العقـاقيـر

مقدمة:

       عرف الإنسان الأمراض منذ قديم الأزل، وعانى من آلامها، وذاق الكثير من ويلاتها. ويدرك المؤمن أن المرض هو من عند الله، يبتلي الله به من يشاء من عباده ليكافئهم على الصبر عليها. وفي مرض نبيّ الله أيوب عليه السلام العظة والعبرة. كذا يوقن المؤمن أن الشفاء من هذه الأمراض هو من عند الله.

سورة الشعراء الآية 80وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ

       وإذا كان الله قد جعل الشفاء معجزة عزز بها بعض رسله، فقد خلق، سبحانه وتعالى، لكل داء دواء، وجعل لنا السمع والأبصار والأفئدة، حتى نلتمس لكل داء دوائه، إذ لم ينزل الله داء إلا أنزل له شفاء. وفي هذا الصدد، يقول الرسول

أخرجه البخاريما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء

       وفي الواقع، لم يأل الإنسان جهداً في البحث عن الشفاء، منذ بدء الخليقة؛ فكانت رحلته شاقة في تيار المجهول، ومليئة بالأخطاء، والخزعبلات، والشعبذات. لكنه أخيراً، اهتدى إلى أول طريق الشفاء. عندما اكتشف قدرة بعض النباتات على قتل الطفيليات الخارجية، وإيقاف المغص، وتسكين الآلام. وعليه تُوّسع في استخدام العقاقير الشافية، واكتشف مزيداً من الأعشاب والمنتجات الحيوانية التي تَشْفِي من الأمراض، أو تقي الجسم من حدوثها.

       وقد توصل القدماء المصريون، إلى معرفة أسرار عديد من المواد الكيميائية، الموجودة في النباتات، وفي صخور الأرض، فاستخدموها في علاج مرضاهم، وتحنيط موتاهم. ويدل على ذلك، البرديات الطبية التي سجلت فيها مئات الوصفات الطبية. مثل: بردية كاهون، وبردية إدوين سميث، وبردية إيبرس، وبردية هيرست، وبردية لندن، وبردية برلين.

       كذا اكتشف الصينيون مئات العقاقير الشافية، التي مازال أغلبها يستخدم حتى الآن ودونوها، فيما عرف بـ "دستور الأدوية" عام 3000 قبل الميلاد. ومن أشهر علماء الصيدلة في الصين آنذاك هو شن تونج الذي ألف كتاباً مشهوراً تحت عنوان "بن تساو".

       كما عرفت الحضارة السومرية في الشرق الأوسط عام 2000 قبل الميلاد، العقاقير الشافية. ودونت وصفاتها، في لوحات صلصالية.

       أما علماء الإغريق، فقد قدموا كماً هائلاً من الاكتشافات في مجال التداوي بالأعشاب الطبية. فها هو أشهر علمائهم أبقراط ، يكتشف أكثر من 230 عشباً طبياً. وهاهو العالم الإغريقي ثيوخراستوس، يكتشف أن عصير نبات الخشخاش، له مقدرة هائلة، على تسكين الآلام.

       أما الرومان، فكانوا أول من قام بافتتاح صيدلية، وكتابة أول تركيبات طبية، تحدد كمية كل عشب مجفف، أو عصارته، في البلسم. كذا حفل عصر الرومان، بعلماء، مثل: جالينوس، الذي أَلّف 98 كتاباً، في الطب والصيدلة، صارت مرجعاً لعمليات التداوي بالأعشاب الطبية، والعقاقير الشافية. ومن كتب الطب التي ترجمت للعربية كتاب "الترياق ضد السموم" المنسوب لجالينوس، والذي ترجمه إلى العربية يحيى بن البطريق.

       ويذكر التاريخ للعرب أنهم كانوا أول من أسس الصناعات الصيدلية، فكانوا يجلبون بعض الأعشاب من الهند، ثم يقومون باستخراج العقاقير الشافية منها لعلاج المرضى.

