الألوان

في الفنون

و العمارة الإسلامية

الالوان مدى وعالم وتاثير عميق داخل النفوس ،فتظهر بهيئة ملموسة تارة, لمل ندعوه بالذوق الجمالي المتماشي مع سجية كل انسان .والذي يقول عنها الفرنسيون (( انه الامر الذي لا يقبل النقاش )) وتارة اخرى بنفس ايماني وروحانيات واعتقادات تداخل كنفه الدين والاعراف والاسطورة للمجتمعات واختلاف الشجون فيه يدعو للعجب العجاب ، فها هي مريم العذراء   ذات السحنة الشقراء في المخيلة الشعبية الغريبة قد امست سوداء السحنة لدى المؤمنين البرازليين .

وللالوان والتعبير الفني تلاقح منذ رسوم الكهوف الاولى مثلما هي العلاقة الازلية في اسمى صورها بين الفن و العقائد الدينية ، حتى انتقلت احداها للاخرى واصبح اللون اداة رامزة لمفاهيم عقيدية ، ولاسيما عندما استنتج عمليا ان اللون هو صفة للنور و الضوء وبدونه ينتهي ظهوره ، وان للنور السماويالاتي من الشمس قدسية وحظوة يكتسيها في حل المعتقدات ، حيث نجده في فنون المصريين القدماء . وانعكس كل ذلك التزويق اللوني لحيطان مبانيهم . وكذلك الحال في المعالجات اللونية للفخار المزجج على جدران العابد في العراق القديم . او مصاطب الزاقورات او البسطات السبع المكونة لها العبادة الالهة الفلكية لدى البابليين كانعكاس لعقيدة عالم الانوار .

وفي العقيدة الاسلامية جاءت دلالات اللون تعبيرية او رمزية او حسية او جمالية ، او غارتبط اللون بمصريين جوهريين اولهما النور القادم من السماء المقترن بالخالق الاعلى فهو (( نور الله )) سبحانه  او (( نور القلوب )) بما يعنيه الايمان لدواخل النفس المظلمة وثمة تداتخل لغوي ذو دلالات بين كلمتي (( ظلمة )) و(( ظلم )) المقترن بقبح  الظلم او الطغيانالمنافي لجمال العدل .وهكذا احتسب كل انحراف واختلال قبح ، لانه ابتعاد عن الجمال الواجب اقترانه بارادة الله سبحانه وتعالى . وبذلك المفهوم فان اللون وجماله يقترن مع وجود الضياءثم يتداخل في المفهوم مع العدل و القسطاس الالهي . و اصبح المظلم لون الحزن والالوان المشعة على الحبور في الاعراف الشعبية .

وثاني الحوافز  المرتبطة باللون هي العين كاداة جاسة لذلك اللنور واللون و العين ذكرها الله في مجمل نعمه على الناسناهيك عن اعتبار اختلاف الالوان في ناموس الطبيعة و الخلق بحد ذاته معجزة ربانية تدعو الى الانتباه وان تكريسها لم يكن ما عبثا ، كما ورد في الذكر الحكيم :( _ الم ترى ان الله انزل من السماء ماء فاخرحنا به ثمرات مختلف الوانها ومن الجبال جدد بيض وغرابيب سود , ومن اللناس والدواب الانعام مختلف الوانه ) سورة فاطر _ الاية 27 .

لقد وردت كلمة اللون ومشتقاته تسع مرات في سبع ايات كريمة . ووردت في القران الوان الاخضر واالاصفر والابيض والازرق والاسود والاحمر . وقد ورد اللون الاسود  في اربع قرانية وصفت فيها المجرمين والكفار والمنافقين اما الرابعة فجاءت تصف توقيت بدء الامساك الطعام في رمضان . اما اللون الابيض فتكرر ذكره في تسع ايات كريمة ودل على  الهدايةوالنقاء والصفاء والحب والخير والحق والمشاعر الانسانية  وتداخل مع القدسية ورمز لصفة الخالق ونجدها في العرف الشعبي بمقولة (( راية الله بيضاء )) , ثم جاء في لون الكفن والإحرام خلال شعائر الحج , ولا غرابة حاكى ذلك عقائد سابقة للاسلام .

