الأمصال واللقاحات

المقدمــة

          يُعد العالم البريطاني إدوارد جينر Edward Jenner، أحد رواد التّحصين ضد الأمراض المعدية في العصر الحديث. فقد كان لأفكاره وتجاربه في هذا المجال، الفضل الأول في القضاء على مرضيّ الجدري والطاعون، بعد انتشارهما بصورة وبائية، عقب الحرب العالمية الثانية، في معظم دول العالم. وتتلخص فكرة التحصينات وطريقة عملها، في تحفيز جهاز المناعة بالجسم على تكوين أجسام مضادة، ضد نوع خاصٍ ومحدد من الميكروبات، وذلك عن طريق إعطاء الميكروب، المسبب لهذا المرض، في جرعة ضعيفة وموهنة صناعياً، بدلاً من الميكروب نفسه، حيث يروّض الميكروب الشرس معملياً وعلى فترات، حتى يفقد قوته وشراسته. وفي بعض الأحيان تُعطى أجزاء من مكونات الميكروب، أو من الأحماض الأمينية المكونة له، وعند دخولها جسم الإنسان من طريق التلقيح Vaccination، تعمل علي حث جهاز المناعة، وتنشيط إنتاج الأجسام المضادة لهذا الميكـروب، أو الأجزاء المكّونة له. وهكذا يُساعد التلقيح على الحماية من هذا الميكروب، إذا دخل الجسـم بعد ذلك. وهناك نوع آخر من اللقاحات لا يحتوي على الميكروب، أو على أجزاء منه، بل يحتوي فقط على السّموم، التي تفرزها هذه الميكروبات، بعد معالجة الميكروب كيماوياً، لتكون على شكل Toxoid، إي أشباه سموم غير ضارة، ومن أمثلة ذلك الدفتيريا والتيتانوس.

          وتنقسم المناعة إلى نوعين، طبيعية ومكتسبة. فالمناعة الطبيعية تتكون من: الجلد والمسام والعرق والأهداب والدموع، وإفرازات الغدد اللعابية والمعوية والرئوية والمهبلية، وتمثل ما يسمى "خط الدفاع الأول ضد الأمراض". أما المناعة المكتسبـة، فمنها إيجابي وسلبي. فالإيجابي هو تكوين أجسام مضادة، بعد الإصابة بالمرض نفسه، أو نتيجة إعطاء اللقاح. أما السلبي فيكون من طريق إعطاء المريض الأمصال Serum، التي تحتوي على الأجسام المضادة الجاهـزة، عن طريق الوريد أو العضل. وهذه الأجسام منها الخاص بمرض محدد، ومنها العام الذي يُعطي مناعة غير محددة بمرض خاص. وهناك تحفظ على استخدام الأنواع، التي تُحضّر من عدة متطوعين، لأن الأجسام المضادة المستخلصة من دم المتطوعين قد تحتوي على الأمراض، التي تُنقل عن طريق الدم، مثل إصابة الكبد بفيروس C، أو الإيدز، وغير ذلك من الأمراض. لهذا تُعد هذه الأجسام المضادة صناعياً "كيماوياً"، للاستفادة من قيمتها والتخلص من عيوبها.

   

الأمصال Serums

1. التعريف

          المصل serum، هو عبارة عن الأجسام المضادة الجاهزة، أو مضادات السّموم الجاهزة التحضير، التي تؤدي مفعولها فور إعطائها، ويستمر هذا المفعول لفترة قصيرة. وقد سُميت أمصالاً Serums لأنها تحضر من مصل عائل أخر، ثم تنقل بعد ذلك من طريق الحقن العضلي أو الوريدي. أما اللقاح Vaccine، فهو مولدات المضادات في شكل معلق من الميكروب، سواء كان حياً أو مضعفاً.