       ومع بزوغ فجر الحضارة الإسلامية، حدثت طفرة في علوم: الكيمياء، والطب، والصيدلة. وبرز في هذا المجال علماء كثر، من أبرزهم: جابر بن حيان، وحنين بن إسحاق، وأبو بكر الرازي، والزهراوي، والبيروني، وابن سينا، وابن البيطار، وداود الأنطاكي.

       ونتيجة لهذه النهضة العلمية الكبرى في مجال الصيدلة، فصل العباسيون مهنة الصيدلة عن مهنة الطب، فصارت علماً مستقلاً بذاته، بما شجع كثيرين على التفرغ الكامل لتركيب الوصفات الطبية وتجريبها. وفي الوقت نفسه، أنشأ العباسيون آلاف الصيدليات والمعامل الدوائية، لتحضير الوصفات الطبية، تحت رقابة وإشراف الدولة حينئذ. كما كان العباسيون هم أول من ابتدع فكرة إنشاء صيدلية في كل مستشفي.

       كما كان المسلمون هم أول من أسس مدرسة للصيدلة في العالم. وكان على طالب الصيدلة، أن يدرس الدساتير الطبية، وعلوم الكيمياء، والطب، والنبات، واستخراج العقاقير. وكان من التقاليد المتبعة آنذاك أن يرتدي الصيدلي زياً أبيضاً حين يمارس المهنة. ولما كانت مهنة الصيدلة، من المهن السامية، ألف أبو المنى داود بن أبى النصر، الذي عاش في القرن السابع الهجري، كتاباً أسماه "منهاج الدكان ودستور الأعيان"، تحدث فيه بإسهاب عن الصفات التي يجب أن يتحلى بها الصيدلي، مثل: الأمانة، وحسن الخلق، والدين، والعلم، والخوف من الله، والبعد عن الشعبذة والدجل طلباً للشفاء.

       وخلف الصيادلة المسلمون، وراءهم ميراثاً هائلاً من الكتب القيمة، التي تتناول، بإسهاب، طرق تحضير الدواء من النباتات، والأعشاب الطبية، والحيوانات، والمعادن. ومن أهم هذه الكتب كتاب "تَذكرة الألباب" لمؤلفه ابن داود. وهو الكتاب الذي وصف فيه استخدام ورق السكران، لتحضير المخدر الموضعي، و بذر الخلة، لعلاج أمراض القلب، وبذر المقدونس، لعلاج احتباس البول. أما كتاب "الرحمة في الطب والحكمة"، لمؤلفه داود ابن أبي النصر، فهو يصف بعض العقاقير المستخدمة، في علاج أمراض الثعلبة، والبهاق، وآلام المفاصل والظهر، وضيق التنفس، والكبد والطحال، وحصى المثانة، والبواسير، والبول المدمم، والحروق.

       أما في أوروبا، فقد انفصلت مهنة الصيدلة عن الطب، في القرن الحادي عشر الميلادي؛ أي بعد 300 عاماً من تجربة المسلمين. وفي ذلك الصدد، دُعِيَ عدد كبير من علماء المسلمين، لتدريس العلوم الصيدلية، في جامعات أوروبا.

       ومع التقدم المحرز في علم الكيمياء، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، استطاع العلماء اكتشاف المئات من العقاقير المستخرجة من النباتات، في صورة نقية. فاستخدمها الإنسان، وتُجُنِّبَت، بذلك، الآثار الجانبية للمواد الكيمائية الأخرى، الموجودة في النبات. وخلال القرن العشرين الميلادي، حدثت ثورة تقنية، أدت إلى تحسين طرق استخراج العقاقير، من مصادرها الطبيعية، فاكتشفت معظم الأدوية الأساسية المعروفة الآن.

العقار والدواء

       العقار هو المادة الشافية التي تستخلص من أصل طبيعي، مثل: النباتات، والكائنات الدقيقة، والحشرات، والكائنات البحرية، والثدييات. ومن العقاقير ما يستخرج من صخور الجبال، مثل: أملاح الحديد، المستخدمة في علاج الأنيميا، وأملاح الذهب، المستخدمة في علاج التهاب المفاصل.

       والعقار قد يكون مادة كيميائية واحدة، مثل: الأتروبين، الذي يستخرج من نبات ست الحسن، أو قد يتكون من عدة مواد، مثل: زيت كبد الحوت، الذي يحتوي على عديد من الفيتامينات.

