كيف نحمي البيئة من العبث

 

ان البيئة هي المأوى  الذي يحيط بالانسان ابتداء من منزله الى اي نشاط يمارسه الانسان وقد اخذ الانسان في هذا العصر وما قبله في الاستقرار الحضاري الذي ارتبط ارتباطا اساسيا بنشاط المجتمع في المدن والدواخل لان السمة البدوية قد تقلصت شيئا فشيئا حتى تكاد تتلاشى ففي البادية هناك مايسمى بالنجع الذي يشرف عليه كبير القوم وقد استطاعت البداوة ان تتخلص من مخلفات استقرارها المؤقت بحيث اخذت في طريقة معيشتها ان تغير اماكن نزولها شتاء وصيفا لتبتعد عن مقرها القديم باستبداله بمقر اخر وهكذا  ولكن المدينة تتسم بطابع الاستقرار  الدائم مما جعل الدولة تنشيء قطاعات مسؤولة عن توفير خدمات المجتمع المستقر ومن ذلك جهاز حماية البيئة المتمثل في تحديد مسؤولية المواطن وارشاده الى ممارسة نشاطه المعتاد في الحياة

دون ان يعبث بمخلفات انشطته ودون ان يهتم بها ويحفظ تلك المخلفات  في حالة جيدة تكون جاهزة لنقلها الى اماكن التجمع وهذا من مهمة رجال حماية البيئة وقد خصصت الدولة الميزانيات المالية لحماية البيئة ولكن لازالت هذه المهمة في حاجة ماسة الى بذل الكثير من الجهود ومنها :

توفير الالات الحديثة لنقل المخلفات ومانراه  من استعمال الجرار , الجدع يبدو في نظرنا كصورة متخلفة مما نأمل العدول عن هذا الاسلوب لانه يعكس امام الاجانب وحتى المواطن العادي صورة  لاتناسب التطور الذي حدث في عالم حماية البيئة

هناك دول جعلت من المخلفات دخلا قوميا سواء من القمامة العادية او الخردة بقايا السيارات وغيرها

وعندنا مصنع الحديد والصلب يجب ان نقدم له هذه السيارات او نجعلها في عطاء عام لشرائها من قبل الشركات المتخصصة

كذلك مسألة تصنيع القمامة فإن مانراه في المصنع الوحيد- بطريق السواني- يجب ان يفكر رجال حماية البيئة في نقل هذا المصنع  الى جهات بعيدة عن المدن لان هذا المصنع هو نفسه من عوامل افساد البيئة ومالذي يؤديه مصنع وحيد في مخلفات تتراكم لتعلو كالجبال ان ذلك يعطي صورة على عدم تطوير هذا الجانب الحيوي الهام فيجب ان يتم انشاء عدة مصانع بكل مدينة في اماكن لاتؤثر  على الانسان او البيئة

على رجال حماية البيئة ان يرشدوا المواطن في وسائل الاعلام يوميا كما نسمع في وسائل اعلام الدول الشقيقة وان نرفع عصا العقاب لكل عابث بالمخلفات مهما كان موقعه وان نعلن عن جعل مزايا وحوافز لكل محلة تهتم بالمخلفات وان نبذل المال لهذا الغرض لان المال هو عصب تنفيذ كل مشروع لصالح الشعب .

 

 

الصحة .. والبيئة ..والعلاقات الوثيقة

 

لايختلف اثنان على ان الصحة نعمة من نعم الله عز وجل وهي في نظر الاسلام اعظم نعمة بعد نعمة الايمان . اذ يقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( ما اوتي احد بعد اليقين خيراً  من المعافاة .

والصحة كما نعرفها اليوم هي حالة من ( المعافاة ) الكاملة بدنياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً .

ونحن اذ نتحدث عن الصحة لانقتصر على الطب بمعناه الشائع اليوم اعنى طب العلاج  فلقد اجمع العلماء من الاطباء من قبل ومن بعد على ان الطب ( طبان ) حفظ الصحة على الاصحاء , ورد الصحة الى المرضى بالمداواة والتأهيل  وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم جملة احاديث تصف بعض الادوية لبعض الامراض . واهتم بها بعض العلماء ظانين انها جزء من الدين والوحي الالهى . ولكن الواقع ان منها ما عرفته العرب من خبرات البيئة وتجاربها .