          وتمثل الأمصال جزءاً مهماً من المناعة، يُسمى المناعة السّلبية Passive Immunity، والتي تُستخدم أو يُلجأ إليها حين لا تتوافر المناعة الإيجابية Active Immunity، أو في حالة حدوث وباء، ولا يوجد وقت كاف لاكتساب المناعة، أو أن التطعيم ضد هذا الوباء لم يُؤخذ من قبل.

          وتُعرف المناعة السلبية: بأنها إعطاء الأجسام المضادة الجاهزة والسابقة التحضير، بغرض توفير مناعة فورية مؤقتة، ضد مرض محدد.

          أما المناعة الإيجابية، فهي إعطاء نوع، أو أكثر، من مولدات المضادات الخاصة بميكروب محدد، بغرض تحفـيز الجهـاز المناعي، ليكوّن الأجسام المضـادة الخـاصة به، ضد هذا الميكروب. وتعد المناعة الإيجابية، طبيعية إذا أعقبت الإصابة بالمرض نفسه، وتدوم في هذه الحالة مدى الحياة، أو على الأقل، لفترة زمنية طويلة جزئياً. وتعد صناعية إذا أعقبت اللقاحات الخاصة بمرض محدد، وتحتاج إلى إعادة التنشيط على فترات، تطول وتقصر، حسب نوع اللقاح. والمركبات المناعية المتوفرة، إما أن تكون نوعاً يحتوى على مولدات المضادات Antigens، مثل اللقاح وأشباه السموم Toxoid، أو نوعاً يحتوى على الأجسام المضادة Antibodies، مثل الجلوبيولين المناعي، ومضادات السموم Antitoxins.

2. أنواع الأمصال

          توجد أنواع عديدة من الأمصال، معظمها يُحضّر صناعياً، لتلافي نقل أمراض الدم، وبعضها يجري تحضيره في الخيول، بعد حقنها بالميكروب، ثم تستخلص الأجسام المضادة من البلازما، وتنقى وتعبأ. وقد تحضر بعض الأمصال في متطوعين، بعد أجراء الفحوص اللازمة لضمان خلوّهم من الأمراض. ويُسمى الجسم المضاد المستخدم في الأمصال بالجلوبيولين Globulin، وتوجد منه ثلاثة أنواع رئيسية، هي: البشرى، وعالي المناعة، والوريدي.

أ.

الجلوبيولين المناعي البشري Human Immune Globulin

 

 

يُحضّر هذا النوع من الأمصال، من مصل Serum، أو من بلازما Plasma الدّم، المستخرج من عدد من المتطوعين، وهو عبارة عن الجلوبيولين المناعي من النوع Ig G، بصورة مركزة، إضافة إلى IgM & IgA، ولكن بنسبه بسيطة. ويُحفظ عند درجه حرارة 4 مئوية. ويبدأ فاعليته في الجسم بعد 48 ساعة من الحقن به، لتستمر تلك الفاعلية لمدة ثلاث أسابيع تقريباً.
ويُستخدم هذا المصل، غالباً، للوقاية ضد الأمراض الآتية: إلتهاب الكبد A، والجديري، والحصبة الألمانية، خصوصاً للحوامل في الأشهر الثلاث الأولى من الحمل.
ومن عيوب هذا النوع من الأمصال، أنه يُعطي مناعة مؤقتة، كما تختلف فاعليته من نوع لأخر، ويسبب ألماً أثناء الحقن العضلي، وقد يسبب حساسية شديدة، في بعض الحالات.

ب.

الجلوبيولين ذو المناعة العالية: Hyperimmune Globulin

 

 

يُحضر هذا النوع من الأمصال من الأشخاص، الذين لديهم نسبة عالية من الأجسام المضادة الخاصة بمرض معين. ويكون تحضيره من هؤلاء المرضى أثناء فترة النقاهة. كما يجري تحضيره كذلك من طريق تحفيز جهاز مناعة الأصحاء، بإعطائهم اللقاح الخاص المرض، ومن أمثلة ذلك:
مصل السعار أو داء الكلب Rabies، والمصل المضاد للالتهاب الكبدي ب Hepatitis B، والتيتانوس Tetanus، والجُديري Varicella- Zoster.
ومن عيوبه أنه مؤلم أثناء الحقن العضلي، كما يمكن أن تصاحبه حساسية شديدة.

