوت كمية الإشعاع الشمسي، الواصلة إليه، وارتفاعه عن سطح البحر. تزداد كمية الإشعاع الشمسي، كلما كانت زاوية سقوط الأشعة أقرب إلى العمودية. وهذا مرتبط باختلاف مطالع الشمس، وتنقل هذه المطالع بين المدارَين، شمالاً وجنوباً. يكون أقصى هذه المطالع نحو الشمال، عندما تتعامد الشمس على مدار السرطان (23.5 درجة شمالاً)، عند الانقلاب الصيفي، في 22 يونيه، حين يبدأ فصل الصيف، في نصف الكرة الأرضية الشمالي. وتعود مطالع الشمس، بعد ذلك اليوم، إلى التزحزح نحو الجنوب، فتتعامد على خط الاستواء، في الاعتدال الخريفي، في 21 سبتمبر، حين يبدأ فصل الخريف. وتستمر مطالع الشمس في التزحزح، جنوباً، إلى أن تصل إلى أقصى ابتعاد لها في هذا الاتجاه، بتعامدها على مدار الجدي، في الانقلاب الشتوي، في 21 ديسمبر؛ إيذاناً ببدء فصل الشتاء، في نصف الكرة الأرضية الشمالي، وفصل الصيف في نصفها الجنوبي. تعود بعدها مطالع الشمس للتزحزح، ناحية الشمال، فتتعامد على خط الاستواء، مرة أخرى، في الاعتدال الربيعي، في 21 مارس. وتستمر في تزحزحها شمالاً، حتى تتعامد على مدار السرطان، مرة أخرى، بعد عام كامل  .

         يوضح العرض السابق، أن المنطقة المحصورة بين المدارَين، تستقبل أكبر قدر من الطاقة الشمسية، خلال العام؛ ويتناقص هذا المقدار، بالاتجاه نحو القطبَين، شمالاً وجنوباً. وتنقل الرياح والتيارات المائية، الفائض من الطاقة، من المناطق المدارية إلى النواحي القطبية. لذا، فدرجات الحرارة على سطح الأرض، تكون مرتفعة، في المناطق المدارية بعامة؛ منخفضة في تلك القطبية.

         تتباين تضاريس سطح الأرض، في قدرتها على امتصاص الإشعاع الشمسي؛ بل إن صخور اليابس، تتباين في ذلك؛ فضلاً عن تباين اليابس والماء. فالصخور المكونة للقارات، وهي مركبات معدنية ـ هي أسرع من مياه المحيطات، في امتصاص الحرارة وافتقادها؛ لسعتها الحرارية المنخفضة، مقارنة بالسعة الحرارية العالية للماء. لذا، فالمسطحات المائية، من بحار ومحيطات، هي أدفأ، في الشتاء، من اليابس المجاور لها، وأبرد منه، صيفاً. ويوضح هذه الحقيقة ، اللذان يمثلان خريطة العالم، متضمنة بعض خطوط الحرارة المتساوية ، في شهرَي يناير ويوليه. في الشكل الأول متوسط درجات الحرارة على سطح الأرض، في شهر يناير. وقد وقع عليه خطّا الحرارة المتساويان 15 درجة مئوية، و25 درجة مئوية، في نصف الكرة الأرضية الشمالي والجنوبي. ويلاحظ أن خط الحرارة 15 درجة مئوية، في النصف الشمالي، منحرف إلى الأعلى، فوق المحيطات؛ وذلك ناتج من برودة فصل الشتاء، على اليابس، في النصف الشمالي؛ بينما لا تنخفض درجة حرارة مياه المحيطات، بالقدر نفسه. أما في نصف الكرة الأرضية الجنوبي، فإن شهر يناير من أشهر الصيف؛ إذ ينحرف خط الحرارة 25 درجة مئوية نحو القطب الجنوبي، على اليابس؛ وذلك لأن المياه المحيطية أبرد من اليابس المجاور لها. كما يلاحظ، في النصف الجنوبي، قلة تعرج خطوط الحرارة المتساوية، وذلك لسيادة المسطحات المائية، وقلة اليابس.

         وخط الحرارة 25 درجة مئوية، يمتد، على شكل حلقة متصلة، من وسط أمريكا الجنوبية، عبر الأطلسي، نحو وسط أفريقيا، والجزء الجنوبي من المحيط الهندي؛ شاملاً الجزر الأندونيسية، وشمال أستراليا. ويلاحظ انحناؤه نحو الشمال، عند مروره فوق مياه المحيط الأطلسي الجنوبي، جنوب خط الاستواء؛ ثم انحناؤه الشديد، مرة أخرى، نحو الجنوب، عند مروره فوق الأراضي الأفريقية؛ نتيجة لارتفاع درجات الحرارة فوق اليابس، في فصل الصيف، في نصف الكرة الجنوبي، مقارنة بالعروض المقابلة لها على المحيط.

         يتعرج خط الحرارة 15 درجة مئوية، بشدة، في نصف الكرة الأرضية الشمالي؛ فهو ينحرف إلى الجنوب، بشدة، عند مروره فوق المسطحات المائية؛ وينحرف إلى الشمال، عند مروره فوق اليابس؛ وذلك نتيجة للتباين بين درجة حرارتَي اليابس والماء. وعند مقارنته بمساره هو نفسه، في  يلاحظ فارقان رئيسيان:

ـ أولهما: تزحزحه نحو الجنوب بشكل عام، في الصيف.

ـ ثانيهما: انعكاس تعرجاته. ففي حين كان ينحني نحو الشمال، فوق المسطحات المائية، في شهر يناير، أصبح ينحني فوقها نحو الجنوب، في شهر يوليه.

         إن التوزيع المكاني لدرجات الحرارة، على سطح الأرض؛ على الرغم من النمط العام، الذي يشير إلى انخفاض الحرارة عموماً، بالاتجاه من المنطقة المدارية نحو القطبَين ـ هو نتاج تفاعل عدد من العوامل المتداخلة، التي تؤثر في ذلك النمط العام، على المستويَين، العالمي والمحلي. ويبدو الأمر، على المستوى المحلي، أكثر تعقيداً؛ إذ تتداخل عوامل محلية عدة، إلى جانب العوامل المذكورة أعلاه، مثل: الارتفاع عن سطح البحر، والقرب أو البعد من المسطحات المائية، واتجاه الرياح السائدة.

الصفحة الرئيسية