وورد اللون الازرق مرة واحدة يدل على زرقة السماء على صفحة ماء البحر . وورد اللون الاحمر مرة واحدة في وصف الجبال اما الاصفر فيرد ثلاث مرات دالا على مرحلة نضج الثمار مرة ووصف لمشهد يوم القيامة والرياح الحانقة في اخرى للتعبير عن البهجة كما في قوله تعالى
(( قال انه يقول انها بقرة صفراء فاقع لونها تسر الناظرين )) . سورة البقرة  واللون الاخضر يتكرر في ثمان ايات ويرمز فيها الى سر الروح والنضارة والجمال والشجر و النبات والثمر والطير والفراش والبساط والثوب . وهو اكثر الالوان متعة في الذكر الحكيم ونجد اثرا لرمزية الالوان ودفي الادب العربي من خلال شعر صفي  الدين الحلي , ويقال بان البيارغ العربية الحالية استلهمت من هذه الالوان (( الاختيالية )). بيض صنائعنا خضر مرابعنا وقائعنا حمر مواضينا

ولدى تحليلنا لتلك الالوان يجدر بنا استباق معرفة كينونة هذا الاختلاف فيما بينها ., وذلك امن الدراسات التحليلية للالوان الحديثة للالوان قد بينت ثلاث مواصفات اساسية هي :

     1.        كنه اللون (Hue ) وهو الفرق الصريح بينها .

     2.        قيمة اللون (Value ) وهي درجة عتمته او استضائته .

     3.        شدة اللون ( Intensity  ) وهي درجة نقائه ومقدار خلطه مهع الوان اخرى .

وفي ابحاث مع الرسامين والانطباعيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر قسمت الالوان الى ساخنة وباردة بقدر الانباع الذي ينعكس على احساس الناظر فلازرق وملحقاته يعتبر باردا والاحمر وملحقاته يعتبر دافئا . ونجد ان مدارس ( المنمنمات ) قد سبقتهم في ذلك ، واعرفها مدرسة بغداغد الذي مثلها يحيى الواسطيفي رسمه لمقامات الحريري عام 123م. وبغض النظر عن التاثيرات النفسيةوالانطباعات التي تتركها الالوان فان لها تاثيرات خادعة على ناظرنا بحيث ان الدافئة و الفاتحة تبدو اكبر مساحة من مساحتها الحقيقية واقرب من مكانها الحقيقي والباردة و الغامقة تظهر اقل وابعد مساحة من حقيقته . وفي التراث نجد وصفا يذكره ( المقريزي ) لاحدى مشاهداته لقاهرة القرن الحادي عشر الميلادي بانه شاهد صورتين جداريتين (فريسكو ) لاثنتين من المغنيات تبدو احداهما وهي لابسة ثوبا ابيضا على خلفية سودلء وكانها داخلة الى الجدارالذي صورت عليه والقتاة الثانية ترتدي ثوبا احمر على خلفية صفراء وكانها خارحة منه .

وبين بارد الالوان وساخن يمكن اللونان الابيض والاسود ، حيث يمثلان الحالة الحيادية لتصنيف الالوان وبذلك يتحكمان جوهريا في قيمة اللون . ويمكن الحصول عليهما في امارة من لعبة النور والظلال التي تكتنف تركيب العناصر المعمارية في الخارح في حركة القباب والقبوات والبوائك ثم تفصيليا في هيئة الطنوف والمشربيات وتدرج اجزاء البناء التكعبية والافاريز والحنايا وطرز الخط العربي او في السطوح الداخلية المنحوتة الناتئة ذات البعدين او من خلال لعبة التناوب الفن الاسلامي في حطات (المقرنصات ) . وفي حركة الظل هذه تمكن احدى خبايا الجمال المعمالري والفني في ابداع المسلمين حيث يصنف الفن الاسلامي من الفنون التي تستثمرت لعبة المعتم والمضيئ هذه مثلما كاتن الفن المصري القديم معتما على تمييز القيم اللونية عن بعضها لتكون الالوان غيرمتدرجة ومسطحة (Flat  ) وعلى العموم فان طبيعة الالوان ومواصفاتها تتحكم في الجانب البصري والجمالي والشعوري بالفضاءات المعمارية للبناء ويمكن للمعمار الحاذق ان يكرس ذلك العمق الجوهري في اظهار السطوح والحجوم بتاثير الوانها الطبيعية او المكتسبة فسي المعالجة , وتتكرس في العمارة الاسلامية مجموعة من العوامل و الخصوصيات المنهجيةفيما يخص تلك المعالجات يمكننا ايجازها .