والمهم في هذا الشطر من شطري الطب  شطر المداواة ان النبي صلى الله عليه وسلم قرر مبدأ التداوي وأمر به , كما جاء في الحديث الصحيح ( نعم ياعباد الله تداووا) وفتح باب الامل على مصرعيه امام المرضى في امكان الشفاء من كل مرض كما جاء في الحديث الذي رواه البخاري ( ما انزل الله من داء الا انزل له الشفاء ) والمهم ايضاً في شطر المداواة ايضاً  ان النبي صلى الله عليه وسلم وضع للناس  قضية  التداوي في موضعها الصحيح .

تعريف البيئة : يصعب الاتفاق على تعريف محدد للبيئة اذ انها لفظ شائع يختلف مدلوله من شخص الى آخر  بيد ان التعريف الاكثر شيوعاً للبيئة هو انها ( الوسط الذي يعيش فيه الانسان ( او اي كائن حي آخر ) ويمارس فيه مختلف انشطته ويستمد منه مقومات حياته واسباب رفاهيته وسعادته ) .

وبعبارة اخرى , ينظر الى البيئة على انها مجموع الظروف التي تحيط بالانسان خلال مراحل حياته , وهذه الظروف اما ان تكون ( فيزيائية او كيميائية او حيوية او اجتماعية ) وتؤثر هذه العوامل في حياة وتكوين سلوك الانسان والمجتمع ككل . فالبيئة تشمل الارض التي يعيش عليها الانسان والمسكن الذي يأوي اليه والهواء الذي يتنفسه كذلك الماء الذي يشربه والامطار التي تهطل والرياح التي تهب  كما تشمل المواد الكيميائىة التي يتعرض لها او يتداولها . وتضم البيئة ايضا الكائنات الحية  المفيد منها والضار والنظم الاجتماعية وتتضمن ثقافة المجتمع وتقاليده ومعتقداته .

من الطبيعي ان يتأثر الكائن الحي ببيئته خلال مختلف مراحل حياته , وان تتأثر البيئة بطبيعة الحال بالكائن الحي نتيجة لممارسته لانشطته المختلفة , ويتوقف نوع ومستوى وعمق هذا التأثير على خصائص البيئة وطبيعتة ومستوى النشاط الذي يمارسه الانسان فيها , وغالباً  ما يكون تأثير النشاط على البيئة منحصراً في منطقة حدوثه  وخاصة عندما يكون النشاط  محدوداً ومؤقتاً  ولكن قد لايكون التأثير مقصوراً على مكان ممارسة النشاط الانساني  اذ قد يمتد التأثير او يظهر في مكان آخر بعيد او قريب من مكان النشاط وخاصة اذا كان النشاط كبيراً ومستمراً .

 

العلاقة بين البيئة والصحة

لقد عرفت العلاقة الوثيقة بين البيئة والأوبئة منذ القدم , ففي القرن السابع عشر تبين ان كائنات حية دقيقة تسبب امراضاً خطيرة مما ادى الى البدء في اتخاذ اجراءات لتحسين البيئة بهدف مكافحة الامراض السارية ( التي تسببها تلك الكائنات الحية الدقيقة ) مثل الكوليرا والحمى التيفودية والملاريا وحمى التيفوس وغيرها  ولقد تطورت الاجراءات في عصرنا الحاضر فأخذت شكل البرامج الصحية التي تعنى بالعناصر الاساسية للبيئة التي تجنب الاصابة بهذه الامراض . فعلى سبيل المثال ظهرت جهات رسمية مهمتها التأكد من ان الماء نظيف صالح للشرب وان الحليب معقم خال من الجراثيم وان الطعام محضر بطريقة صحية وان الفضلات يتم التخلص منها بطريقة تمنع تكاثر الحشرات والجرذان .

وبهذه الطرق امكن التغلب على كثير من المشاكل البيئية التقليدية ذات العلاقة بالصحة في مناطق كثيرة من العالم  وفي العصر الحديث برزت مشاكل بيئىة جديدة مختلفة عن التي سبقت معرفتها ومعرفة بعض اسبابها . فالملوثات البيئية الناتجة عن الصناعة والتطور الحضاري تشكل خطراً على الصحة العامة  وأكثر ما يقلق هو وجود كميات كبيرة من المواد الكيميائية التي تلوث  البيئة  فالكيماويات التي تمثل في الواقع سمة الحضارة الحديثة اصبحت الان من هذه المواد ويتم تداول المئات منها تجارياً !

