اهتم الإنسان
بالمناعة منذ أزمنة بعيدة، حين لاحظ أن بعض الأمراض، إذا أصيب بها
الإنسان مرة واحدة لا يصاب بها نهائياً بعد ذلك، مهما تعرض للعدوى بها.
وكان التفسير لذلك، وهو وجود ما يسمى بالمناعة في جسم الإنسان، ضد
الإصابة بالمرض نفسه. وفي القرن العاشر الميلادي كان الأتراك هم أصحاب
فكرة حقن الأصحاء بالمواد المستخلصة من البثور، التي يسببها مرض
الجدري، للوقاية من ذلك الوباء، الذي اجتاح العالم كله حينذاك. ثم
استطاع الصينيون تطوير هذه الطريقة، واستخدام تلك المواد من طريق الأنف
بدل الحقن، وذلك لتقليل الآثار الجانبية، التي حدثت مع الحقن. واستمرت
محاولات العلماء منذ ذلك الحين، حتى توصلوا إلى تطعيم الجدري في شكل
مسحوق "بودرة" توضع على الجلد، ثم يشرط الجلد في ذلك المكان. ونجح هذا
النوع من التطعيم، الذي نُقل إلى إنجلترا وأُطلق عليه Variolation، أي التطعيم باستخدام
ميكروب الـ Variola،
أو Smallpox أي
الجدري. ومع أن هذا النوع من التطعيم انتشر في العالم كله، إلاّ أنه
كان له الكثير من الأعراض الجانبية، مثل التورم والاحمرار وارتفاع
الحرارة. ولهذا، استخدم العلماء خلاصة البثور المستخلصة من جدري
البقر Cow pox، وليس جدري
الإنسان Small pox، بعد أن
لاحظوا أن النساء اللاتي كن يحلبن الأبقار المصابة بجدري البقر، لم
يصبن بوباء الجدري المنتشر آنذاك. ثم عرف الإنسان خلال القرن التاسع
عشر الميلادي، أن تركيب الجزيء المعدي في فيروس جدري البقر، مطابق
تماما لتركيب الجزيء المعدي في فيروس جدري الإنسان، ومن ثم فإن الأجسام
المضادة Antibodies، التي
ينتجها جهاز المناعة لأحدهما تمنع العدوى بالآخر.
ويرجع الفضل
في اكتشاف علم المناعة الحديث، ولفت النظر إلى معظم نظرياته، إلى
العالم الفرنسي الشهير لويس باستير، الذي اكتشف أن التلقيح بالبكتريا
المضعفة، أو المقتولة، يحدث نوعاً من الوقاية، أو الحماية، التي أسماها
باستير "التلقيح" Vaccination. وقد استطاع باستير اكتشاف طرق عديدة لإضعاف البكتريا،
واستخدامها في التلقيح وتحضير الأمصال. ويُعد التحصين ضد مرض الكلب أو
السعار، من أعظم إنجازات باستير.
ثم اكتشف
العلماء حقيقة أخرى، هي أن حقن الحيوانات بالسائل، الذي يحتوى على سموم
ميكروب الدفتيريا، أو ميكروب التيتانوس، ينتج عنه مصل يمنع حدوث هذه
الأمراض إذا حقن في الإنسان. وأطلق على هذا المصل "مضاد السموم"
أو Antitoxins. واستمرت
التجارب بعد ذلك لاكتشاف التطعيمات المستخدمة حالياً، والتي أدت إلى
منع انتشار عددٍ من الأمراض، مثل شلل الأطفال، والحصبة،
والدفتريا.
ثم اكتشف
الجهاز المكمل complement The، ودوره في قتل البكتريا، وكذلك دور خلايا الجهاز المناعي
الأساسية، وهي الخلايا الليمفاوية البائية
B-cell، المسؤولة عن إفراز الأجسام المضادة؛
والخلايا الليمفاوية التائية T-cell، المسؤولة عن مهاجمة البكتريا والتخلص منها والتهامها، أو
إفراز مواد تقضى عليها. وجدير بالذكر أن الأجسام المضادة Antibodies، تُفرز حسب نوع الجزيء
المعدي للميكروب Antigen،
ويطلق عليه مولّد المضادات. وهذه الأجسام تنتمي إلى نوع من البروتينات
يسمى جاما جلوبيولين Gammaglobuline، يسمى أيضاً
Immunoglobuline، أو "البروتين المناعي"، ويختصر
إلى رمز Ig، وهو مقسّم حسب
المهمة الخاصة به، وحسب أماكن وجوده في الدم، أو في الجهاز الهضمي، أو
خلافه، إلى أنواع عدة، هي: IgE, IgM, IgG,
IgA, IgD.
وتتكون
الأجسام المضادة من أجزاء ثابتة وأجزاء متغيرة، ويحدث هذا التغيير على
شكل تباديل وتوافيق، حسب نوع الميكروب؛ أي أن الخلايا البائية يمكنها
تكوين ملايين الأجسام المضادة المختلفة عن بعضها. وقد ثبت إنها تساعد
الخلايا الأكولة، وتزيد من فاعليتها، وهو ما يسمى "الأعداد للبلع"
أو Opsonization، وهو مشتق
من اللفظ اليوناني Opsono،
ومعناه "أنا أعد الطعام". وتستخدم الأجسام المضادة، كذلك، في تحديد
فصائل الدم المختلفة. كما اكتشف أن أحد الأجسام المضادة،
وهو IgE، له علاقة وثيقة
بالحساسية، وأن هناك خلايا ليمفاوية تسمى "الخلايا
السائدة" Mast cell، لها
القدرة في حالات الحساسية، على إفراز مواد كيماوية مثل
الهيستامين Histamine. وهى
تنطلق إلى الدم لتسبب كل أعراض الحساسية، التي يشعر بها المريض في بعض
أمراض الحساسية، مثل حساسية الجلد، وحمى القش، والحساسية
الصدرية.
الصفحة الرئيسة