ج.

الجلوبيولين المناعي الوريدي: " Intra -venous Immune Globulin " IVIG

 

 

يتميز هذا النوع من الأمصال، بأنه يعطى من طريق الحقن الوريدي وليس العضلي؛ ما يساعد على إعطاء جرعات كبيرة ومتكررة من المصل، من دون حدوث ألم. ولهذا يُعد أفضل الخيارات Drug of Choice لعلاج الأطفال المبتسرين، ناقصي الوزن والنمو، من الإصابات البكتيرية والفيروسية، مثل الالتهاب السّحائي أو الإيدز. وعلى الرغم من عدم حدوث ألم أثناء الحقن، ألا أن حدوث الحساسية، لا تزال من عيوب هذا المصل.

3. أمثلة لبعض الأمصال

تتميز بعض الأمراض بأن لها مصلاً ولقاحاً، في الوقت نفسه، مثل الدفتيريا والتيتانوس، اللذين لهما لقاح مكون من أشباه سمومهم Toxoid، يسمى D.T. ويستخدم لتكوين مناعة على المدى البعيد، وأيضا لهما مصل يسمى "مضاد سم الدفتيريا" Diphtheria Antitoxin، و"مضاد سم التيتانوس" Tetanus Immune Globulin TIG، ويستخدما للعلاج الفوري والسّريع لهذه الأمراض، خصوصاً في المرضى الذين لم يسبق لهم التلقيح ضد هذه الأمراض.

ومن الحالات المهمة لاستخدام الأمصال، حالات التسمم الغذائي Botulism، التي يُستخدم لها مصل يسمى "مضاد التسمم الغذائي" Botulinum Antitoxin. ويُسمى العلاج باستخدام الأمصال المحضرة بالطرق المناعية الحديثة، ضد لدغ الثعبان والعقرب والعنكبوت وغيرهم، بـ"العلاج المناعي بالأمصال" Venom Immunotherapy، وهو علاج آمن وفعال، خصوصاً في حالة حدوث ردة فعل، أو حساسية مع المصل نفسه، قبل معالجته مناعياً، أو أثناء الحمل. ويسمى استخدام الأمصال، بسبب ما تحتويه من أجسام مضادة لمنع حدوث بعض الأمراض المعدية، بـ"الوقاية المناعية" Immunoprophylaxis.

أ. مصل سم الثعبان Antisnake Venom

إن نسبة 15% فقط من الثعابين تُعد سامة، بينما نسبتها العظمى غير سامة. ويتكون سم الثعبان Snake Venom من بروتينيات متعددة، لها القدرة على الالتصاق بأماكن المستقبلاتReceptors في الضحية، وتؤثر عليه حسب نوع السم. فقد تكون السّموم عصبية Neurotoxins فيؤثر على الجهاز العصبي، أو قلبية Cardiotoxins، فتؤثر على القلب، أو دموية Hemotoxins، فتؤثر على الجهاز الدوري.

وتحدث سموم الثعابين أثارها الموضعية في مكان اللّدغة، مثل تورم واحمرار بالجلد في أقل من نصف ساعة، وتورم في القدم أو اليد بالكامل، مع تورم في الأوعية الليمفاوية والغدد الليمفاوية. أما الأعراض العامة فتشمل:

ارتفاع درجة الحرارة، وقيء، وضعف عام، وتشنجات عضلية، وهبوط بالقلب، وفقدان للوعي، ثم صدمة عصبية Shock، كما يحدث نقص في الصفائح الدموية، ونزيف وتجلط بالدم.