ولايعرف بشكل كاف تأثيرها على الصحة وتكمن الخطورة في زيادة عدد المواد الكيميائىة المستخدمة في دهان المنازل , والرصاص المضاف للبنزين , وهكذا فإن امراض القلب الناتجة عن اول اكسيد الكربون  واضطرابات الاعصاب الناجمة عن الزئبق والمشاكل المتنوعة المتعلقة بالمواد الكيميائىة ومنها السرطان , يجب ان تحظى بالاهتمام . ولقد تبين بان هناك علاقة بين سرطان الرئة والغبار الناتج من بعض المصانع  كما وجد نوع من سرطان الكبد ينتشر بين العاملين في تحويل ( الفينل كلوريد ) الى متعدد الفينل كلوريد  وهي مادة من اللدائن ( بلاستك ) تستخدم في اغراض متعددة وعلى الرغم من ذلك فإن حجم المشكلة المتعلقة بالسرطان وبالمركبات الكيميائية في البيئة لم يتم التأكد منه بعد , ولقد ارتفعت نسبة الاصابة بالحوادث بمختلف انواعها , والوفيات الناتجة عنها , وكذلك التسممات والمخاطر الناتجة عن التوسع في استعمال المبيدات والمخصبات الزراعية كان من المتوقع ان يؤدى التقدم العلمي الى تمكين البشرية من التصدي للمخاطر البيئىة الحديث والامراض المتولدة عنها , ولكن التكنولوجيا الصناعية خلقت اوضاعاً  وأ نتجت وسائل ومواد متنوعة لم تسبق معرفتها في الماضي , وزيادة على ذلك فإن نشوء  الطرق الميكانيكية يسير ببطء مقارنة مع التقدم السريع للتقنية والتغيرات الاجتماعية في العالم المتقدم , مما يضعف من قدرة الانسان على التلاؤم مع المنتجات السامة والضارة للمواد الكيميائية والملوثات  ويرتكز الامل في البقاء والصراع من اجل الحياة على الجهود  المبذولة لمكافحة تلوث البيئة .

 

اعجوبة التكيف البيئي لدى الاحياء

 

لا غرو إن قلت أن المتبصر في دنيا الطبيعة ونواميسها ليقف مذهولا مسبحاً لله تبارك وتعالى إزاء ذلك التنظيم والتصميم الراقي  لعالي الدقة والمقدرة الذي تسير عليه شتى الخلائق في عالمنا هذا إنها حقيقة نكاد نلمسها جميعاً .

لقد فطر الله سبحانه وتعالى سائر مخلوقاته على نواميس وسلوكيات تعينها على البقاء , قد تبدو لنا أحياناً بمنظار تفكيرنا (الهش) عجب العجاب لكنها بالنسبة لتلك المخلوقات مجرد عادات فطرية طبيعية كما جبلت عليها مذ خرجت للدنيا أو اكتسبتها تدريجياً بعدما اخضعها الانتقاء الطبيعي لاطوار التكيف البيئي لنتحرى معاً بضعة امثلة عن الموضوع من بيئات متطرفة .

المكان : صحراء سونوران Sonoran الحارة في امريكا الشمالية , الوقت منتصف الظهيرة في اشد ساعات النهار حرارة وقيظا حيث تدنو درجة حرارة الهواء في الظل من 46ْ م وحرارة سطح التربة تزيد عن 70ْم كل الحيوانات الاخرى لاذت إلى ملاجيء لها تقيها من وطأة الحر لا تكاد تلمح حركة ولا تسمع صوتاً سوى وقع اقدام رجل وحيد فريد ممسك بشبكة صيد حشرات يتجه بخطواته حذراً نحو حشرة واقفة على شجيرة شوكية تملأ وحدها وحشة المكان بما تصدره من ازيز .