   1.    احترام الاذواق المخزونة في الذاكرة الشعبية للشعوب الاسلامية وعدم المساس بموروث الثقافات القديمة ولكن لايغلي ذلك التاثير الوارد من روح الاسلام والوانه المحبذة الواردة في القران الكريم بما رمزت ودلت وتداخلت في النفوس .

   2.    تحاشي اعطاء مواد البناء صفة جديدة تختلف عن خواصها الطبيعية ودون تزويقها بطلاءات تخبئعيوبها .وما ذلك الا انعكاس لخطاب اخلاقي يكرس صدق السجايا واجتناب النفاق . بالمقارنة وبالمقارنة مع الاغريق فان الفرنسي ( غوستاف لوبون ) في حضارة العرب يصفها بالالوان التي يراد منها التستر على العيوب .

   3.    تكريس حالة الاداء المثالي لمواد البناء ويتمحض ذلك من التحكم في توجيه المبنى بحيث يعطي احسن النتائج البصرية وخاصة اذا علمنا ان شدة الضياء الشمسي يختلف مردودة من حيث الاتجاهات فمثلا اللون الاحمر نقل الحمرة في الواحهة الشمالية عنها في الواجهة التي تبدو فيها اكثر احمرارا ولدينا احسن مثال يمكن الاقتداء به من حيث تحقيق اتلك المثالية لدى اعالجات واحهات مدرسة السلطان حسن في القاهرة المبني عام (758هـ ـ 1356م) والذي اختير لكل واجهة نفس الحجر الواقع بنفس الاتجاه في مقلع الحجلرة في الجبل لكي تحتفظ بنفس مردود وانعكاس اللون الطبيعي .

   4.     اختيار الالوان الهادئة الباردة في المعالجات الداخلية اين يختفي تاثير النور الطبيعي وبغرض خلق اجواء انسانية صميمة قريبة للنفس ومؤنسة لها ، واهم تلك الالوان الازرق والازرق الفيروزي والاخضر والتي لها تاثير نفسي مركب على النشاط العضوي للجسم مثل ضغط الدم وارتخاء العضلات . او حتى من خلال المعالجات بالنحت النائي و الزخارف المحفورة التي تلعب درجات الظل فيها الدور الجمالي .

   5.     استعمال الالوان المستقاة مباشرة من المحيط في عملية ( التزويق ) ، وعدم التمادي في الاتكال على اصباغ لونية مجلوبة من بيئات ثانية , ولاسيما لدى العامة .

   6.    تمنويع المدى اللوني في المعالجات الزخرفية واثراء الحالة الاختيارية الموسعة و المتجانسة في اجزاء الزخاريف و الاطباق النجمية , بحيث تهب حدا غير محدود من الخيارات الابداعية .

ويجدر ان نذكر هنا موقع اللون في ( عالم الجمال ) و التحليل النفسي ,وان وجود المعالجات الفنية يقع على النقيض من الاقتصاد حيث يعمل بالقوانين الطبيعية الموجودة بل يهتم بالواقع المحسوس الذي يصبح من خلال الادراك الجمالي للموضوع امرا ممكنا وضروريا له ز وهذا يثير التساؤل عن أي لون من الالوان هي الاجمل ؟ ويقول بهذا الصدد العالم النفسي الالماني فنشر(( صحيح ان اللون االاحمر جميل اذا ظهر على وجنة الفتاة , ولكنه اذا ظهر على ارنبة الانف ليس جميلا )) . وهكذا نحس بجمال الالوان من خلال مضمونه واهميته , وبذلك يكون تقييم وهج الغسق الاحمر مختلفا عن احمرار الوجه البشري . و للطبيعة المحيطة وصورة الكون وحضورهما في المدى الفلسفي للالوان , فالازرق يلقى الحظوة لارتباطه بالسماء ولون الماء الذي جوهرة الحياة ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) وبذلك جاءت الحظوة متداخلة مع روح الاسلام من الصحراء وتماشيا مع الحس البارد المنعكس من طبيعة اللون اللازرق المحبب لاهل هذه البيئة الحارة . وقد انتقلت هذه الحظوة حتى على الشعوب التي تقطن البيئات الاكثر اعتدالا او الباردة مثلما حدث لفنون ( اسيا الوسطى )و( القوقاس )و ( تركيا ) و( البلقان )  و( التتار ) في روسيا وبولونيا . وخير الامثلة للعمائر الزرقاء نجدها في مجموعة مساجد تبريزوقونية وبورصة واسطنبول وسميت بالجامع الازرق بسبب ما غشيت به من القاشاني الازرق . ومن ابرز ما يميز المناظر في جبل عليها في بيئته الصحراوية المضيئة الساطعة . وهكذا اتبر الوديان المعشوشبة الواقعة عند اطراف جزيرته ذات صفة لونية داكنة يصل حد الظلمة , حتى دعاة ذلك ان يكنى العراق ب( ارض السواد ) .