       وتقدم بعض العقاقير الوقاية من بعض الأمراض، مثل: عقَّار الكينين (Quinine)

 المستخرج من لحاء شجرة السنكونا، والذي يقي من مرض الملاريا. كما أن من العقاقير ما يستخدم في تشخيص بعض الأمراض، مثل: عقَّار الكوراري (Curare) الذي يستخدم في تشخيص مرض ارتخاء العضلات المزمن.(Myasthenia gravis) .

       وهناك بين الدواء، والعقار، علاقة عموم وخصوص، إذ كل عقار دواء، وليس كل دواء عقاراً. فمن الأدوية ما يستخلص من مصادر طبيعية ومصادر غير طبيعية، مثل: التتراسيكلين، الذي يستخدم في علاج الأمراض البكتيرية. أما لفظ العقار فمخصوص بالأدوية المستخلصة مادتها الفعالة، من مصادر طبيعية، مثل: المورفين، الذي يستخلص من نبات الخشخاش  ويستخدم مخدراً قوياً ومسكناً للآلام، والديجوكسين، الموجود في أوراق نبات قفاز الثعلب ، ويستخدم في علاج بعض أمراض القلب، والرزربين (Reserpine)، الذي يستخلص من جذور نبات الراولفيا (Rauwolfia serpentina)، ويستخدم في علاج ارتفاع ضغط الدم، والأتروبين، وهو يستخرج من نبات شوكة التفاح (Thorn Apple) ، ويستخدم الأتروبين في علاج حالات المغص. ونبات البَنْج، الذي يستخرج منه شبيهات الأتروبين وله خصائص مخدرة ، كما توجد العديد من النباتات التي تستخدم في علاج أمراض الإنسان  

       وهناك عقاقير تستخلص من أصول حيوانية، مثل: الببسين (Pepsin)، وهو إنزيم يستخلص من الحيوانات الثديية، ويستخدم في حالات سوء الهضم. أما الأنسولين (Insulin)، الذي يستخرج من بنكرياس بعض الحيوانات الثديية، فقد أنقذ الملايين من مرضى السكر. وكذا الهيبارين الذي يستخلص من أنسجة الرئة، وأغشية أمعاء الأغنام والثيران. ويستخدم مضاداً لتخثر الدم.

       كما تستخرج بعض العقاقير من الحشرات، مثل: النحل، وسرطانات البحر، التي تمدنا بأدوية مانعة للتجلط، ومثبطة لسموم بعض الكائنات الدقيقة.

       وهناك عقاقير تستخلص من البكتيريا والفطريات، ففطر الأرجوت ، الذي يصيب سنابل القمح، يفرز مادة "قلويدات الأرجوت" (Ergot Alkaloides)، التي تستخدم لوقف النزيف في الإنسان. كذا تستخدم إفرازات الميكروبات السبحية، لإذابة الجلطة الدموية، في حالات مرض احتشاء القلب.

الجدول الرقم (1): النباتات الشائع استخدامها في العلاج من الأمراض

اسم النبات الشائع  

 

الدواعي

عين القط

 

سرطان الدم

الصفصاف

 

تسكين الآلام

الخشخاش

 

التخدير

الكوراري

 

ارتخاء العضلات

إصبع العذراء

 

إحتشاء عضلة القلب

الدحلاج

 

مرض النقرس

لوبيا كلابار

 

أمراض العيون

السواك

 

السرطان

الإفدار الصيني

 

الربو

الشاي

 

الربو

عرق الذهب

 

ضيق التنفس

العرقسوس

 

قرحة المعدة

لبير

 

الالتهابات

شوك الجمل

 

مدر للبول، وعلاج ضغط الدم

اللصف

 

الحمى والآلام الصدرية

رتم

 

التهاب العين

السكران

 

آلام المثانة

ربيجان

 

مسكن للآلام المعدية

الجعدة

 

الاضطرابات المعوية

هاندكوك

 

ملين

المطرقة

 

التهاب الحالب

 


للخلف                                                    الصفحة الرئيسة