إنها حشرة السيكادا (أو ما يعرف بزير الحصاد) أما الرجل فهو عالم الاحياء ايرك تولسن فقد كان جل مسعاه هو محاولة فهم الصفات البيئوية لتلكم الحشرة العجينة لقد كانت  الاسئلة تتقافز إلى ذهن تولسن بينما هو يشق طريقه عبر هواء الصحراء اللافح صوب حشرة السيكادا هذه كل ما كان يشغل باله هو كيف يتسنى لهذه الحشرة ان تتمتع  بالنشاط وتدب بالحياة في ظل اجواء حرارية تكاد تبلغ حدود الهلاك أو الموت بالنسبة لغيرها من الاحياء لعلنا نطرح السؤال ذاته الذي طرحه تولسن على نفسه ولكن كيف حافظ تولسن نفسه على حرارة جسمه بحدود 37ْم في حر قائظ كهذا

 ان اجسام البشر تتبرد بفعل التبخر الناتج عن التعرق فلو وضعنا مقياساً للرطوبة فوق جلد تولسن  مباشرة فسيظهر انه يتعرق بغزارة في مثل هذا الجو , ولكي لا يصاب بالجفاف فإنه يشرب الماء بين حين وآخر من القنينة المعلقة على حزام خاصرته وبذا يستطيع الحفاظ على قدر كاف من الماء داخل جسمه , فتستمر بذلك عملية التبريد نتيجة لتبخر العرق .

وبينما كان تولسن يقف في كل مرة لتجرع الماء كانت تحضره المزيد من الأسئلة هل تحافظ حشرة السيكادا هذه على برودة جسدها بما توفره لها الشجيرات الشائكة التي تقف عليها من مناخ محلي ذي ظلال محدودة , هل تلجأ الحشرة إلى طريقة التبريد بالتبخر بوجه من الوجوه

لا يبدو ذلك وارداً لان علماء الاحياء افترضوا ومنذ عهد بعيد أن الحشرات من الصغر لدرجة لا يمكن معها فقد الماء بهذا الشكل  وحتى لو كانت السيكادا تفعل ذلك فكيف يسعها إذن تجنب الإصابة بالجفاف في جو قائظ الحرارة كهذا ?

إذ هي ليس لديها قنينة ماء مربوطة على حزام خصرها مثل تولسن ?

أخيراً استطاع تولسن ان يمسك ببعض منها وذهب بها مهرولاً إلى مختبره إنه يقف الآن امام اكتشاف مهم لطالما حير لغزه علماء البيئة .

الواقع أن أول من شرع بحل خيوط هذا اللغز هما الباحثان هيث وبيتر ويلكن اللذان اثارهما عجباً سلوك هذه الحشرة  وبعد دراسة لها خلصا إلى أن حشرة السيكادا إنما تظل محافظة على حرارة جسمها منخفضة من خلال بقائها جاثمة فوق رقع صغيرة ظليلة على اغصان الشجيرات الشائكة المنتشرة فيوفر لها ذلك هواء بارداً .

ثم عثر ستاسي كيسر وزميله جون هاستنكس على دليل يثبت ان حشرات السكيادا لكن من نوع آخر يعرف  ب¯Tibicen Daryi إنما تتبرد بالتبخر علما ان هذا النوع يعيش  على ارتفاعات اشهق ويقتات على السوائل الموجودة في لحاء اشجار الصنوبر فكشفا بذلك عن امر لم يكن معروفا من  قبل .

دفعت هذه الملاحظات بأيرك تولسن ورفيقه نيل هادلي إلى اجراء سلسلة تحريات وابحاث اظهرت بشكل قاطع ان حشرات السيكادا بما فيها النوع السابق ذكره انها قادره هي ايضا على تبريد اجسامها بواسطة التبخر اذ وضع تولسن الحشرات التي اصطادها في حجرة مختبرية تبلغ درجة حرارتها حوالي 45.5ْم فأظهرت السيكادا قدرة على الاحتفاظ بحرارة جسمها بدرجة تقل عن 2.9ْم على الأقل ولان هذه الحشرات كانت داخل حجرة فإنها لم تستطع ايجاد اي مناخات محلية باردة لها كما  في  الطبيعة فاستنتج تولسن ان عليها اذن ان تبرد جسمها بالتبخر ولإثبات هذه الفرضية رفع درجة الرطوبة النسبية إلى الصفر هبطت حرارة الحشرات إلى حوالي 4ْم في غضون دقائق وتفسير ذلك ان الهواء عندما يكون مشبعاً بالرطوبة فإنه لا يتيح مجالاً للتبخر اما عند افتقاره للرطوبة فإن التبخر يجري في هذه الحالة بوتيرة سريعة .

 

 

الصفحة الرئيسية