و يعتبر الاخضر في المنظور الاسلامي الون المهيمن على الالوان الاصلية الثلاثة وهي الازرق والاخضر والاحمر المتواجدة في لون  الطبيعة , اما امتزاج الاصفر والازرق فينتج عنه اللون الاخضر ، الذي يرمز بالامل , والخصوبة والخلود المرتبطة اساسا مع بعدي اللونين المكونين له وهما ( الازرق ) الدال على الماضي ( والاصفر ) الدجال على المستقبل ، وما يعاكسهما في ذلك والذي يمثل الزمن الحاضر قيبدو اللون احمر . ويجدر بنا ان نلاحظ ان اللون الاخضر يمهد الطريق لحلول الالوان الفيروزي و النيلي ( ومن جاء وصفهم للسماء بالقبة الخضراء ) .

ويعتبر الامريكي ( انتيغوسين Ettinghausen ) ان استعمال اللون في العمارة يمثل (( انجاز اسلامي محض )) ويضيف في ذلك بان جل المناظر في الاقاليم الاسلامية التي تمتد من الاطلسي الى بحر الصين , ويمكن ان تتميز بانها قاحلة حارة وان تلك المساحات الجدباء تحوي بضع ميزات لونية خاصة ومن المعالجات التي تعتبر مجلبة للراحة البصرية والمتعة للمسافر المرهق الذي قطع الفيافي وثم ولج الى اللون الطيني المميز لسحنة المدن ، فكانت المعالجة بالون الفيروزي الجسدة في قبة اوسقف مخروطي لضريح ىاو جامع محلي قاطعا به دابر الملل وكاسبا راحة النفس .

وورد راي المعماران الايرانيان ( نادر اردالان ) و ( لاله باختيار ) في كتابهما ( احساس الوحدة The sense of unity ) بالمعالجات اللونية الاسلامية بما يسماه ( انسجام التضاد ) الذي حققته تلك المعالجة حيث نجد الخيمة الفيروزية البادية لسقف جامع يمكن ان تزيد في الراحة باتضاد مع النبرة الصفراء والصفراء الداكنة المنعكسة عن البيئة القاحلة المحيطة . ان ذلك التضاد والمعاكسة يهب للناظر تدرج لوني اكتف واعمق والمعماران ينحنيان منحى صوفي في ( التقاليد اللونية الاسلامية الموروثة التي يمكن اعتبارها نموذجية الارتباط والتداخل مع السجية الغيبية والتي تدخل في نطاق ثنائية الضوء الظلمة كاحتمالات دائمة ومستترة في النموذجية السماوية ).

وهما يركزان على نظامين من اللون عندما يجتمعا يشكلان مجموعة من سبعة أشكال : ابيض واسود ,لون الصندل , احمر , ازرق , واصفر وبتوافيق المنظر التقليدي فان كل لون من هذه الالوان يعتبر في العمارة الاسلامية بحذاقة في التزيين الخارجي و المعالجات الداخلية لبيوت الله , وذلك باستعمال الزجيج المعشق و ( قمريان اليمن ) الذي ينسق ويتالف مع الفسيفساء الذي يغلب عليها الونين الازرق و الفيروزي الغامق . وتعكس مجموعات كلتا الالوان المماثلة والمتعارضة ما هو موجود في الطبيعة .ومن خواص الزخارف الاسلامية الصميمة هي تراص الالوان المتعاكسة وتجانسها في المساحات الكبيرة بحيث تتشابك يتناغم مع المساحات البارزة والمنبرة ( Accentuate  )لتخلق انطباعات لونية أخاذة .