وعلاج مثل هذه الحالات يتطلب سرعة وعناية فائقتين. وأول مهمة هي إيقاف سريان السم في جسم الضحية، بربط الذراع، أو القدم فوق مكان اللّدغة، مع إحداث جُرح في مكانها، ومحاولة امتصاص الدم بما يحتويه من سموم، وبصقه خارج الجسم. ويُعطى المصل المضاد لسم الثعبان Antivenom، وهو يُحضر من دم الخيول Horse Serum بعد لدغها، أو حقنها بسم الثعبان، أو من دم الأغنام Sheep Serum، الذي يسبب حساسية أقل بكثير، من تلك التي يحدثها المصل المحضر من دم الخيول. وعلى هذا فلا بد من إجراء اختبار الحساسية، قبل إعطاء المصل، الذي يتوقف نجاحه في العلاج على عاملين أساسيين، هما: عامل الوقت وحجم الجرعة. أما الوقت، فيجب إعطاء المصل خلال 4 ساعات من اللّدغة، لأن فاعليته تبدأ تقل بعد مرور 12 ساعة.

أما الجرعة، فتعتمد على شدّة اللّدغة ومكانها، والأعراض المصاحبة لها. ويعطى المصاب غالباً من 10 إلى 15 أمبول، وأحيانا أكثر؛ وتقلل الجرعة في الأطفال وكبار السن.

وتوضع هذه الأمبولات على 500 ملليليتر إلى ألف ملليليتر، من محلول ملحي، أو جلوكوز 5%، ويُركب جهاز وريد، وتحدد سرعة إعطاء المصل والمحاليل بـ75 ملليليتر في الساعة، مع مراقبة حدوث أي أعراض جانبية أو حساسية، وذلك بمراقبة الحرارة والنبض والضغط وقياس محيط الذراع أو القدم المصابة، في ثلاثة أماكن مختلفة. أعلى، وأسفل، ومكان اللّدغة، ويكرار القياس كل 15 دقيقة لمعرفة تطورات التورم، ولتقليل الجرعة أو تقليل سرعة إعطاء المحاليل. ويمكن تكرار الجرعة، حسب الأعراض.

ب. مصل سم العنكبوت: Antispider Venom

توجد بعض أنواع العناكب المعروفة بسُمّيتها، مثل العنكبوت الأرملة Widow Spider، أو العنكبوت البني Brown Spider، وهي تفرز سموماً عصبية مثل سموم الثعابين. وتحدث لدغتها ألماً مثل شك الدبابيس، وتترك علامة هي كدمة زرقاء وقرحة في المنتصف، تحيط بها دوائر؛ ما يعطيها شكل الهدف الخاص بتدريب الرماية Target، مع حدوث تقلصات عضلية بالذراع، أو القدم، وتصلب في عضلات البطن، وارتفاع في درجة الحرارة والضغط، وعرق شديد وهياج وقيء.

ويكون العلاج بوضع كمادات باردة مكان اللّدغة، وإعطاء مصل سم العنكبوت المناسب، بعد إجراء اختبار الحساسية اللازم.

ج. مصل سم العقرب: Antiscorpion Venom

من أنواع العقارب السّامة ما يعرف باسم "عقرب الموت الأصفر" Yellow Death scorpion، أو "عقرب الموت الأسود" Black Death Scorpion، وهي عندما تلسع تُحدث احمراراً وألماً وتنميل في مكان اللسعة، مع ارتفاع في درجة الحرارة والضغط، وسرعة ضربات القلب، وصعوبة في التنفس، وزيادة اللّعاب، وأخيراً حركات غير إرادية بالرأس.

ويكون العلاج بإعطاء المصل المضاد لسم العقرب، بعد إجراء اختبار الحساسية اللازم.

وتوجد مراكز كثيرة متخصصة في علاج كافة حالات التسمم، سواء بسبب تناول أدوية، أو أطعمة فاسدة، أو لدغ زواحف أو حشرات، مع توفير كافة المعلومات الخاصة بنوع الدواء المضاد، وعمل الإسعافات الأولية اللازمة لإنقاذ حياة الإنسان.